رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الربيع العربي والخريف القبطي!

الربيع العربي والخريف القبطي!

 لأن كل ما يلمع في وطننا العربي، ليس ذهباً، خاصة ما جري خلال العام 2011 من ثورات، بعضها حقيقي، وأصيل، والبعض الآخر ليس سوي مؤامرة، لذلك، كان من الطبيعي

أن تنزعج، وتقلق الأقليات، من رياح هذا الربيع العربي، والتي ثبت أنها رياح محمولة علي أجنحة حلف الناتو، والمخابرات الأمريكية، وربما باستثناء «ثورة مصر» التي يتم الآن سرقتها عبر المال الخليجي والمعونات والحرب الدبلوماسية الأمريكية، فإن باقي الثورات في المنطقة ليست سوي «صفيح» تم طلاؤه بماء الذهب، الذي هو هنا «الثورة».
إن ما جري من خلط للأوراق في المنطقة بين «الثورات الحقيقية» و«الثورات المزيفة» يحتاج إلي مبحث مستقل، لكنه بالنسبة لموضوعنا هذا، والمتعلق بمخاوف الأقليات «الإثنية والدينية تحديداً» وثيق الصلة، حيث نعتقد جازمين أن للأقليات كامل الحق في التخوف مما يجري في المنطقة، خاصة ما يجري في «الثورات الزائفة»، حيث المؤامرة فيها واضحة، والتي تستهدف تفجير المجتمعات المنسجمة طائفياً وسياسياً، وصرف أنظارها عن العدو الحقيقي «الذي هو هنا تاريخياً الكيان الصهيوني وحلفاؤه الغربيون» إلي أعداء مخترعين «أو افتراضيين» من الأقليات أو الأغلبية الحاكمة، وتستهدف – أي هذه المؤامرة – ضرب مفهوم المواطنة في قلبه.
< بيد أن المثير للانتباه، والقلق، هو أن تمتد مخاوف «الأقليات» إلي بلاد الثورات الحقيقية «مثل مصر»، خاصة مع صعود التيار الإسلامي بأجنحته المختلفة «الإخوانية – السلفية» ونحسب أن مسيحيي مصر باعتبارهم الأقلية الأكبر في الوطن العربي «حوالي 5 ملايين مصري وفقاً للإحصائيات الرسمية و10 ملايين وفقاً لإحصائيات الكنيسة المصرية» الذين كانوا شركاء أصلاء في صناعة الثورة المصرية «ثورة يناير 2011»، وقدموا تضحيات مقدرة طيلة الثلاثين عاماً من حكم حسني مبارك، علي الصعد السياسية والاقتصادية مثلهم مثل باقي أبناء الشعب المصري، حيث ثالوث «الاستبداد والفساد والتبعية» لم يستثنِ مصرياً واحداً، سواء كان مسلماً أو مسيحياً، ومن هنا تأتي علامات الاستغراب والدهشة حين تطل مخاوف للأقباط المسيحيين، من سقوط مفهوم المواطنة، ومن احتمالات تعرضهم للاضطهاد السياسي والديني، بعد الصعود المفاجئ للإسلاميين خاصة التيار السلفي «الوهابي»، وبالأخص بعد رحيل البابا شنودة الثالث يوم 17/3/2012 بعد 40 عاماً من رئاسته للكنيسة المصرية، وهو ممن اشتهر بالحكمة والمرونة السياسية التي كانت سنداً قوياً للمسيحيين في عبور العديد من الأزمات السياسية ومن المؤامرات التي تستهدف علاقاتهم بالمسلمين المصريين.
< إن المخاوف بالفعل عديدة، وبدأت تتزايد، بعد رحيل البابا شنودة، وصعود السلفيين، ويمكننا أن نرجعها إلي عدة أسباب، هي محاور هذا البحث والتي نوجزها في الآتي:
أولاً: غياب «القيادة» و«البرنامج» للثورة، كمصدر أول لخوف المسيحيين.
ثانياً: صعود الإسلام السياسي كمصدر ثان لتزايد مخاوف المسيحيين.
ثالثاً: نماذج من فتاوي السلفيين المصريين ضد المسيحيين والتي لم يتم مراجعتها كمصدر ثالث لخوف مسيحيي مصر.
رابعاً: ما العمل؟
وبتفصيل المحاور السابقة يستبين الآتي:
أولاً: غياب «القيادة» و«البرنامج» للثورة، كمصدر أول لخوف المسيحيين:
< من سمات الثورة المصرية الرئيسة أنها كانت ثورة بلا قيادة وبلا برنامج أو رؤية استراتيجية محددة، ولقد كانت هاتان السمتان مفهومتين بل مقبولتين في بداية الشهور الأولي للثورة، حيث غياب القيادة الكاريزمية، لعب دوراً في إرباك النظام الحاكم وفي تفكيك قبضته الحديدية، حيث لم يجد جهة محددة يصوب إليها ضرباته أو مؤامراته أو «سيف المعز وذهبه»، وضاع من أمامه الطريق، لأن الشعب كله، بميادينه المفتوحة وفي قلبها ميدان التحرير بالقاهرة، كان هو القائد، وكانت الفكرة أو الشعار العام هي البرنامج السياسي، وتحديداً شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، وبعد أن استطاع «الشعب» فعلاً أن يسقط رأس النظام وبعض أركانه، لم يعرف – للأسف - كيف يقدم قيادته وبرنامجه السياسي الشامل، واضطربت المواقف وتصارعت القوي علي «كعكة» الثورة قبل أن تنضج، هذا المناخ استمر طيلة العام الماضي «2011» وحتي أوائل هذا العام 2012، الأمر الذي رتب قلقاً مشروعاً لدي مجمل مكونات الشعب المصري، وكان القلق أشد لدي المسيحيين، فغياب «القيادة» و«البرنامج» الواضح ، لنقل مصر من مرحلة الاستبداد إلي مرحلة الدولة المدنية التي تضمن لهم حقوقاً مصونة، لم يتحقق كاملاً، ولأن القيادة غير (الإدارة) والتي تعني مستوي أقل فهماً وإدراكاً لمخاوف ومطالب وحقوق الأقليات، ولأن «الإدارة» قام بها المجلس العسكري خلال ما سمي بالمرحلة الانتقالية، وربما يقوم بها رئيس منتخب مثل عمرو موسي أو حتي أحد رموز التيار الإسلامي، مثل عبدالمنعم أبوالفتوح، هؤلاء جميعاً – وفقاً للدراسات الموضوعية بناء علي تاريخهم السياسي - لا يحملون صفة (القائد) بل صفة (المدير) وهي صفة لا يرتقي فهمها لحقوق الأقليات إلي مستوي أعلي وأكثر مدعاة للطمأنينة، لذلك، إننا نعتبر أن (غياب القيادة) مضافاً إليه غياب البرنامج وفقه الأولويات الصحيح، كانا من أوائل الأسباب التي خلقت مخاوف للمسيحيين في مصر من المستقبل، والذي بات

غامضاً ومقلقاً، خاصة بعد رحيل رمز ورأس الكنيسة المصرية «البابا شنودة»، والذي كان يعوض بوجوده ودوره مثل هذه الأخطاء، في أوقات التحولات الكبري ولنا في مواقفه وأدواره بعد مقتل السادات «1981» وتولي مبارك للحكم مثالاً.
ثانياً: صعود الإسلام السياسي كمصدر ثان لتزايد مخاوف المسيحيين:
نزعم أنه مهما قالت أو صرحت قوي الإسلام السياسي، من أنها ستتعامل مع مسيحيي مصر بالحسني وأنها لن تتصادم معها، وتكرارهم للمقولة النمطية «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» والتي عند الصدام علي الأرض لم يلتزموا بها، فإن ذلك لن يطمئن المسيحيين مثلما يطمئنهم أن تدعو قوي الإسلام السياسي التي باتت مسيطرة علي البرلمان بغرفتيه «مجلسي الشعب والشوري» وعلي الهيئة التأسيسية للدستور، وغداً علي الحكومة – للأسف الشديد- إلي «الدولة المدنية» وهي دعوة لاقت رفضاً لدي قوي الإسلام السياسي بجناحيها «الإخوان والسلفيين»، ومن هنا تأتي المخاوف العديدة لدي المسيحيين من هذه الرياح التي أنتجتها ثورة يناير، وحملت علي أكتافها قوي الإسلام السياسي، وترجمت هذه المخاوف في دخول الدعاية والمال الكنسي إلي ساحة الانتخابات البرلمانية ومحاولة التأثير فيها وإلي تأسيس أحزاب ليبرالية «مثل حزب المصريين الأحرار بدعم من الملياردير نجيب ساويرس القريب تاريخياً من الكنيسة المصرية»، وترجمت أيضاً علي شكل حوارات وكتابات صحفية وتليفزيونية وانتهت إلي صدامات طائفية دامية كما جري في «إمبابة» و«ماسبيرو» وغيرهما ومن المواقع والبلدات المصرية!
ثالثاً: ما العمل إذا كان هذا هو حال مسيحيي مصر تجاه ربيع الثورة المصرية ورياحها، وإذا كان التوجس والخوف والقلق هي المشاعر الحاكمة لسلوكهم السياسي تجاه تطورات الأحداث بعد الثورة، وإذا كان صعود الإسلام السياسي بجناحيه «الإخواني – السلفي» وموت البابا شنودة، ودخول الكنيسة إلي مرحلة تعدد القيادات لغياب الشخصية الكاريزمية الحكيمة التي تماثل حكمة وقيادية البابا شنودة، فإن الحل في تصورنا هو في أن يتم تفعيل دور وفكر قوي ومنظمات المجتمع المدني وقوي الإسلام الوسطي المعتدل «بقيادة الأزهر الشريف» لترسيخ مفهوم الدولة المدنية المتصالحة مع الدين، الذي هو مرجعية الأمة وهذه القوي كانت تسمي فيما مضي قوي «الميدان» نسبة إلي القوي التي قامت بالثورة المصرية وكانت من مشارب فكرية وسياسية وأيديولوجية عديدة.. إن تفعيل دور هذه القوي، والعمل علي أن تكون الدولة المصرية القادمة، دولة لكل المصريين، وليس لتيار بعينه، وأن تكون دولة مستقلة في قرارها السياسي وهويتها الوطنية، بعيداً عن «فقه البداوة» الذي يصر البعض من قوي الإسلام السياسي علي استيراده من المدرسة الوهابية «التي تسمي زيفاً بالمدرسة السلفية، وهذا سرقة فقهية للمفهوم قد نتحدث عنه مستقبلاً!!».. المخاصمة للعقل والدين والتاريخ، وأن تكون الدولة المصرية القادمة دولة ذات موقف واضح ضد العدو الأمريكي - الإسرائيلي الذي ما فتيء يلعب علي تمزيق الوطن وخلق الفتن بداخلها، إذا ما تم ذلك – ونحسبه سيتم عبر جهاد طويل – فإن خوف الأقباط المسيحيين المصريين، سينتهي وسيعم الخير لمصر، وشعبها، ولن نتحدث بعد ذلك أبداً عن «أقلية مسيحية» في مصر، بل عن شعب مصري واحد، يتكامل فيه المسيحي مع المسلم – كما كان دائماً عبر التاريخ - في وطن للحرية والعدل والمقاومة.
 

أهم الاخبار