السياسة الواقعية يمكن أن تخفّف معاناة الفلسطينيين

السياسة الواقعية يمكن أن تخفّف معاناة الفلسطينيين
بقلم خلف أحمد الحبتور

ان القضية الفلسطينية تعتبر قضية محورية  في وجدان وضمير الشعب العربي وهي الأعزّ على قلبي، ويحزنني كثيراً أن المجتمع الدولي لا يحرّك ساكناً من أجل العمل على إقامة دولة فلسطينية. في السبعينيات، شكّلتُ مع أصدقاء إماراتيين جمعيات تلتزم بدعم حق الشعب الفلسطيني في العودة بموجب القانون الدولي، وبعد أربعين عاماً، يبدو ان هذا الحق أبعد منالاً بكثير مما كان عليه. لسوء الحظ، فكرة قيام الدولة الفلسطينية على وشك أن تتحوّل وهماً وتوضَع على الرف إذا لم نبادر إلى الاستفادة من أي فرص قد لا تعود.

السبب الأساسي في الحالة المأساوية التي وصلت إليها الأمور هو عدم استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات، وتوسيعها المستمر للمستوطنات، وسرقتها للأراضي الفلسطينية في القدس الشرقية والضفة الغربية. والمجتمع الدولي مدان أيضاً لأنه لا يتحرّك. تؤكّد معظم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما في ذلك الولايات المتحدة، دعمها لإقامة دولة فلسطينية، إلا أنها تتوانىعن ممارسة أي ضغوط على الحكومة الإسرائيلية. لكنني لست في صدد إلقاء اللوم على الآخرين، فالملامة لا توصلنا إلى أي مكان. لدى كل طرف مشاغله ومعاناته ومظالمه التي يتمسّك بها.

لذا دعونا نضع الحديث عن الصواب والخطأ جانباً، ولنتحلَّ بالواقعية.

ثمة نقطة يجب أن يجمع عليها كل من يملك ذرّة من التعاطف. حُكِم على الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أم في غزة أم في الشتات، أن يعيشوا حياة لا يتمنّاها معظمنا لأسوأ أعدائهم. لا تستطيع الحكومات العربية فعل الكثير لمساعدة الفلسطينيين الذين يناضلون في ظل الاحتلال، فالأمر ليس في أيديها. لكن ليس هناك ما يمنعها من تحسين الظروف المعيشية للاجئين الفلسطينيين الذين يكتظّون في مخيّمات بائسة داخل حدودها.

من يزور تلك المخيّمات في لبنان وبلدان عربية أخرى يختبر تجربة مؤلمة ومؤثّرة جداً لا أنصح بها لضعفاء القلوب. لا يسعني أنا العربي سوى أن أشعر بالعار لأنهم تُرِكوا ليعيشوا في هذا البؤس والإذلال. ففي معظم البلدان التي تستضيفهم، حُكِم عليهم أن يعيشوا من دون جنسية ولا عمل. وفي حالات كثيرة، يُحرَمون من حقّ تملّك

الأراضي أو تأسيس عملهم الخاص، ويقبلون صاغرين بتعليم دون المستوى لأولادهم وخدمات صحية رديئة. لماذا؟

أليسوا بشراً بأجساد وعقول وأرواح تحتاج إلى التفتح؟ لم يرتكبوا أي خطأ. إنهم ضحايا أبرياء. معظمهم ولدوا داخل مدن الصفائح المزرية. يأتي الأطفال الفلسطينيون إلى هذه الدنيا وسط غصّة لدى الأهل لأنهم يعلمون أن مستقبل أبنائهم قاتم. عندما أرى السعادة في عيون أحفادي، يتملّكني حزن شديد إزاء ما يشعر به أولئك الآباء والأمّهات.

كفانا التعامي عن آلامهم! كفانا استغلالاً لأولئك المساكين من أجل تحقيق مآرب سياسية! يقع على عاتق كل الدول العربية الإتفاق على استراتيجية معيّنة وحشد مواردها من أجل تطبيقها.

يجب أن يحصل كل لاجئ فلسطيني على منزل في بلد عربي بالطريقة التي يختارها. وعندما يستقرّون، يجب أن يتمتّعوا بحقوق متساوية مع بقيّة المواطنين. يجب أن يتاح لهم الحصول على فرص تعليم وتدريب من الطراز الجيد كي يتمكّنوا من اكتساب المهارات الضرورية التي تعود بالفائدة على عائلاتهم وعلى أوطانهم الجديدة. لكن هذا لا يلغي أبداً واقع أن فلسطين ستبقى دائماً وطنهم الأم.

فضلاً عن ذلك، يجب اعتماد نهج أقل أيديولوجية في التعامل مع إسرائيل، وهذا أيضاً من أجل مصلحة الفلسطينيين الذين تحاصرهم الجدران وحواجز التفتيش. شئنا أم أبينا، فمن الواضح أن إسرائيل المسلّحة نووياً تحت رعاية شقيقتها الكبرى، الولايات المتحدة، وُجِدت لتبقى. إذاً بدلاً من خوض معركة متواصلة للسيطرة على هذه الأرض المقدّسة التي المحبوبة من كل الأنبياء، على الإسرائيليين والعرب أن يجدوا طريقة للتعايش بطريقة سلمية.

يجب أن نتجاهل من يتاجرون بالشعب الفلسطيني، إنما يستغلّون قضيتهم بلا رحمة تحقيقاً لمصالحهم الشخصية، سواء كانوا عرباً أم إيرانيين أم غربيين. يجب أن نعتز بفلسطين بحق ولا أن نعاملها مثل سلعة نتاجر بها أو نحوّلها أداة في
العلاقات العامة لمنح مصداقية للكذبة والمناوِرين. حان الوقت للوقوف في وجه من يتلاعبون بمشاعرنا بلا هوادة.

دعونا نتخلّص أيضاً من بعض التوصيفات مثل "الشيطان الصغير" و"دولة العدو الصهيوني" التي تهدف إلى التحريض وتحول دون جلوسنا حول طاولة واحدة. في الحقيقة، لدينا أعداء أكثر خطورة بكثير من إسرائيل يتنكّرون في صورة الأصدقاء. فالإهانة والتجريح يساهمان في إشعال نيران العداوة. لقد آن الأوان للشروع في المفاوضات مع إسرائيل بنية طيّبة، مع أن يداً واحدة لا تصفّق.

ربما بدت الخطّة ألف التي تجسّدت في اتفاقات كمب ديفيد، جيّدة عند توقيعها، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً عند التطبيق. حان الوقت لنقرّ بذلك وننتقل إلى الخطة باء التي يجب أن تستند في رأيي إلى مبادرة السلام التي إقترحها الملك عبدلله بن عبدالعزيز أثناء مؤتمر القمة العربية في العام 2002. ولكن نظرا للظروف المتغيرة منذ ذلك الحين أقترح التالي:

·         لقد ثبت مراراً وتكراراً عقم المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية بوساطة أمريكية. أقترح تشكيل لجنة مؤلّفة من فلسطينيين مرموقين وممثّلين عن دول مجلس التعاون الخليجي، ومنحها صلاحية التفاوض مباشرةً مع الحكومة الإسرائيلية من دون وجود أي أطراف ثالثة.
·         يجب ألا يفرض أي من الجانبَين شروطاً مسبقة للشروع في المحادثات، مع استثناء وحيد: يجب أن يتوقّف توسيع المستوطنات الإسرائيلية قبل أن يؤدّي إلى القضاء على أي إمكانية لقيام دولتين تعيشان جنباً إلى جنب لأن الفلسطينيين لن يقبلوا أبداً بدولة بحجم طابع بريدي من دون سيادة على حدودها ولا شواطئها ولا مجالها الجوي.

إذا فشلت كل المقاربات أو لم تعد إقامة دولة فلسطينية مستقلّة خياراً عملياً على ضوء الحقائق على ارض الواقع، يجب أن يُتاح للفلسطينيين إما السعي إلى تطبيق "حل الدولة الواحدة" وإما إنشاء منطقة تتمتّع باستقلال ذاتي داخل اتحاد فدرالي إسرائيلي - فلسطيني.

على العرب أن يباركوا كل الاحتمالات التي يمكن أن تعود بنتائج ناجحة للفلسطينيين، وكل ما يمنحهم حياة كريمة، وظروف العيش التي يعتبرها معظمنا من المسلّمات. وبالمثل ينبغي على الإسرائيليين أن يفهموا أنهم إذا أرادوا أن ينعموا بالأمان، فعليهم أن يقلعوا عن بناء الجدران الشاهقة العازلة وعن استخدام القوة العسكرية، ويمدّوا غصن الزيتون للشعب الفلسطيني وجيرانه العرب.

في نهاية المطاف، ينبغي على كل الأطراف التي هي في قلب الصراع أو عند أطرافه أن تتّخذ قرارها: هل هم مستعدّون لترك العنف والمعاناة يتواصلان إلى ما لا نهاية عبر نبش الماضي وتراشق الاتهامات أم أنهم منفتحون على أفكار وحلول جديدة ومبتكرة؟ الخيار بسيط. حب الحياة أو احتفاء مرَضي بالموت. بالنسبة إلى من يأبهون مثلي لمعاناة الشعوب، الخيار محسوم.

أهم الاخبار