رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المهووسون بالسلطة من مبارك إلى بوش

المهووسون بالسلطة من مبارك إلى بوش
قراءة وتعليق – مصطفى عبيد :

منذ أكثر من ثلاثين عاماً فى القاهرة قبل انعقاد القمة العربية لوقف مذابح أيلول الاسود، دار حوار غريب، قال القذافى: نحن نواجه مجنوناً اسمه حسين يقتل شعبه، ولابد ان نقبض عليه ونحيله الى مستشفى المجانين.

قال الملك فيصل: ليس من اللائق أن تصف ملكاً عربياً بأنه مجنون ويجب وضعه فى مستشفى المجانين.
القذافى: لكن أسرته كلها مجانين، والمسألة مسألة سجل.
الملك فيصل: حسنا ربما كنا جميعاً مجانين.
الرئيس عبد الناصر: أقترح أن نعيّن طبيبا يعايننا جميعاً بصورة منتظمة ليتبين من هم المجانين من بيننا.
الملك فيصل: أريد أن يبدأ طبيبك بى لأننى أشك بالنظر إلى ما أراه فى أننى أستطيع الاحتفاظ بتعقلى.
كان ذلك الحوار الحقيقى دافعاً للكاتبة الأمريكية موريال ميراك فايسباغ فى أن تعيد قراءة تصرفات الحكام العرب وتعرضها على قواعد واختبارات الأمراض النفسية لتكشف كيف كان الحكام العرب مهووسين بالسلطة، وكيف عانوا من أمراض نفسية شاذة مثل جنون العظمة والنرجسية والسريرية. لقد ركزت فايسباغ فى كتابها الأخير الذى حمل عنوان «مهووسون بالسلطة» وصدرت طبعته العربية من دار المطبوعات فى بيروت، عن الأمراض والعقد النفسية التى عانى منها حسنى مبارك ومعمر القذافى وزين العابدين بن على وعلى عبد الله صالح وكيف أثرت حوادث ومشاهد تعرضوا لها فى طفولتهم فى تكوين شخصياتهم المستبدة والمهووسة.
والسيدة موريال فايسباغ عضو بمجلس تحرير مجلة «اكسكيوتيف إنتيليجينس ريفيو» التي تصدر في الولايات المتحدة. وعضو مجلس أمناء معهد «شيلر» للبحوث السياسية ومقره فرانكفورت وعضو مؤسس في حركة «لاروش» للسلام ومقرها واشنطن، وقد تخصصت خلال الـ15 عاماً الماضية في دراسة شئون العالمين العربي والإسلامي ونشرت عنها العديد من الدراسات.
وتكشف الكاتبة الامريكية «اعتماداً على طب النفس» عن أن الرئيس المخلوع حسنى مبارك كان يعانى من حالة تسمى «الادعاء الارتكاسى بالموت» وفيها يلجأ المريض للهروب من الواقع كأنه غير واقع، والعزلة النسبية وقد ظهر ذلك واضحا فى الايام الاولى لمظاهرات يناير 2011 عندما لجأ مبارك إلى شاطئه المحبب فى شرم الشيخ ليقضى تلك الايام قبل أن يظهر متأخرا ليقول انه «سيسرع فى محاصرة البطالة وتحسين مستوى المعيشة ومكافحة الفقر» متجاهلاً فى ذلك أن الشعب لا يطالب بالاصلاحات ذاتها وإنما يطالب باستقالته. ثم أظهر مبارك «الادعاء الارتكاسى بالموت» مرة اخرى عندما انسحب من المشهد لفترة تسعة أيام كاملة.
ويحلل علم النفس الخطاب الأخير لمبارك ليشير الى أن اصراره على البقاء فى السلطة أمر لا يتعلق بـ«حسنى مبارك نفسه

وإنما بمصر» عارض من عوارض الهيستيريا عندما يتصور بقاء الدولة مرهونا ببقائه. ثم يؤكد قوله «أثق أن الأغلبية العظمى من الشعب المصرى تعرف من هو حسنى مبارك» على انفصاله التام عن الواقع وانكاره لما يحدث كأنه لا يحدث.
ويشخص كتاب «مهووسون فى السلطة» المشاكل النفسية للرئيس مبارك فيشير إلى أنه ورث من سلفه النرجسية الملتصقة بأى حاكم لمصر باعتبارها دولة للفراعنة، وما يؤكده أن الرؤساء الثلاثة لمصر كانوا معجبين بشخصية رمسيس الثانى الذى عاش حتى التاسعة والتسعين من عمره وحكم لـ66 عاماً. وتشير الكاتبة الى أن كثيراً من العقد ولدت لدى مبارك منذ طفولته لأن عائلته عاشت فى فقر مدقع، وقد اتضح ذلك فى خجله من والده فلم يتحدث عنه مطلقا أو عن عمله الذى كان حاجبا فى محكمة. ويبدو أن خجل مبارك من أصوله دفعه الى قطع أية علاقة بعائلته الكبرى فى كفر المصيلحة بالمنوفية حتى أنه لم يعد لقريته يوما للمشاركة فى الأفراح والأحزان ولم يزر يوما قبر والده.
وفى المدرسة الابتدائية عرف مبارك بـ«الكذاب» بين زملائه نظراً لخياله الواسع فى ابتكار البطولات، ثم عرف فى المدرسة الثانوية بـ«حسنى الخباصة» نظرا لاشتهاره بالإيقاع بين زملائه عن طريق نقل الدسائس والنمائم. وعندما التحق مبارك بالقوات المسلحة ظلت صفة التجسس على الزملاء والرفقاء والإبلاغ عنهم لرؤسائه.
وتلاحظ المؤلفة أن مبارك كان متنائياً عن شعبه بشكل كبير حتى انه كان يعتمد فى خطاباته كلها على نصوص مكتوبة، وكان عندما يتحدث خارج النص يفاجئ مستمعيه بأسلوب فظ وسوقى فى الحديث. وقد شاع أن مبارك لا يعتقد بوفاته مستشهدا بطول أعمار كثير من أقاربه وهو ما منحه شعوراً أقرب لليقين بأفضليته وعظمة بقائه على عرش مصر. وفى ذلك الإطار كان المصريون يتداولون نكتة خيالية حول شعور الرجل بديمومة حكمه مفادها أن الله سبحانه وتعالى استدعى مبارك وأوباما وبوتين وأخبرهم ان يخبروا شعوبهم أن يوم القيامة سيكون فى الغد، فذهب بوتين لشعبه وقال لهم إن لديه خبرين سيئين أولهما ان الله موجود وهو ما يعنى أن كل ما يؤمنون به كان
باطلاً، والثانى ان العالم سينتهى فى الغد. أما أوباما فقد قال لشعبه إن لديه خبرين أحدهما سار والآخر سيئ، أما السار فهو أن الله موجود والسيئ أن العالم سينتهى فى الغد. وبالنسبة لمبارك فقد قال لشعبه إن لديه خبرين جيدين أولهما أنه التقى الله، والثانى أنه سيحكم مصر حتى القيامة.
وتعود فايسباغ لتفاصيل خطابات معمر القذافى خلال ثورة ليبيا لتكشف كيف كان الرجل مصابا بجنون حقيقى، فهو قد تحول من ضابط وطنى الى رئيس دولة ثم الى زعيم سياسى ثم منظر وأديب ومفكر لا يتكرر. وفى رأيها فقد كان يعانى من درجة متطرفة من النرجسية دفعته للاعتقاد بالفعل أن شعبه يحبه، وأنه سينتصر على كافة القوى الغربية، وأن هناك مؤامرات حقيقية تحدث ضده. وكان من الواضح أن الرجل يعانى من حب مفرط للذات دفعه لاختيار عدة ألقاب مثل ملك ملوك أفريقيا، وعميد الملوك والرؤساء العرب، وإمام المسلمين.
وتحلل الكاتبة لجوء القذافى الى استخدام ألوان عديدة مبهرجة وتغيير ملابسه عدة مرات فى اليوم بمعاناته من شعور متضخم للذات. وقد يلجأ مثل هذا الشخص الى كثرة وصف معارضيه وأعدائه بأوصاف لا تليق أو كلمات نابية مثلما قال عن المتظاهرين إنهم «أبناء زنى»، «جرذان» و«متعاطو حبوب هلوسة»، و«خونة» و«قطاع طرق».
حتى معظم تصرفات القذافى لم تكن تتسم بالتعقل والسياسة فيوما ما استدعى قائد غواصة مصرية كانت فى المياه الاقليمية الليبية وأمره بإطلاق طوربيد لإغراق السفينة الامريكية «كوين اليزابيث»، وامتنع القائد المصرى، ويوما آخر طلب من سفيره فى لندن تدبير عملية لاغتيال الملك حسين، ومرة أخرى حاول اغتيال السفير الأمريكى بالقاهرة.
وتصل درجة جنون العظمة بالقذافى أنه يعتبر الكتاب الاخضر بالكتاب الثانى بعد القرآن الكريم، وأنه يحتوى على الحقيقة المرتبطة بالانسان والمجتمع. وقد خصص الرجل الموارد اللوجيستية للدولة لنشر وتدريس الكتاب الاخضر الذى لم يكن سوى تجميعات للاشتراكية والأفكار الأفلاطونية غير الواقعية.
وفى تونس لم يكن المريض النفسى هو الرئيس السابق زين العابدين بن على، وإنما كانت زوجته ليلى الطرابلسى المتطلعة لحياة الثراء والترف، وكان حبه الشديد لها عاملا فى استجابة الدولة جميعها لجنونها وعبثها. وقد دخلت ليلى الطرابلسى كشريكة رئيسية فى مختلف المشروعات المقامة داخل تونس، ما حولها من دولة الى شركة خاصة. وقد عكس تصاعد الفساد المالى داخل تونس ضعف شخصية بن على وانقياده التام لرغبات زوجته غير المشروعة. ويعكس خطابه إلى الشعب بعد اندلاع الاحتجاجات فى محاولة متأخرة للاقتراب من شعبه حيث تحدث فيه باللغة العامية لأول مرة منذ توليه الرئاسة.
أما شخصية على عبد الله صالح فيغلب عليها فى رأى المؤلفة الاضطراب الذهنى والتردد الشديد والانقلاب يمينا ويسارا وتكرار التراجع والتحول من رأى إلى آخر. ولا تنسى الكاتبة الامريكية أن تتناول بالتحليل النفسى شخصية الرئيس جورج بوش الابن لتصفها بالسادية مسجلة عليه إصراره على حضور عمليات إعدام بنفسه واستخدامه لمصطلحات دينية فى حروبه الخارجية وجنوحه لتقسيم العالم الى معسكر خير ومعسكر شر، وقالت إن وفاة شقيقته الصغرى خلال فترة مراهقته كانت سببا مباشرا فى تكريس القسوة فى نفسيته.

أهم الاخبار