ضابط "إدارية": فاسدون كبار في الحكم

حوار: صابر مشهور


بعد طول إلحاح، وافق المقدم معتصم فتحي الضابط بقسم المراقبات الخاصة بالرقابة الإدارية سابقا، على إجراء حوار مع "بوابة الوفد"، فالرجل يملك معلومات وأسرارا كثيرة، حيث أن القسم الذي كان يعمل به يختص بمراقبة الوزراء وكبار المسئولين، وحرك قضايا عديدة ضد وزير الإسكان الأسبق محمد إبراهيم سليمان، لكن وضعت في الأدراج بتعليمات من مبارك، كما حرك العديد من القضايا التي تمس بعض القضاة ومحمد فريد خميس ورؤساء عدد من الشركات.

فتحي استقال من عمله بالرقابة الإدارية قبل أحداث ثورة 25 يناير احتجاجا على منعه من كشف الفساد خاصة في قضية د.محمد إبراهيم سليمان، ورفض طويلا إجراء حوار معه، معللا ذلك بأن الظهور في الإعلام للحديث عن نفسه أو زملائه لا يصح، لكن بعد إقناعه بأن ما يملكه من معلومات هي ملك الشعب، قرر التحدث:

** كيف التحقت بهيئة الرقابة الإدارية؟

تم ترشيحي من قبل ضباط آخرين بالرقابة الإدارية، وبناء عليه صدر قرار بنقلي من الشرطة إلى الرقابة الإدارية، والنظام المعمول به هو أن ضباط الرقابة يرشحون من رؤسائهم ضباط الشرطة أو القوات المسلحة الذين يرون فيهم صلاحية للالتحاق بالرقابة الإدارية، وبعدها يتم إجراء تحريات دقيقة لمدة سنة كاملة عن الضابط المرشح دون علمه.

وإذا ثبت أنه يصلح، فإنه يلتحق فعلا، ولا توجد واسطة في الالتحاق بالرقابة الإدارية على الإطلاق على الأقل حتى العامين الأخيرين، لأنني رشحت ضباطا من عائلات فقيرة جدا، وتم قبولهم، في الوقت الذي رفضت طلبات كبار المسئولين لإلحاق أبنائهم، لذلك فالرقابة الإدارية ضمن مؤسسات قليلة جدا في الدولة لم يصل إليها الفساد، حيث تنهى خدمة أي ضابط ينحرف عن السلوك القويم، فجميع ضباط الرقابة الإدارية متدينون، ويخشون الله ويراعون القانون في عملهم.

** ما الفرق بين عملك في الشرطة والرقابة الإدارية؟

هناك فارق كبير، فقد درسنا القانون في كلية الشرطة، وعندما التحقنا بالعمل، لم نطبق شيئا مما تعلمناه، لكن في الرقابة الإدارية نطبق ما تعلمناه بدقة شديدة، من ضرورة احترام المتهم وآدميته وعدم الاعتداء عليه أو الإساءة له، لذلك لم ولن نسمع عن أن الرقابة عذبت متهما أو أساءت معاملته، وفي نفس الوقت، فإنها لا تلقي القبض على أي مسئول إلا إذا كانت هناك أدلة قاطعة على فساده، وليس مجرد شكوك أو ظنون، لذلك فإن غالبية قضايا الفساد التي تكشفها تصدر فيها أحكام بالسجن ضد المسئولين المتورطين، ونادرا ما تصدر أحكام بالبراءة، وفي هذه الحالة تكون البراءة لسبب في الإجراءات.

وفي الحقيقة أنا أعتبر هيئة الرقابة الإدارية "المدينة الفاضلة في مصر"، لأني رأيت فيها ضباطا كبارا يحاربون الفساد رغم أن النظام السابق برئاسة مبارك كان نظاما فاسدا، ووصل فساده إلى درجة محاربة من يحاربون الفساد، فالدولة أصبحت تحارب أجهزتها الرقابية.

** لماذا استشرى الفساد إذن خلال السنوات الأخيرة، وهناك وزراء عديدون معروف أنهم فاسدون، ولم تحرك الرقابة الإدارية قضايا ضدهم؟

الرقابة رفعت تقارير عن فساد هؤلاء للرئيس المخلوع مبارك، لكنه وضع التقارير في الدرج، ورفض إبلاغ النيابة العامة، بل كان يبقي على الوزراء الفاسدين، فضلا عن أنه كان يؤذي من يقتربون من ملفات فساد بعض الوزراء، بإبعادهم من مناصبهم، مما يزرع الرعب في قلوب الجميع، وهذا دفع ضباطا بالرقابة الإدارية إلى تقديم استقالاتهم خلال السنوات الخمس الأخيرة لاعتراضهم على سياسة مبارك المتمثلة في التستر على الفساد ودعمه، فإبنا الرئيس دخلا في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية وخربوا مصر.

** من هم الذين أطاح بهم مبارك من الرقابة بسبب تحريكهم قضايا فساد؟

أشهرهم أستاذنا اللواء أحمد عبد الرحمن رئيس هيئة الرقابة الإدارية الأسبق، وأطيح به عام 1996 بسبب تحريكه العديد من قضايا الفساد ضد المسئولين، أو لمجرد إبلاغه الرئيس مبارك بوقائع فسادهم، وأبرز هؤلاء الوزراء د.محمد إبراهيم سليمان، حيث بدأ ضباط الرقابة في فحص ثروته، فاشتكى سليمان لمبارك، كما اشتكى وزراء آخرون ورجال أعمال.

كما حدثت خلافات حادة بين اللواء عبد الرحمن ود.كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق آنذاك، لأن الجنزوري كان يرى في تقارير الرقابة الإدارية للرئيس مبارك عن فساد وزرائه إحراجا له أمام مبارك، وفي النهاية قرر مبارك الإطاحة باللواء أحمد عبد الرحمن من منصبه، وأنهى خدمته، بل منع من السفر خارج البلاد لسنوات عديدة، وحماية مبارك لوزير الإسكان الأسبق كانت رسالة لكل المسئولين بأن سليمان خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه.

** ما صحة ما يتردد عن أنه عقب الإطاحة باللواء أحمد عبد الرحمن من منصبه وتولى اللواء هتلر طنطاوي مكانه، توجه سليمان للرقابة عارضا منح الضباط أراض لهم حتى لا يحركوا قضايا ضده؟

لم أكن التحقت بعد بالرقابة الإدارية في ذلك الوقت، لكن صراع سليمان مع الرقابة الإدارية معروف، خاصة مع اللواء أحمد عبد الرحمن الذي حارب الفساد، وغالبية الضباط الموجودون حاليا في الرقابة الإدارية تعلموا منه أخلاقياته وتواضعه وشجاعته في محاربة الوزراء وكبار المسئولين الفاسدين، رغم أنهم لم يعملوا معه، ولكنهم تتلمذوا على يد قيادات الرقابة الإدارية الذين تتلمذوا على يديه.

** ما هو رأيك في اللواء هتلر طنطاوي الرئيس السابق واللواء محمد فريد تهامي الرئيس الحالي للرقابة الإدارية؟

لا تعليق، فالقانون يمنعني من إفشاء سرية العمل خاصة أنني خدمت في عهدهما.

** وما رأيك في قضايا الفساد التي اكتشفت حاليا خاصة عن فساد الرئيس مبارك وأفراد أسرته؟

ما أعلن عنه قليل جدا، فحجم الفساد لا يزال أكبر بكثير من ذلك، فالعديد من الوزراء والمسئولين كانوا يتلقون عمولات ورشاوي، فضلا عن أن العديد من الشخصيات الكبيرة التي خدمت في عهد مبارك وتقدم نفسها حاليا للرأي العام على أنها عارضته هي أصلا كانت تتلقى الرشاوي، ويكفى أن أقول إن شخصية كبيرة كان يعتبر الرجل الثاني في الدولة وأبعده مبارك عن منصبه ثم عاد للأضواء وظهر في حوارات صحفية وفي الفضائيات بعد رحيل مبارك، يؤمن بالشعوذة، وكان يتوجه لأحد السحرة والعرافين كي يقرأ له الكف، ومنهم من أظهره الله عز وجل، فكلما ظهر فى خطاب تساقطت شعبيته أكثر هو ومن خلفه.

** من هم هؤلاء المسئولون؟

لا يجوز ذكر أسمائهم لأن ذلك يعد سبا وقذفا.

** ما رأيك في حكومة أحمد شفيق؟

أنا لا أقيم سوى ما ورد لى، لكن للأسف الجميع ملطخ بما يشيب له الولدان، ومن أجل استمرارهم يركعون ويبيعون أوطانهم، ويشبعوننا بعبارات الوطنية الزائفة التى لا يعملون بها.

** لماذا لا تقدم ما لديك من معلومات للنائب العام؟

لقد تركت عملى السابق، لكن سأقدم كافة المستندات والمعلومات التي تصلني الآن ضد بعض كبار المسئولين للنائب العام، لأن بعض مصادري لا تزال تدعوني إلى محاربة الفساد رغم إبلاغي لهم باستقالتي، فطالبوني بتقديم ما أحصل عليه من مستندات منهم للنائب العام، وهذا ما سأفعله حتى لا أكون كاتما للشهادة، كما سأتقدم بذات البلاغات للمجلس الأعلى للقوات المسلحة حتى يكون مطلعا بالمسئولين الذين يتعامل معهم، أما بالنسبة لملفات الفساد الموجودة أصلا في هيئة الرقابة الإدارية، فليس بمقدوري فعل شيء فيها لأن مستنداتها ليست معي.

** ما هي أبرز القضايا التي ستحركها مستقبلا؟

قضايا تخص كبار المسئولين في الدولة حاليا، ولكن أعد حاليا لمستندات تخص اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية السابق، منها ما يفيد أنه حصل وأفراد أسرته على 18 ألف متر من أراضي الدولة بمدينة القاهرة الجديدة في عهد محمد إبراهيم سليمان، في حين أن بعض المسئولين الكبار لم يحصلوا إلا على 600 متر فقط ولو زاد نفوذ هذا المسئول فلا تزيد مساحته على 3 آلاف متر، بينما المواطنون الفقراء لم يحصلوا على أي قطعة أصلا، رغم أن الأرض التي حصلت عليها أسرة عمر سليمان كانت حدائق عامة للمواطنين لا يجوز بيعها أو منحها لأحد، لأنها منافع عامة مثل مياه نهر النيل.

وفي الواقع فإن مستندات الشهر العقاري تكشف عن الصداقة المتينة بين عمر سليمان ووزير الإسكان الأسبق، حيث حصلا على 3 أدوار من رجل الأعمال عماد كرار، وهو شخص سييء السمعة سبق القبض عليه في قضية رشوة مع مسئولين بحي النزهة وتم حبسه، واعترف بتقديم الرشاوى، وحصل على إعفاء من العقوبة نظرا لاعترافه بالجرائم المنسوبة إليه.

** كيف اكتشفت واقعة اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية؟

الأمر حدث بالصدفة، حيث وصلتني معلومات عن تلقى إبراهيم سليمان رشاوى من رجل الأعمال عماد كرار عبارة عن دورين في العقار رقم 14 أ شارع عمر بن الخطاب مصر الجديدة، حيث حصل عليهما بمبلغ 800 ألف جنيه في حين أن البنك الأهلى حصل على دورين في نفس العقار هما الأرضي والأول بمبلغ 7 ملايين جنيه.

وفي مقابل ذلك منح الوزير الأسبق لعماد كرار وأقاربه أراضي مملوكة للدولة في القاهرة الجديدة للاتجار بها، وبالفعل حصلا على نحو 17 قطعة باع غالبيتها وربح فيها كثيرا فضلا عن عشرات الأفدنة لشركته، بينما المواطن الفقير محروم حتى من السكن في شقة 63 مترا، وخلال فحص باقي القاطنين في ذات العقار، وجدت أن إحدى كريمات اللواء عمر سليمان حصلت على دور في نفس العقار بنفس السعر في نفس اليوم والساعة، فعقدا وزير الإسكان الأسبق يحملان رقمي 249 و250 مأمورية شهر عقاري مصر الجديدة،

بينما يحمل عقد كريمة اللواء عمر سليمان رقم 251 لسنة 2002، وما أقوله ليس سرا من أسرار العمل، لأنني ذكرت ذلك في تحقيقات نيابة الأموال العامة، واطلع علي القضية جميع الأطراف ونشرت عنها الصحف، ومن حق أي مواطن التوجه للشهر العقاري لمعرفة ملاك أي شقة إذا دفع الرسوم المقررة.

** ما هي قصة قضية وزير الإسكان الأسبق محمد إبراهيم سليمان، وما صحة ما تردد أن تحريكها سببه غضب النظام عليه لأنه تفوه ببعض الكلمات التي لم ترضه؟

لا، لأن النظام لم يغضب عليه، وفي نفس الوقت لم يحمه، فالنظام كان يحمي نفسه، بالتستر على فساد إبراهيم سليمان لأن محاكمته تعني محاكمة مسئولين كبار حاليين وسابقين، لذلك لم يتم حبسه حتى الآن، رغم حبس أحمد عز وأحمد المغربي وحبيب العادلي، بل يتم سؤاله في نيابة الأموال العامة في بعض القضايا ويعود لمنزله آمنا مطمئنا لأن قضيته أكبر من شخصه فهي تخص رؤوسا لا زالت كبيرة في الدولة والحكومة، وعموما نحن ننتظر ما سيعلن عنه النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، فقد أصدر بيانا منذ أيام فسر فيه سبب عدم التصرف في قضية وزير الإسكان حتى الآن رغم مرور أكثر من عامين عليها، بينما هناك مسئولون مثل عز والمغربي وغيرهما أحيلوا لمحكمة الجنايات في أيام.

** ما هي قصة وزير الإسكان إذن؟

هناك مجموعة من أعضاء مجلس الشعب السابقين المحترمين بقيادة السيد/علاء عبد المنعم قدموا بلاغا، ضد إبراهيم سليمان، والنيابة طلبت التحريات، وتوجهت للنيابة ومعي كافة المستندات التي تدين إبراهيم سليمان، واجتمعت مع القاضي على الهواري المحامي العام لنيابة الأموال العامة العليا، وشرحت له كل شيء في القضية، وهذا حدث منذ أكثر من عام، وأدليت بأقوالي، حيث أنني أقسمت يمين الله، وسوف أحاسب عليه أمام ربى فى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب سليم.

ونشرت الصحف تفاصيل التحقيقات معي، فاستشاط غضبا د.زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية، واتصل باللواء محمد فريد تهامي رئيس هيئة الرقابة الإدارية، يبدي اعتراضه الشديد على قيامي بالإدلاء بأقوال وتقديم مستندات تدين إبراهيم سليمان، وطلب عزمي إغلاق ملف هذا الوزير نهائيا، وضرورة أن يحفظ النائب العام التحقيق في القضية بناء على تعليمات من رئيس الجمهورية، بل إن مسئولا كبيرا لا يزال في منصبه، اجتمع مع أحد رجال الأعمال المتورطين في القضية، وقال له "لا تقلق.. سيحفظ القضية، فنحن لا نحمي إبراهيم سليمان، ولكن نحمي أنفسنا".

وبالفعل تم تشكيل لجان من خبراء وزارة العدل ، لفحص الوقائع المنسوبة للوزير السابق، وكتب الخبراء تقارير عن أن الوزير لم يرتكب أية مخالفات، وهذا أمر في منتهى التبجح، ولم يحاسب أحد هؤلاء الخبراء حتى الآن، لأنهم سيكشفون عمن أصدر لهم التعليمات، فعلى سبيل المثال نصت اللائحة العقارية الصادرة من رئيس مجلس الوزراء على حق كل أسرة في الحصول على قطعة أرض واحدة في المدن الجديدة، ولم يصدر أي رئيس وزراء لاحق قرارا بإلغائها، ورغم ذلك أكد الخبراء أن تخصيص الوزير العديد من القطع له ولأفراد أسرته ولأقاربه ومعارفه شيء عادي وغير مخالف للقانون.

وهكذا وجدنا الخبراء يتحدثون في أمور قانونية هي من اختصاص النائب العام وحده، بل الأدهى من ذلك أن قانون المزايدات ينص على أن بيع أراضي الدولة يكون بالمزاد العلني، بينما الوزير السابق باع أجود الأراضي بالأمر المباشر، ورغم ذلك أكد خبراء وزارة العدل أن قانون المزايدات لا يسري.

** طالما أن هناك تعليمات بحفظ قضية إبراهيم سليمان، فلماذا لم يتم حفظها؟

كانت هناك خطة لتهيئة الرأي العام بحفظها، ولكن الله أراد فضح من تورطوا في هذا المخطط، فتواروا خجلا، فما حدث هو أن قضية بيع أرض مدينتي المملوكة لرجل الأعمال هشام طلعت مصطفى قد حفظت، وقالت النيابة العامة في بيان نشرته جميع الصحف إن المشروع حقق أرباحا طائلة، وأن غالبية أجهزة الدولة تبيع أراضيها بالأمر المباشر، وهذا شيء عادي، وبعدها بأيام أصدرت المحكمة الإدارية حكما في نفس القضية زلزل أركان النظام، فقد أكدت المحكمة في حكمها أن البيع كبد الاقتصاد القومي خسائر باهظة، عكس ما ذكره النائب العام، كما أكدت المحكمة أن البيع يجب أن يكون بالمزاد العلني، فنص القانون واضح كالشمس، ولكنهم أرادوا تغييب الشمس.

وترتب على الحكم ارتباك شديد وإحراج كبير لمن وقفوا يدافعون عن سرقة وإهدار المليارات في قضية مدينتي، مما دفع كبار المسئولين إلى تأجيل إصدار قرار حفظ القضية إبراهيم سليمان الأصلية، ولم يضع بعض الخبراء تقاريرهم، فهم كانوا ينتظرون أن ينسى الرأي العام القضية حتى يتم حفظها دون أن يدرى أحد شيئا، والعديد من قضايا الفساد الكبيرة يتم حفظها في سرية تامة.

** ما مصير قضيتي الرشوة اللتين تردد فيهما اسم إبراهيم سليمان؟

هاتان القضيتان كنت حركتهما وزملائي ضد بعض رجال الأعمال ممن هم على صلة به، وكان ذلك خلال توليه منصبه الوزاري، واعترف رجال الأعمال في التحقيقات بدفعهم رشاوي له، وبدلا من أن يبعده مبارك، فقد غضب من الرقابة الإدارية، ثم كرم إبراهيم سليمان.

** ما هي صفة زكريا عزمي حتى يتدخل في عمل الرقابة الإدارية؟

هو المتحدث باسم الرئيس مبارك، فهو كان رئيس ديوانه، وكان يتصل بكافة الجهات في الدولة، وكأنه رئيس البلاد يصدر التعليمات والتوجيهات، فالرئيس مبارك في قضايا الفساد وغيرها من الأمور سيئة السمعة لم يكن يتصل بالمسئولين بالدولة ليبلغهم بنفسه بالتعليمات المشينة، بل كان يقوم بهذا الدور زكريا عزمي، ومن يرفض تعليمات مبارك يكون مصيره الخروج وعدم التجديد لفترات وقرون.

**كيف تم دفعك للاستقالة؟

تم نقلي إلى قسم آخر، بحيث لا يمكن لي أن أتعامل مع النيابة، وهذه واقعة لم تحدث فى هيئة الرقابة الإدارية منذ إنشائها، فلا يتم أبدا طلب أى إجراء مخالف للقانون من العضو أو منعه من إثبات الحق أو التستر على أى جريمة، لكن للأسف يفرض عليهم كل فترة زمنية قيادات من خارج الهيئة لم تعمل فى هذا المجال أبدا، ويبدأ في رسم سياسة على الهيئة، وللأسف ولاؤه التام للنظام الذى عينه، ويجدد له سنويا رئيس الجمهورية، فلا يمكنه معارضته أو فضح أفعاله وفساده، ووجدت نفسي أجلس على مكتبي بدون عمل، ورأيت أنني أتقاضى راتبا من مال الشعب دون مقابل أقدمه للشعب الذي أقسمت يمين الله على حماية مصالحه ورعايتها، فقررت الاستقالة، وجلست في منزلي شهرين حتى تم قبول استقالتي في يناير الماضي قبل اندلاع الثورة مباشرة.

**ما رأيك في حفظ قضية مدينتي؟

هذه القضية مكانها الطبيعي محكمة الجنايات، فهي واضحة كوضوح الشمس، قصتها بسيطة جدا، كيف يمنح وزير مساحة 20 كيلو مترا بالأمر المباشر لرجل أعمال بعينه ثم يحرم باقي رجال الأعمال الوطنيين من التقدم لشرائها، فهل أراضي الدولة كانت عزبة له يتصرف فيها كيفما شاء، فضلا أن سعرها بخس، فيكفي أن تعرف أن هشام طلعت حصل على الأرض مقابل إعطاء وزارة الإسكان 7% من الوحدات السكنية، في حين أن مؤسسة أخبار اليوم الحكومية حصلت على أرض من وزارة الإسكان مقابل 20%، أي هناك فارق 13%، وهناك وقائع إهدار مال عديدة في القضية لا يتسع المقام لذكرها، والمحكمة الإدارية العليا فضحت من دافعوا عن عقد مدينتي المشين، ولم نعد نسمع لهم صوتا.

** لكن وزير الإسكان الأسبق محمد إبراهيم سليمان قال إنه حقق أرباحا طائلة للدولة، ولم يكن هناك من يشترى الأرض؟

أقول له بالمستندات إنه دمر الاقتصاد المصري، وجعل ملايين الشرفاء يعيشون في القبور والعشش والأكواخ، وواقعة بسيطة تكشف لنا عشرات المليارات التي أضاعها إبراهيم سليمان على خزانة الدولة، فعلى سبيل المثال تم إقامة مزاد علني عام 2004 لبيع أرض في القاهرة الجديدة بلغ سعر المتر فيها 625 جنيها، فقام إبراهيم سليمان بإلغاء المزاد، ثم باع جميع أراضي القاهرة الجديدة بسعر 200 جنيه فقط، وهو ما يعني أن ملايين الأمتار تم بيعها بأقل من ثلث سعرها، وضاعت مليارات على الدولة، ورغم ذلك خططوا لحفظ قضيته، ولا زال بعض من كانوا جزءا من هذا المخطط يجلس على كرسيه، وبدل جلده حتى لا يتذكر الشعب ملفات الفساد التي وضعها في الأدراج رغم أنه في يده سلطات واسعة.

** ما هي أبرز قضايا الفساد الأخرى التي حركتها؟

منها قضية رئيس هيئة الصرف ورئيس الشركة القابضة للتجارة ورئيس شركة الكراكات وسبعة آخرين، بينما صدر قرار حفظ فى قضية الرشوة الكبري المتهم فيها نائبان لرئيس مجلس الدولة والمستشاران أحمد عبد اللطيف وسيد زكي ورجل الأعمال محمد فريد خميس، صاحب مجموعة النساجون الشرقيون، وهذه القضية تم حفظها، وقالت النيابة إنها تحفظها حفاظا على سمعة القضاء، وحظرت النشر فيها ثم حفظتها، تحت بند "الحفاظ على سمعة القضاء"، وأنا شخصيا أعترض على ذلك، لأن القانون لا يميز بين مواطن ومواطن ومتهم ومتهم لمجرد أن هذا قاض وهذا مواطن بسيط، فهذا تمييز غير دستوري.

** ما هي اقتراحاتك لعدم عرقلة عمل الرقابة الإدارية؟

ضرورة أن يكون رئيسها بالانتخاب من بين أقدم العاملين بها، وأن تكون مستقلة تماماً وتتعامل مع النيابة العامة مباشرة دون استئذان مسبق من السلطة التنفيذية .

أهم الاخبار