برلمان.. منزوع المعارضة "تحليل"

انور عصمت السادات

الثلاثاء, 30 نوفمبر 2010 16:15
كتب: محمد جمال عرفة

لا مفاجآت في انتخابات برلمان 2010 (الجولة الأولي) بخلاف ما توقعه غالبية المراقبين السياسيين قبل الانتخابات من تقهقر الإخوان

وانتعاش نسبي محدود لأحزاب المعارضة، واكتساح للحزب الوطني الحاكم، بعدما ظهرت مؤشرات سابقة لذلك في صورة التراجع الحكومي الرسمي عن حزمة "هامش الحريات" التي استفاد منها المعارضون– خصوصًا جماعة الإخوان المسلمين – في عام 2004، وساعدتهم علي تجاوز بوابة البرلمان عام 2005.

 

فمنذ التراجع الرسمي عن هذا الهامش الضيق الخاص بالحريات تدريجيًا، منذ تعديلات دستور 2007 ، وما بعدها من تضييقات إعلامية وفضائية علي الأصوات المعارضة، وصدور تصريحات رسمية تؤكد أن دور الإخوان في برلمان 2010 لن يكون كما هو في 2005 (88 مقعداً)، والتوقعات تشير إلى أن دخول الإخوان برلمان 2010 سيكون من أضيق الأبواب، وربما يتم منعهم نهائيًا، وبالمقابل سيتم فتح الأبواب نسبيًا للمعارضة الحزبية.

ولأن منع الاخوان الذين شكلوا– بموجب نتائج برلمان 2005– ثاني أكبر قوة سياسية مصرية بعد الحزب الوطني (بعدما تراجعت الأحزاب الشرعية، ولم يحصل فى المجمل سوي علي خمسة مقاعد تمثل 2% في البرلمان ) من العودة بقوة لبرلمان 2010 سوف يجعل مقعد من يقود زعامة المعارضة في البرلمان شاغرًا ويحتاج لمن يشغله، فقد كان الطرح الذي طرحه الحزب الوطني مبكرًا يدور حول إحلال المعارضة الرسمية الشرعية في البرلمان محل هذه المعارضة غير الشرعية (أي الإخوان).

ومن هنا كان من المتوقع أن يتم فتح الباب بصورة أفضل أمام أحزاب المعارضة التقليدية (الوفد والتجمع والناصري وأحزاب أخري هامشية) نسبيًا، لتصبح هي قائدة المعارضة أمام الحزب الوطني الحاكم– كمعارضة مؤسسية شرعية– لا جماعة الاخوان المسلمين التي يعتبرها النظام وبعض المعارضين الرسميين "غير شرعية"، خصوصا أن أحد أهداف التعديلات الدستورية التي جرت عام 2007 والقانونية التي جرت في 2010 ، كان– بحسب تأكيد الرئيس مبارك نفسه في خطاب ترشيح أعضاء الوطني للانتخابات– هو الفصل بين الدين والدولة أو بحسب تعبيره: "الابتعاد بالدين عن السياسة"، وهذا هو ما أثار تكهنات حول تحالفات بين الوطني وعدد من أحزاب المعارضة خصوصًا الوفد والتجمع ونفاها رئيس حزب الوفد، وهو أيضا ما دفع مراقبين لتوقع أن يقود الوفد المعارضة في البرلمان المقبل، في حين يجري التضييق بصورة كبيرة– أمنيًا وتشريعيًا– علي جماعة الإخوان.

وقد ظهر هذا التوجه علي لسان العديد من قيادات الحزب الوطني مثل تأكيد الدكتور علي الدين هلال أمين الاعلام بالحزب أن: "وجود حياة حزبية قوية أصبح هدفًا مركزيًا وجزءاً من الحزب الوطني ذاته يتمثل في تنشيط أحزاب المعارضة"، وجاء إعلان بعض أحزاب المعارضة– مثل التجمع والجيل- تأييدها للبلاغ الذي تقدم به الحزب الوطني الديمقراطي ضد ما اسماه "تحايل تنظيم الإخوان غير الشرعي علي الدستور والقانون‏,‏ وقيامه بترشيح أفراد ضالعين فيه لخوض انتخابات مجلس الشعب المقبلة كمستقلين"‏، ضمن هذا التوجه لفرض البديل السياسي (الشرعي) لحظر الإخوان سياسيًا، بل إن رفض الوفد الانضمام لبلاغ الوطني ضد الاخوان كان وراء شائعات للوطني– كما أكد الدكتور السيد البدوي رئيس حزب الوفد– بأن هناك تنسيقًا انتخابيًا بين الوفد والإخوان، ربما كنوع من ابتزاز الوفد، كما أن انتخابات التجديد النصفى لمجلس الشورى التي نجح فيها 74 مرشحا للحزب الوطنى الحاكم ومعهم أربعة فقط من ممثلى أحزاب معارضة، وعدم فوز أي من مرشحي الإخوان كانت مؤشراً علي هذا التوجه أيضا ضد "المعارضة

غير الشرعية".

نتائج تؤكد النوايا

والحقيقة أن النتائج التي ظهرت للمرحلة الأولي كشفت عن هذه النوايا علي الأقل بوضوح تجاه جماعة الاخوان، ولكن المفاجأة ربما كانت هي اجتهاد من زوروا الانتخابات في العصف بأنصار الأحزاب الرسمية أيضا لتكون النتجية هي إقصاء المعارضة شرعية كانت أو غير شرعية ، وهو ما سبب حرجًا لقادة الحزب الوطني ربما يجري تعويضه– للأحزاب الشرعية علي الأقل– في الجولة الثانية برفع اليد عن التدخل في دوائر المعارضة نسبيًا ولو قارنا النتائج النهائية للمرحلة سوف نلاحظ شكاوي عديدة ومصادمات نتيجة إيغال أجهزة رسمية والمتورطين في لعبة التزوير في عمليات التزوير ضد المعارضة عمومًا لأنهم لم يفهموا التعليمات علي ما يبدو إلا في دوائر قليلة فاز فيها مرشحو أحزاب المعارضة أو أعادوا الانتخابات، في حين جري المنع بصورة أكثر عنفًا لكل المعارضة الإخوانية، ورموز معارضة أخري مغضوب عليها من قيادات الوطني مثل مصطفي بكري وحمدين صباحي وجمال زهران وكمال أحمد وغيرهم .

فوفقًا لنتائج المرحلة الأولي تم إعلان فوز 100 من مرشحي الحزب الوطني في الجولة الأولي، بينما يتجه الحزب لتحقيق فوز آخر في دوائر الإعادة التي يتنافس على معظم مقاعدها مرشحون من الوطني أيضا،‏ وأظهرت النتائج أيضا فوز 4 فقط من أحزاب المعارضة الـ 18 التي شاركت في الانتخابات بـ 6 مقاعد مجتمعة، حيث فاز حزب الوفد بـ‏3‏ مقاعد‏،‏ وكل من أحزاب الغد والتجمع والعدالة بمقعد واحد فقط‏،‏ ولم يفز أي من مرشحي‏ 12‏ حزباً خاضوا الانتخابات بأي مقعد‏ .

ولأن جماعة الإخوان المسلمين في مصر كانت هي المستهدف الأكبر من عمليات ابعاد المعارضة عن برلمان 2010 باعتبار أن البرلمان الذي سيقسم أمامه الرئيس المقبل اليمين في انتخابات رئاسة 2011، فقد كانوا هم أبرز الخاسرين ولم يسمح بفوز اي من مرشحيهم الـ 130 في الجولة الأولي ليخوض 27 من مرشحي الإخوان جولة الإعادة، وحتي لو سمح الحزب الوطني بفوز المعارضين في الجولة الثانية من الانتخابات فلن يتغير شىء في العصف بالمعارضة عمومًا خارج برلمان 2010 سواء شرعية أو غير شرعية وفقًا للتصنيف الحكومي، ولن يزيد عدد نواب المعارضة حينئذ عن 30 أو 40 (حوالي 7%) علي أحسن الأحوال، مقارنة بقرابة 100 في برلمان 2005 (أي أكثر من 20%).

ولهذا قال حزب الوفد إن "البلطجة " هي التي فازت وسقطت هيبة الدولة، واستغرب عدم فوز قياديين كبار مثل منير فخري عبد النور، وشككت جماعة الإخوان المسلمين في نتائج انتخابات البرلمان وقالت إنها "مزورة سلفًا" بسبب التجاوزات الأمنية وانتهاكات الحزب الحاكم وعمليات تزوير وتبديل الصناديق الانتخابية بأخري جاهزة بأصوات مزورة.

وقالت الجماعة- في بيان أصدرته عقب غلق صناديق الاقتراع– "إنه وقبل أن تظهر النتائج ويعقد البرلمان أولى جلساته فإن قرابة نصف أعضاء مجلس الشعب مطعون في صحة عضويتهم، بعد أن أوقف القضاء الإداري الانتخابات في 17 دائرة يوم الانتخابات،

ليرتفع بذلك عدد الدوائر التي صدرت أحكام بوقف الانتخابات فيها إلى 78 دائرة تضم قرابة 190 مقعدًا بعد إضافة مقاعد الكوتة النسائية، ومن المتوقع صدور أحكام جديدة بوقف الانتخابات في 20 دائرة أخرى تضم 50 مقعدًا تقريبًا يكون عدد المقاعد المطعون في شرعيتها قرابة 240 مقعدًا تمثل أكثر من 45% من عدد النواب الإجمالي (508).

الساحر أخفي المعارضة!

وكان تعبير الكاتب البريطاني الشهير روبرت فيسك- في تقرير له حول انتخابات مجلس الشعب نشر في صحيفة الإندبندنت البريطانية 29 نوفمبر– عن هذه النتائج ذا دلالة عميقة، حيث تحدث عما أسماه "سحر" نجح بموجبه الحزب الوطني في إخفاء المعارضة في هذه الانتخابات بعدما كان العديد من رموزها متقدمين في الفرز ثم توقع إعلان النتائج ليعلن بعدها سقوط الفائزين أو أنهم سيخوضون جولة إعادة، وهو ما فسرته المعارضة بلغات عديدة بالحديث عن تسويد صناديق في اللحظات الأخيرة لتغيير النتيجة، وشبه فيسك ما حدث في تلك الانتخابات بالخداع الذي اشتهر به السحر المصري القديم الذي "استطاع فيه السحرة جعل المعارضة تختفي تمامًا و كأنها شيء غير مرئي".

ولكن الأخطر من هذا كما يقول فيسك هو ما أعلنه أحد مرشحي الاخوان بالإسكندرية عن نية الجماعة للذهاب الى محكمة العدل الدولية لتقديم شكوى ضد تزوير النظام للانتخابات التشريعية، وهي خطوة وصفها فيسك بأنها : "قد تمثل رعبًا حقيقيًا للنظام الحالي وأنصاره من الحزب الحاكم حيث سترتعد فرائصهم في أحذيتهم اللامعة" بحسب تعبيره !.

فإسقاط نائب مثل محمد سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للاخوان ومعه نائب رئيس الكتلة والمتحدث الاعلامي حسين ابراهيم وعشرات المرشحين الآخرين، هو مؤشر واضح علي إسقاط رموز الجماعة ومن ثم باقي مرشحيها، وإسقاط الصحفي مصطفي بكري الذي كشف قضايا الغش والنصب في قرارات العلاج والقمح الفاسد، وإسقاط حمدين صباحي وجمال زهران اللذين أثارا مشكلات لنواب الوطني في البرلمان المنتهية ولايته كان ضمن مؤشرات الصورة بإبعاد المزعجين المتحالفين سابقًا مع نواب جماعة الإخوان في البرلمان ورسالة لغيرهم من المعارضين الفائزين.

والأخطر أن إسقاط رموز وفدية وأخري معارضة بارزة من برلمان 2010، أدى لإحراج المعارضة التي قبلت المشاركة في الانتخابات بناء علي وعد من الرئيس المصري مبارك بنزاهة الانتخابات، ثم فوجئت بإقصائها بصورة شبه كاملة وضعف تمثيلها في البرلمان المقبل كمعارضة شرعية، وهو ما عبر عنه رئيس حزب الوفد "السيد البدوى" عندما قال:" إن الحزب الوطنى ومرشحيه لم يحترموا وعد الرئيس مبارك بضمان نزاهة الانتخابات، مضيفًا "لو كنا نعلم أن هذه الانتخابات ستكون على هذه الحال ما كنا ألقينا بهذا العدد من المرشحين فى الشارع أمام البلطجية"، ولم يستبعد الانسحاب من الانتخابات في الجولة الثانية.

ولو نفذ الوفد تهديده أو نجح عدد أكبر من مرشحي الاخوان – مقارنة بأحزاب المعارضة - في الفوز في الجولة الثانية فسيعني هذا أن الصراع السياسي الرئيسي بعد انتخابات 2010 سيظل محصورًا بين تيارين (بصرف النظر عن مشاركة أحزاب سياسية أخري) : (الأول) يمثله الحزب الوطني الحاكم ويتبني شعار الفصل بين الدين والدولة، و(الثاني) تيار جماعة الإخوان المسلمين الذي يعتبر الدين والدولة شيئاً واحداً ولا فصل بينهما ، ويتبني منهجًا إصلاحيًا يستند لدمج الدين في الدولة، وليس العكس وفق رؤية الحزب الوطني وأحزاب أخري.

مكاسب وخسائر

ويمكن القول إن النظام هو الخاسر الأول في نهاية الأمر، ليس فقط لأنه أغلق ابواب التغيير وقضي علي هامش الحرية الذي سمح به منذ 2005 ربما تحت ضغوط دولية تغيرت أجواؤها حاليًا بعدما أيقن الجميع أن أي انتخابات حرة في المنطقة يفوز فيها غالبًا الإسلاميون وأنصار التغيير، ما سيزيد الاحتقان في الشارع المصري ويفتح الأبواب لمزيد من العنف، ولكن أيضا لأنه قضي حتي علي آمال المعارضة الشرعية الرسمية ممثلة في أحزاب مثل الوفد في قيادة معارضة حقيقية تعبر عن غضب الشارع المصري وتنفس عن حالة الاحتقان بدل الانفجار الشعبي القادم الذي يتحدث عنه خبراء السياسة والاقتصاد والاجتماع نتيجة الاحتقان والانسداد السياسي والضغط الاقتصادي والفساد الاجتماعي والسياسي.

وقد أشار لهذا ضمنًا السيد البدوى رئيس حزب الوفد عندما حذر من "ثورة شعب زُيفت إرادته" وحذر من أن تزييف " الوطني" لإرادة الأمة سيجني نتائجها الخطرة الشعب المصري بأسره!