«كلمة عدل»

الإصلاح القضائى «32» درجات التقاضى

بهاء ابوشقة

الأربعاء, 10 ديسمبر 2014 21:33
بهاء الدين أبوشقة

استكمالاً للحديث السابق ونظرا لما أفرزه الواقع العملى من تطبيق للنصوص الإجرائية المنظمة للمحاكمة الجنائية بالنسبة للمتهم بجناية وما يتبع من إجراءات لمحاكمته أمام محكمة الجنايات وما يستتبع ذلك من إجراءات الطعن بالنقض على الحكم النهائى الصادر من محكمة الجنايات وهى الأحكام الحضورية والتى اقترحنا إلغاء الأحكام الغيابية لكى نتلافى النتائج التى أفرزها التطبيق العملى من تعطيل بإجراءات المحاكمة وأوردنا الحلول العملية اللازمة لتحقيق ذلك.

وضمانا لحق المتهم فى أن يحظى بمبدأ تعدد درجات التقاضى والذى يعد ركيزة أساسية تقوم عليها فكرة الطعن على الأحكام بما تمثله من ضمانة للمتهم - على وجه الخصوص - فى أن تتاح أمامه الفرصة لإعادة طرح النزاع أمام محكمة أعلى درجة مشكلة من عدد أكثر من القضاة بما يحقق أكبر قدر أمام خصوم الدعوى الجنائية وعلى وجه الخصوص «المتهم» المحكوم عليه والنيابة العامة فى إبداء جميع أوجه دفاعهم ودفوعهم وصولا إلى الغاية المنشودة وهى العدالة المجردة.
وليس من المستغرب أن نجد فى التراث الإسلامى ما يكشف عن تبنى هذا الفهم لتعاقب الأعين على النزاع بما يحمله ذلك من مراجعة أو تدارك لما عساه أن يكون قد تردى فيه الحكم الصادر من القاضى الأول فقد روى عن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه أنه قد أتى إليه برجل من قريش وجد مع امرأة من ملحفتها ولم تقم البينة على غير ذلك فضربه أربعين ضربة فحين بلغ أمير المؤمنين ذلك استفسر منه عن حيثيات هذا القضاء ثم أقره عليه.
وأوردنا فى الأحاديث السابقة كيف أن عدد الطعون قد تزايد فى الفترات الأخيرة لأعداد رهيبة أمام محكمة النقض ومازال سيل الطعون الجديدة فى مواد الجنايات مستمرا وكذلك الحال فى مواد الجنح بعد أن عادت مرة أخرى إلى محكمة النقض بما أوجد فى الواقع العملى ومع قانون وحالات إجراءات الطعن بالنقض الذى أباح الطعن لمرتين أمام محكمة النقض بل أورد أنه فى حالة

قبول الطعن للمرة الثانية تحدد محكمة النقض جلسة أمامها لنظر القضية موضوعا بما أوجد فى الواقع العملى عبئا ثقيلا على محكمة النقض.
وفى حقيقة الأمر فإننا نشفق كل الإشفاق على مستشارى النقض ولعل الكثير لا يعلم أن عدد مستشارى النقض الذين يتحملون عبء هذه الطعون فى القضايا التى تصدر فيها أحكام من أسوان حتى الإسكندرية لا يصل إلى أربعمائة مستشار.
ولذلك كان من الواجب على المشرع أن يتدخل بإصلاح تشريعى وأن يسعى حثيثا إلى إيجاد حلول عملية لمواجهة هذه المشكلة.
ولعل من أكثر الحلول العملية التى أثبتت التجربة فى كثير من الدول جدواها هو اللجوء إلى طريق الاستئناف فى مواد الجنايات بما يعنيه ذلك من اتاحة الفرصة للمتهم للطعن بالاستئناف فى أحكام محاكم الجنايات أمام دائرة تتشكل من عدد أكبر من المستشارين «ونرى أن يكون خمسة مستشارين» وتتولى نظر الموضوع مرة أخرى.
ذلك أن غاية كل متهم من طعنه هو الوصول إلى إعادة محاكمة جديدة لموضوع الدعوى فإذا ما توفر له ذلك عن طريق الاستئناف فسوف يؤدى ذلك فى الواقع العملى إلى إيجاد مصفاة تصفى القضايا بحيث يخرج منها القضايا التى صدرت فيها أحكام البراءة فى الدرجة الاستئنافية أو تلك التى خففت فيها العقوبة وارتضاها المتهم ولن تنشغل محكمة النقض سوى بالطعون الحقيقية التى سوف تتجسد فى غالبيتها فى الأحكام بالإدانة التى تأيدت من محاكم الجنايات الاستئنافية.
وقد فطن المشرع الفرنسى إلى جدوى ذلك فأدخل تعديلا فى عام 2000 على قانون الإجراءات الجنائية أجاز فيه الاستئناف فى مواد الجنايات، كما يشهد الواقع العملى فى الدول العربية والتى نقلت أغلبها قوانينها عن مصر جدوى وفاعلية نظام الاستئناف فى مواد الجنايات ومنها على سبيل المثال «الكويت والإمارات».
وقد فطن المشرع الدستورى إلى جدوى ذلك إذ نص فى المادة 240 منه على مبدأ بات مبدأ دستوريا واجب الإعمال وهو استئناف الأحكام الصادرة فى الجنايات.

وللحديث بقية إن شاء الله
سكرتير عام حزب الوفد

ل