حلم استرداد الأموال المنهوبة يتحول إلى «كابوس»

حلم استرداد الأموال المنهوبة يتحول إلى «كابوس»
محمد شعبان

اقتربت مصر من فقدان الأمل فى عودة الأموال التى هرّبها رموز نظام مبارك إلى الخارج، فالحكم الصادر من محكمة سويسرية يضم فى الدعوى المعروضة على المحكمة الجنائية والخاصة

بغسيل عائلة مبارك أموالاً بقيمة 410 ملايين فرانك سويسرى لن يؤدى إلى استعادة مصر تلك المبالغ فى النهاية، لأن القضية كانت تحتاج إلى جهود ودلائل لم توفرها الحكومة المصرية، وهو ما يجعل استرداد تلك الأموال مستحيلاً.
والمعركة الدائرة الآن بين اللجنة القضائية المُشكلة برئاسة المستشار عاصم الجوهرى، مساعد وزير العدل، للكسب غير المشروع، وبين الدول التى هربت إليها الأموال أعلنت هزيمة «الجوهرى» بالقاضية، خاصة أنه خاض الحرب دون أن يملك أسلحة قوية للدفاع عن مواقفه، ولم يتمكن من إجبار حكومات تلك الدول على الاستجابة لمطالبه.
فاللجنة القضائية فشلت فى تحقيق أهم مطلب من مطالب الثورة وهو استرداد الأموال المنهوبة، واختارت السير فى طريق ملىء بالأشواك والمطبات وهو الطريق القضائى وتركت أقصر الطرق للوصول إلى تلك الأموال وهو الضغط الشعبى والرسمى، واختارت أن تعمل فى جزر منعزلة عن اللجان الشعبية التى شكلها الخبراء والقانونيون للمساهمة فى استردادها، والأخطر من ذلك بحسب الخبراء أنه لا توجد إرادة سياسية لاسترداد تلك الأموال التى لم توضع حتى الآن على أجندة اهتمامات حكومة «الجنزورى» التى لم تعقد اجتماعاً واحداً لبحث تلك القضية رغم أهميتها وبحث مساهمة الأموال المنهوبة حال عودتها، فى إنعاش الاقتصاد المصرى الذى يعانى من نزيف حاد رغم أن بعض الدول أعلنت استعدادها للتعاون ولكن يبقى رد الفعل الإيجابى من الحكومة المصرية التى التزمت الصمت حتى الآن.
الدكتور حسام عيسى، رئيس لجنة استرداد الأموال المنهوبة، قال إن المبالغ التى أعلنت سويسرا عن تجميدها لا تمثل شيئاً لأموال مبارك المهربة إليها فمبلغ الـ410 ملايين فرانك سويسرى لا تمثل سوى «الفكة» التى يملكها مبارك وعائلته، ولكن فى كل الأحوال تلك الأموال لم تعد إلى مصر لأنه لم يصدر حكم قضائى من محكمة مصرية، يؤكد أن تلك الأموال حصل عليها الرئيس المخلوع وعائلته بطريقة غير مشروعة.
وأضاف أن مصر لم تقدم فى التحقيقات التى أرسلت إلى سويسرا ما يفيد بأن تلك الأموال خرجت من مصر، والحادث أن محكمة سويسرية تحاكم مبارك على غسيل أموال على أرضها وضم الحكومة لا يعنى استردادها، فلو لم تقدم الحكومة الأدلة الكافية ستتحول تلك الأموال إلى سويسرا، خاصة أنه لا توجد جدية لفتح هذا الملف، مشيراً إلى أن لجنة استرداد الأموال أداة ضغط تساعد اللجنة القضائية ولكن لا توجد نية سياسية لاسترداد الأموال المنهوبة.
أما الدكتور نبيل حلمى، أستاذ القانون الدولى، عميد كلية حقوق الزقازيق السابق، فأكد أنه من الصعب استرداد الأموال المنهوبة فى الوقت الحالى وفى ظل الظروف التى تعمل بها اللجنة القضائية والأوضاع

التى تمر بها مصر الآن، لأن هذا يتطلب رفع دعوى قضائية فى مصر أمام محكمة عادية ضد المتهمين بتهريب الأموال يتم الحكم فيها بشكل نهائى وللأسف قانون العقوبات فى محاكم الجنايات المصرية يشترط حضور المتهم وليس محاميه أو من ينوب عنه لمناقشته، وإذا صدر حكم فى حالة عدم حضور المتهم يكون الحكم غيابياً ولا تعترف به حكومات الدول بعكس القضاء العسكرى المتطور الذى عالج تلك القضية ولكن الأحكام العسكرية لا تعترف بها دول أوروبا أيضاً.
وأشار إلى أن تلك الدول تشترط صدور حكم نهائى حضورى بعد استنفاد جميع الطرق القضائية لنقض الحكم واستئنافه وهو ما يستغرق وقتاً هائلاً من الممكن أن يصل إلى 10 سنوات لصدور تلك الأحكام، وخلال تلك الفترة لن نتمكن من الحصول على أى أموال مجمدة معلن عنها، موضحاً أن معظم الأموال المهربة إلى الخارج تودع فى البنوك بأرقام حسابات سرية وليس بأسماء أشخاص، وهو ما يجعل الوصول إليها من الخيال لأنه لن يتم التعرف على صاحب الأموال المودعة، كما أن كثيراً من تلك الأموال تم إدخالها فى شركات تجارية ومشاريع استثمارية فى دول أوروبا ومن الصعب أن تسلم تلك الدول الأموال حتى لا يتأثر اقتصادها بطريقة سلبية.
وقال «حلمى»: إن الهدف هو الحل التصالحى فهناك مواد فى قانون العقوبات تتحدث عن التصالح القضائى مع المتهمين مقابل دفع كل ما حصلوا عليه من نظام مبارك واستفادوا منه بطريقة غير شرعية وهذا أفضل لأن الأموال ستعود فى الحال وأيضاً لابد من التفاوض مع الهاربين إلى الخارج وأن نقبل عودتهم مقابل تسليم أموالهم فى الخارج إلى الحكومة المصرية.
وقال الدكتور فؤاد رياض، قاضى المحكمة الدولية، عضو لجنة استرداد الأموال المنهوبة، إنه حينما خاطبنا سويسرا لاسترداد الأموال المنهوبة اشترطت صدور حكم نهائى من المحاكم المدنية غير قابل للطعن واستوفى جميع المراحل القضائية من الطعن والنقض إلى غير ذلك، بل إنها طالبت بتحديد أماكن البنوك التى تم إيداع الأموال فيها وحجم الأرصدة وجميع المعلومات واستندت فى طلبها إلى اتفاقية مكافحة الفساد التى وقعتها مصر وسويسرا، ولكن إلى الآن لم تتم الاستجابة لمطالب سويسرا ونحاكم «مبارك» على جرائم قتل المتظاهرين وفروق أسعار الغاز دون أن نسير فى الاتجاه الصحيح للمحاكمة الذى لابد وأن يتطرق إلى الأموال المنهوبة والمودعة فى سويسرا، فمحاكمة مبارك المنعقدة الآن لن تفيد فى استرداد
الأموال المنهوبة لأنها تخص جرائم أخرى غير جرائم نهب المال العام وتهريبه إلى الخارج.
وأكد الدكتور على الغتيت، خبير التحكيم الدولى، عضو لجنة استرداد أموال مصر المنهوبة، أن دور الكسب غير المشروع من الناحية العملية سياسى فقط وهو دور مهم ومطلوب فى تلك الفترة، ولكن من الناحية القانونية من الصعب أن تتمكن تلك اللجنة من استرداد الأموال المنهوبة فدورها قاصر على التواصل مع الدول خارج إطار القانون وبطريقة ودية فقط، ولكن بالشكل العملى لن تتمكن من أداء مهمتها.
وأضاف أنه إذا تحدثنا عن كسب غير مشروع فأصلها أن هناك أموالاً موجودة حالياً ملك صاحبها يفشل فى تحديد مصدرها وطريقة كسبها، ولكن اللجنة لم تبحث عن المهم الذى تريده الدول المهربة إليها الأموال وهو كيف جاء صاحب الأموال المهربة بالمال بطريقة غير مشروعة وهذا لن يتم إلا بالتتبع الجنائى ولكن جهاز الكسب يعتمد على تحريات رقابة إدارية وإقرارات ذمة مالية ولا يعتمد على التحقيق الجنائى الذى يصل إلى الهدف مباشرة.
وأشار إلى أن التفويض الذى قدمه بعض رموز النظام لتعقب ثرواتهم غير مفيد لأنه غير دال على شىء، والحل العملى فى تقديم ما يسمى بالتفويض الكاشف الذى يرشد بوضوح عن أرقام الحسابات وأسماء البنوك ويسمح للحكومة بصرف تلك الأموال عند العثور عليها وهذا التفويض معناه اعتراف رسمى من المتهم ويمكن أن يحل القضية دون الضغط الشعبى أو الدبلوماسى.
وكشف معتز صلاح الدين، رئيس المبادرة الشعبية لاسترداد أموال مصر المنهوبة، عن أن حجم الأموال المصرية المهربة إلى الخارج يصل إلى 225 مليار دولار إلى دول سويسرا وبريطانيا وإسبانيا وهولندا وأمريكا وبعض الدول العربية وأهمها الإمارات والسعودية وفيما يخص الجهود التى بذلت أؤكد أن سويسرا لن تسلم الأموال المنهوبة إليها باستثناء مبلغ 410 ملايين فرانك التى أعلنت عن تجميدها فى السابق وستظل تناور لعدة سنوات وستسلم هذا المبلغ فقط رغم أن لديها أكثر من ذلك بكثير ولكنها لن تعلن عن ذلك لوجود ضغوط عليها من قادة بعض الدول العربية حتى لا تسلم الأموال إلى مصر والتى وصلت إلى حد التهديد بسحب أموالهم من البنوك.
وأضاف: بالنسبة للأموال الموجودة فى بريطانيا فقد توصلنا إلى مستندات مهمة ووثائق وأحكام إدانة لمسئولين فى النظام السابق أخفوا أموالهم فى بنوك بريطانية صدرت ضدهم أحكام سابقة فى بداية عصر مبارك بالإدانة ولكن مبارك تدخل وحماهم ونرفض الإعلان عن أسماء تلك الشخصيات الموجودة فى مصر حتى لا تتخذ إجراء مقاوم لتحركاتنا ونريد الانتهاء من جميع التحركات ونفاجئ المسئولين بها.
وأشار إلى أن بريطانيا تشترط تسليم حكم قضائى، ولكن هناك جهوداً أخرى على المستوى الشعبى بعد أن نجحنا فى توصيل القضية إلى البرلمان هناك واعترف مسئول الشرق الأوسط بالخارجية هناك بوجود أموال تخص 19 مسئولاً مصرياً لديها، ولكنها رفضت إعلان أسمائهم قبل أن تصدر ضدهم أحكام ولكنها جمدت 80 مليون فرانك تخص مبارك لديها فقط.
أما أمريكا فقد نجح منسق المبادرة الدكتور محمد الجمل فى لقاء عدد من نواب الكونجرس الأمريكى ووعده ديفيد برايس، عضو الكونجرس، بتصعيد ملف استرداد أموال مصر المهربة، وطلب جلسة فى الكونجرس لمناقشة القضية، كما قام الجمل بإلقاء عدة محاضرات فى الجامعات وعدد من منظمات المجتمع المدنى لإيجاد رأى عام مساند للقضية فى أمريكا.
وأشار «صلاح الدين» إلى أن الأموال المنهوبة فى الإمارات والسعودية وقطر من الصعب استعادتها حتى بعد صدور أحكام قضائية؛ لأن تلك الدول لم توقع على اتفاقيات مكافحة الفساد.

 

أهم الاخبار