رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تستدعي التحرك والمواجهة

إهدار المياه.. قضية أمن قومي

تحقيقات وحـوارات

الاثنين, 16 أبريل 2018 20:03
إهدار المياه.. قضية أمن قومي

كتب _إيمان الجندى

 

فى مصر.. محافظات تسرف فى مياه الشرب بطريقة هيستيرية وغير واعية.. وأخرى فى الوجهين البحرى والقبلى على وجه الخصوص نجد العطش يضربها.. مما دعا المواطنين إلى التظاهر وقطع الطرق أو شراء جراكن المياه بأضعاف أضعاف قيمتها.. أى إسراف هنا وتقتير هناك، والإسراف أعظم وأخطر، والإهدار جريمة يرتكبها بعض المصريين بل وتشارك الحكومة بنسبة فيها، فذاك إسراف فى رى الحدائق وملاعب الجولف ورش الشوارع وغسيل السيارات.

 

وبتهالك مواسير المياه والبنية التحتية حتى قبل بدء تشغيل سد إثيوبيا وهو ما يعظم من المطالبات بالحفاظ على مياه النيل وترشيد استخداماتها قبل المطالبة بزيادة حصتنا من مياه النيل الذى أصبحت المياه فيه تشتكى التلوث والإسراف، وبين الحين والآخر تطالعنا تصريحات عن الشروع فى إصدار قانون لتجريم إهدار المياه وأنه سيعرض قريباً على مجلس النواب، ومع تزايد تحذيرات الأمم المتحدة من نفاد المياه فى مصر بحلول عام 2025، أصبح من الضرورى فتح ملف إهدار المياه، خاصة أن قضية المياه فى مصر تتصاعد وتوقع استهلاك مصر لما يقدر بـ 20٪ أكثر من المياه مما كانت عليه بحلول 2020 مع فقدان مصر لقبضتها على النيل، مما يحتم على الحكومة والمواطنين التحرك بسرعة للتخفيف من كارثة شح المياه وتطبيق أحدث الأساليب والتقنيات للمحافظة على المياه ومنع تلوثها.. وكما يرى ويؤكد الخبراء والمختصون أن الحرب القادمة هى حروب المياه.. يكفينا الله شرها!

خلال الأسابيع الماضية شاهدنا وسمعنا عن شح مائى كارثى حدث ببلدان قريبة وبعيدة وجعل الطوابير تصل لمئات الكيلو مترات للحصول على المياه بكميات محدودة، ومن يخالف يسحل ويسجن، ومنذ شهور مضت قام مواطنون مصريون بقطع الطرق والتظاهر وشراء المياه فى جراكن لانقطاع المياه عن منازلهم بالشهور أو توافرها كل يومين مرة، كل ذلك قبل بدء تشغيل وإتمام سد النهضة، ومع تفاقم المشكلة السكانية فى مصر والتى تضاعف من الضغط على الإمداد المائى من خلال زيادة الاحتياجات المائية للاستهلاك المحلى وزيادة استخدام مياه الرى لتلبية الطلب على الغذاء وما تتطلبه التنمية الاقتصادية السريعة، بالإضافة إلى التلوث والتدهور البيئى المستنزف للموارد المائية وجميعها أدت بحسب منظمة الصحة العالمية بدخول مصر فى حد الفقر المائى، حيث تراجع نصيب الفرد من المياه خلال الـ 200 عام الماضية من 20 ألف متر مكعب لحوالى 600 متر مكعب مقارنة بـ 1000 متر مكعب الحد الأدنى للفرد عالمياً، ومع تأكيدات الخبراء والمختصين أن العالم بأكمله مقبل على حروب من أجل المياه ومع الشح المائى المتوقع بمصر، فعلى الحكومة بل والمواطنين مسئولية الحفاظ على مياه النيل بعدم الإسراف والإهدار والاستغلال الأمثل لها وتعظيم الاستفادة من الموارد المائية.

 

الأسباب عديدة

فى الوقت الذى أصبحت فيه مشكلة نقص المياه تهدد حياة الملايين نجد معدلات إهدار المياه أيضاً فى مصر ترتفع وقد تؤدى إلى دخول البلاد فى حالة من العطش بحسب تصريحات سابقة لخبير المياه الدولى بالأمم المتحدة وأستاذ المياه بمركز بحوث الصحراء الدكتور أحمد فوزى دياب، مؤكداً أن إهدار المياه سيؤثر بشكل كبير على المستقبل المائى للبلاد، خاصة مع تعدد جهات الهدر والتى تتنوع ما بين مرفق مياه الشرب والصرف الصحى، فالشركات يضخ إليها 11 مليار متر مكعب، بينما استهلاك مصر لا يتعدى 3٫5 مليار متر مكعب بما يعنى فقدا لما بين 50٪ إلى 60٪ فى الشبكات المتهالكة ويخرج حوالى 70٪ من نسبة المياه المتبقية فى صورة صرف صحى، وهناك الإسراف فى استخدام مياه الشرب من قبل المواطنين، حيث تستخدم كميات مذهلة فى رش الشوارع وغسيل السيارات، علاوة على استمرار الرى بالغمر فى الأراضى ذات التربة الرملية أو زراعة محاصيل شرهة للمياه كالأرز الذى يستهلك كميات ضخمة من المياه، إلى جانب استخدام كميات كبيرة من المياه فى

ملاعب الجولف والمنتجعات السياحية والبحيرات الصناعية، خاصة فى الأماكن الصحراوية، وفوق كل ذلك ارتفاع نسبة الملوثات فى مياه نهر النيل وإلقاء مياه الصرف الصحى والزراعى ومخلفات المصانع رغم المعالجة الجزئية لها، إهدار أكده أيضاً الدكتور ضياء الدين القوصى خبير الموارد المائية والرى ونائب وزير الرى الأسبق، بأن حوالى 80٪ من المياه الصالحة للشرب تهدر سنوياً فى إهدار المياه إلى جانب أن كثيرا من مواسير المياه متهالك ويحتاج إلى إحلال وتجديد يتكلف مليارات الجنيهات، ومن ثم تتحمل تلك المواسير ما لا يقل عن 50٪ من إجمالى الفقد، إلى جانب الإهدار الناجم عن المنشآت الحكومية نظراً لفقدانها للصيانة الدورية، وفوق كل ذلك فالمراحل التى تمر بها المياه لتصل نقية للمواطنين تؤدى إلى نسبة هدر ما بين 10٪ و15٪، لذلك القاهرة فى مقدمة المحافظات هدراً للمياه.

ولأن الزيادة السكانية السريعة تضاعف من الضغط على الإمداد المائى نظراً للاحتياجات المائية المتزايدة للاستهلاك المحلى، ومن ثم زيادة استخدام مياه الرى لتلبية الطلب على الغذاء، ولذلك والكلام للدكتور أحمد مراد أستاذ المحاصيل ورئيس معهد تكنولوجيا الأغذية السابق بمركز البحوث الزراعية، وتصبح طريقة الرى مؤثرة جداً فى نسب فقدان المياه ومن أهم أسباب ودواعى الحفاظ على المياه، خاصة إذا علمنا أن 6٪ فقط من الأراضى هى الصالحة للزراعة وما تبقى يكون صحراء مما يؤدى إلى الإفراط فى الرى واستخدام تقنيات الرى المسرف مثل الرى السطحى، أى الرى بالغمر، حيث يتم إغراق الأرض بالمياه، كذلك اعتماد شبكة الرى بالكامل على سد أسوان العالى وتنظيمه لأكثر من 18 ألف ميل من القنوات الرئيسية والفرعية التى تروى الأراضى الزراعية المجاورة لنهر النيل، يجعله نظاما غير فعال للرى ويؤدى لفقدان 3 مليارات متر مكعب سنوياً من المياه بفعل التبخر ومن ثم نقص الإمداد المائى وبالتبعية انخفاض الأراضى الصالحة للزراعة وهو قطاع يشكل النسبة الأكبر للأيدى العاملة ومن ثم انهياره أو حتى تقلصه يؤدى إلى زيادة معدلات البطالة، ولذلك كما يقول الدكتور أحمد مراد ضرورة لتجريم إهدار المياه بكافة أشكاله، خاصة فى ظل فجوة غذائية وإيراد مائى فعلى لا يتعدى الـ 55 مليار متر مكعب، بينما الميزانية المائية الحالية تتطلب 80 مليار متر مكعب تقريباً.

ويشير الدكتور أحمد مراد إلى أن مشكلة المياه المتسربة تكمن فى رفعها لمنسوب المياه الجوفية وبالتالى تدهور المناطق المنخفضة وهى غالباً ما تكون فى المناطق الأثرية أو قد تؤدى لإحداث هبوط أرضى وفى الطرق بعد إنشائها ومن ثم ترتفع مناسيب المياه ومع التناقص المحتمل فى المياه بعد سد إثيوبيا سترتفع نسبة الملوثات الناجمة عن الصرف الصحى والصناعى بما يؤدى لتدهور صحة المواطنين والمزروعات والمأكولات، بما يستلزم الحفاظ على نهر النيل والتعامل مع هذه الملوثات.

 

المياه الجوفية

ويلفت الدكتور مراد نظرنا إلى ثروة مصر الحقيقية والتى ستكون من أهم أسلحة مواجهة ندرة المياه وهى المياه الجوفية كأحد الموارد المائية غير التقليدية والمنتشرة فى 4 مناطق رئيسية هى وادى النيل والدلتا والصحراء الغربية والشرقية وشبه جزيرة سيناء، ولذلك اتجهت وزارة الرى للتفكير فى إيجاد قوانين تنظم استخدام مياهها منعاً لإهدارها واستحداث وسائل للرى للحد من استخدامها، وخريطة المياه الجوفية لدينا منها الخزان الحجر الرملى النوبى وهو بمثابة كنز حقيقى لمصر

لكونه من أكبر الخزانات الجوفية على مستوى العالم لامتداده الرأسى والأفقى حيث يتراوح السمك المشبع للخزان حوالى 200 متر بمنطقة شرق العوينات فى أقصى الجنوب، وهناك خزان محدود الامتداد فى الاتجاه الأفقى والرأسى هو الخزان المتصل بنهر النيل فى الوادى والدلتا وهو استخدام غير مباشر لحصة مصر من مياه النيل حدث لها تسرب من شبكة الترع، هناك أيضاً بحسب معلوماتى خزان الحجر الجيرى المتشقق وهو غير متجانس فى خصائصه لتواجد المياه فيه بمنطقة دون الأخرى ولو على مسافة صغيرة وتعتمد عليه واحة سيوة وأسيوط والمنيا إلى جانب خزان المهرة الممتد من غرب النيل إلا أن نسبة الأملاح العالية فى المياه قد تزيد من تكلفة الاستفادة منه.

«تنظيم الزراعة - ترشيد الاستهلاك - تحلية مياه البحر» حلول أجمع عليها الخبراء والمختصين لمواجهة أزمة نقص المياه فى مصر، بدأتها مصر بتدشين 3 محطات لتحلية مياه البحر بتكلفة تجاوزت الـ 9 مليارات جنيه وتزامنت مع حملات وزارة الرى بتوعية المواطنين لكيفية استهلاك المياه بالطرق السليمة وبشكل عام، وفى الفلاحة والسياحة خاصة، ولذلك ليس هناك ما يمنع من استنباط مصادر أخرى للمياه بخلاف نهر النيل بحسب كلام الدكتور أيمن شبانة أستاذ العلوم السياسية بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، تحلية مياه البحر هى واحدة من تلك المصادر وهى سلسلة من العمليات الصناعية تجرى داخل محطات لإزالة كل أو جزء من الأملاح الزائدة والمعادن من المياه لاستخدامها فى الزراعة والشرب والصناعة ولكونها عمليات مكلفة إلا أنه من الممكن الوصول إلى طريقة منخفضة التكاليف فى تحلية مياه البحر فلا يعقل للآن لا تتعدى نسبة المياه المحلاة للشرب الـ 1٪ فقط، ولذلك فإن الاستخدام الأمثل لمياه الشرب يبدأ من كل بيت مصرى مما يستلزم زيادة التوعية فى استهلاك المياه لجميع الفئات.

ويطالب الدكتور شبانة الدولة بعدم التوسع فى زراعة محصول الأرز وهو المفضل لدى الفلاح المصرى حيث يستهلك 25٪ من حصة مصر المائية، بما يعادل حوالى 14 مليار متر مكعب من المياه الصالحة للشرب وتستهلك الزراعة ككل نحو 82٪ من مياه مصر بحوالى 36 مليار متر مكعب!، ولذلك فإن قضية المياه فى مصر تتصاعد خاصة مع حلول عام 2020 واستهلاك مصر بما يقدر بـ 20٪ أكثر من المياه مما كانت عليه مع احتمال فقدان قبضتها على مياه النيل وبما ينذر بشح مائى من شأنه أن يهدد استقرار البلاد والدور الإقليمى العائد، مما يستلزم التحرك بسرعة!

 

قانون للتجريم

بين الحين والآخر، نسمع عن قرب إصدار الحكومة لقانون يجرم إهدار المياه وأنها بصدد عرضه قريباً على مجلس النواب، ولم نجد مؤخراً على أرض الواقع سوى تطبيقها لغرامة 10 آلاف جنيه مخالفة لرش الشوارع أو غسيل السيارات، وللآن لم ير هذا القانون المزمع لتجريم إهدار المياه «النور» هذا القانون الذى قال عنه الدكتور محمد حسان رئيس جهاز تنظيم مرفق المياه إنه ليس لتجريم إهدار المياه فقط بل قانون لتنظيم قطاع مياه الشرب والصرف الصحى، حيث يتعرض لكل مشكلات المياه والصرف الصحى ويحدد أدوار كل الجهات العاملة فى هذا المرفق الحيوى، خاصة مع تعدد أوجه إهدار مياه الشرب كاستخدامها فى غير أغراض الشرب ورش الشوارع وغسيل السيارات والوصلات غير القانونية لكون تجريمها كان باستخدام ضبطيات قضائية من خلال قرارات وليس قوانين، ومن أهم ملامح القانون كما سبق وجاءت على لسان الدكتور حسان، هى وجود ضبطية قضائية لبعض العاملين ولكن بشكل قانونى وليس بقرار على أن يكون عملهم المرور فى الشوارع وعلى المصالح الحكومية ومعاقبة من يستخدم المياه فى غير أغراضها المخصصة لها.

 

رفع الدعم

على الجانب الآخر يرفض المهندس معتز محمود رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب ما يسمى تجريم إهدار مياه الشرب ويطالب برفع الدعم عن أسعار المياه كما حدث مع الكهرباء ولذلك سيتحتم على المواطن إلزام نفسه بترشيد المياه واستخداماتها، ويرى أن الأزمة ليست فى إهدار المياه فى الشوارع وخلافه وإنما هى فى الإحلال والتجديد لشبكات المياه المتسببة فى فقدان 50٪ من مياه الشرب ومع عجز الميزانية العامة للدولة المتصاعد لا تستطيع الدولة القيام بعملية الإحلال والتجديد مرة واحدة والتى تحتاج لنحو 11 مليار جنيه، بينما المخصص لمياه الشرب 3 مليارات، إلى جانب 5 مليارات مطلوبة لتوصيل مياه الشرب إلى القرى التى لم تصلها المياه للآن، ولذلك نسعى إلى ضبط مخالفات المياه من خلال التعديلات المقترحة على قانون 119 الخاص بالبناء الموحد للحد من الإهدار وضياع أموال الدولة.

وفى نفس الوقت هناك مساع وخطوات جادة ينبغى اتخاذها لوقف هذا الهدر المتفاقم فى المياه كاستخدام المياه العكرة فى رى الحدائق وإجبار المزارعين على الرى بالتنقيط وتطبيق الدورة الثلاثية ومحاسبة من يخالف بعقوبات كبيرة.

أهم الاخبار