التنـديد بـجريمة تونـس الإرهابيــة ليس كافيا

امينة النقاش

الجمعة, 20 مارس 2015 19:49
أمينــــة النقـاش

تجدد الجريمة الإرهابية الجبانة التى راح ضحيتها  18 سائحا أجنبيا  وتونسيان واثنان من منفذيها، فضلا عن 50 جريحا، فى تونس الأربعاء الماضى، التساؤل، حول مدى الجدية التى تتحلى بها الدول العربية، والمجتمع الدولى لصياغة، استراتيجية واضحة المعالم ،

متكاملة  الأبعاد،  متنامية الأطراف ،لقيادة حرب ناجحة، لإلحاق هزيمة  شبه نهائية لمعاقل الإرهاب الدولى، دون تجزئة، أو تعدد فى المعايير، ودون  أوهام التفرقة، بين المعتدلين والمتطرفين، بعد أن بات واضحا بأدلة عملية ثابتة فى مواقف شتى متباينة، أنه ليس هناك متطرف ومعتدل وسط صفوف «تيار الإسلام السياسى». فقد أثبتت التجارب المتعاقبة  لشعوب المنطقة، أن كلهم متطرفون وإرهابيون، ومتاجرون بالدين طلبا للجاه  والمال والسلطة بأى وسيلة وبأى ثمن ،وكارهون للحياة ،والأدلة أكثر من أن تحصى، منذ مولد جماعة الإخوان  عام 1928 والمنظمات التى تناسلت منها فيما بعد فى مصر وفى خارجها ،من جماعة التكفير والهجرة، والجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد والناجون من النار وغيرهم ،إلى  تنظيم القاعدة،  وأنصار المقدس وجبهة النصرة وأنصار الشريعة وغيرهم حتى الوصول إلى داعش!
هل يمكن الاستنتاج أن الإدانة الدولية الواسعة النطاق لهذا الحادث الإجرامى من الولايات المتحدة والدول الغربية، تشكل إفاقة متأخرة من وهم  وجود قوى معتدلة وقوى متطرفة وسط تيار الإسلام السياسى، تبشر بتغير بعض  المواقف  الغربية المساندة والداعمة ماليا وإعلاميا وسياسيا لفصائل من بين هذا التيار وفى القلب منه جماعة الإخوان؟لا يمكن الجزم بذلك ، لاسيما بعد رفض هذه الدول  مؤخرا الدعوة المصرية لتشكيل تحالف دولى للتصدى للجماعات التكفيرية  التى تتخذ من ليبيا قاعدة تتسلل منها إلى دول شمال  وجنوب إفريقيا ، وبشائر الصفقة الغريبة التى تعقدها واشنطن مع إيران ،لحل أزمة برنامجها النووى ،مقابل إطلاق يدها فى الإقليم،كى تتأجج الصراعات المذهبية فيه، بين طموحات تركيا فى استعادة الخلافة العثمانية وتوق إيران إلى  إحياء  الإمبراطورية  الفارسية .
لقد استقبل الغرب بترحاب مبالغ فيه التجربة التونسية بعد نجاح ثورتها فى إسقاط نظام بن على ، وسيطرة إخوان تونس فى حركة النهضة على الحياة السياسية، وتشكيلهم الحكومة منفردين ومؤتلفين، حتى افتقادهم للأغلبية البرلمانية فى الانتخابات الأخيرة، وخسارتهم لموقع رئيس الجمهورية بعد فوز الباجى قائد السبيسى  به وتشكيل حركته «نداء تونس» للحكومة فى الشهر الماضى بمشاركة صغيرة من حزب حركة النهضة تمثلت فى تقلد أعضائه  ثلاثة وزراء دولة  للمالية والاستثمار والصحة. وانطوى هذا الترحاب، على رسالة نقد بعضها معلن وبعضها الآخر  مضمر ،  للتجربة المصرية التى أطاحت بسلطة الإخوان فى ثورة

30 يونية من جانب ، ومن جانب آخر تأكيد على الفكرة التى باتت الإدارة الأمريكية تتبناها وتعمل على تكريسها وهى إدماج جماعة الإخوان فى الحياة السياسية لاستخدامها فيما تسميه  مواجهة الجماعات التكفيرية الأكثر تطرفا، برغم أن ما يحدث فى مصر وفى ليبيا وفى سوريا والعراق وأخيرا فى تونس، من أعمال عنف وتخريب وقتل ونحر للرؤوس وترويع للآمنين وتعطيل لحياتهم، يبرهن للأعمى قبل البصير ، على أن ما يسمى  اعتدال هذه الجماعة وأنصارها، هو محض خيال سياسى  سقيم، يسوق «الهبالة» على» الشيطنة» ليمرر مشروعه فى التسلط والهيمنة  ونهب ثروات شعوب المنطقة ، وتحطيم كل قدراتها ووسائلها للدفاع عن النفس، لتبقى إسرائيل أكبر قوة عسكرية ونووية فى المنطقة .
لم يختلف إخوان تونس عن أمثالهم فى مصر، من حيث سعيهم  الحثيث لتهيئة أجواء البلاد لسيطرة وسطوة وانتشار التيارات السلفية الجهادية التكفيرية، بالافراج عن مسجونيهم ، والسماح لهم بالنشاط الدعوى والسياسى فى المساجد والجمعيات الخيرية الممولة تمويلا هائلا غير معروف المصدر، وفى الميادين والشوارع ، وبتكوين معسكرات للتدربيات العسكرية المسلحة لأعضائها،وباقتناء كميات  هائلة لاتحصى من الأسلحة التى استولوا عليها من  ليبيا أثناء مشاركتهم فى المعارك  هناك لإسقاط نظام القذافى، ومتاجرتهم بهذه الأسلحة فوق الأراضى التونسية لينتشر السلاح فى كل مكان، وأخيرا التحالف معهم فى الانتخابات ، برغم أنهم لايؤمنون بالديمقراطية، بل يصفونها بأنها «لايمكن سوى أن تكون معادية للدين». ومع  هذه التسهيلات  الممنوحة لهم ،تصاعدت  عمليات التخريب والعنف لهذه الجماعات ،وفى القلب منها جماعة أنصار الشريعة ضد مؤسسات الدولة والمجتمع وضد النساء،فسيطروا على عدد من المدن والأحياء ، وأبعدوا السلطات المحلية منها وطبقوا فيها أحكام الحدود ،وقتلوا وذبحوا عددا من قوات الشرطة والجيش ، وقتلوا اثنين من كبار المعارضين لحكم النهضة المناضل اليسارى «شكرى بالعيد» والمناضل القومى «محمد الابراهيمى» ومدوا خيوطهم للتعاون مع القاعدة فى بلاد المغرب. وبعد أن قطعت حركة النهضة العلاقات مع سوريا،  سمحت لأعداد كبيرة منهم بالسفر عبر تركيا للقتال مع الجماعات الجهادية هناك، وردا عمن كانوا  يطالبونه بالتصدى لتلك التيارات ،ينسب لراشد الغنوشى زعيم حركة النهضة، وعضو مكتب إرشاد  التنظيم
الدولى للإخوان قوله «أنهم فى النهاية أبناء تونس ،ويجب التحاور معهم وليس إقصاؤهم «. وكان من نتائج سياسة الحواروعدم الإقصاء « المعتدلة» فى التعامل مع هؤلاء الإرهابيين ،الحادث الاجرامى الآخير الذى أودى بحياة 22 شخصا، احتجزهم هؤلاء بالقرب من مبنى البرلمان ، داخل متحف «باردو»-وهى كلمة إسبانية تعنى الحديقة أو الحقل -التاريخى والأثرى الذى أنشئ منذ أكثر من قرن  داخل قصر يعود تاريخه للقرن الخامس عشر،، ويحتوى على مجموعات من اللوحات الفنية  النادرة التى يتراوح تاريخها ما بين القرن الثانى قبل الميلاد والقرن السادس الميلادى  ، وتتنوع مدارسها التشكيلية  ما بين الرومانية والمسيحية والعربية، ليقدموا بهذه المذبحة  الخسيسة ، دليلا جديدا على نزوعهم المدمر والدموى ضد الحضارة  الإنسانية و ضد الفنون  وضد الحياة .
جاء البيان الذى أصدره إخوان تونس فى حركة النهضة ضد هذا العمل الإرهابى ليؤكد أنه مجرد تسديد خانة، فلم  يتوقف أمام الأساس الفقهى التى ترتكب  بموجبه تلك الجرائم ، سواء فى تونس ، أو فى  غيرها من الدول العربية  ويستهدف  إسقاط  الأنظمة التى تحكمها، ووصلت إلى السلطة فيها عبر انتخابات ديمقراطية حرة، ولم يدخل البيان  فى جوهر الموضوع وعمقه، ليكشف –إن أراد-ما تنطوى عليه تلك العمليات الإرهابية من مخالفة للشريعة الإسلامية، وللقيم الإسلامية التى استقرت على اعتبار أن حصول السائح الأجنبى على تأشيرة دخول أى بلد أسلامى، هو بمثابة عقد أمان له، يلزم الدولة بالحفاظ على حياته وماله وحمايته من أى عدوان.
ليس سرا أن وراء هذه العملية الإرهابية شأنها  فى ذلك شأن العمليات المماثلة لها فى مصر، السعى لتخريب الاقتصاد الوطنى، وتدمير القطاع السياحى أحد أهم موارد الدخل القومى، وتوتير العلاقة بين الدولة والدول التى ينتمى إليها القتلى  من السياح. ويفضح تكرار مثل هذه الحوادث رؤية جماعات العنف التى تتخفى وراء الإسلام ، وتؤكد أنها ، تحل جميعها قتل السياح واهدار دمهم، سواء كانت معتدلة أو متطرفة، وأنها تعد كل ما له صلة بالديمقراطية طاغوتا، يسعى للافتئات على حق الله عز وجل فى التشريع، وتستحل لنفسها تدمير كل مقومات الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة . وسواء أفاق الغرب من وهم المعتدلين والمتطرفين فى صفوف تيار الإسلام السياسى، فلم يعد أمام الدول العربية الذاهبة الأربعاء القادم إلى مؤتمر القمة العربي فى شرم الشيخ لتحمى أوطانها ،سوى إدراج المقترح المصرى  بتشكيل قوة دفاع عربى موحدة لمواجهة الإرهاب الزاحف بسرعة البرق كى يقتلع دولها، وبحث أليات تنفيذه، على رأس جدول الأعمال، فضلا عن مناقشة جادة لعمل عربى مشترك لتجديد الخطاب الدينى وتحريره من الجهل المعرفى  والخرافه، والتعصب الذى يشيعه بعض فقهاء المؤسسة الدينية الرسمية وأمراء تيار الإسلام السياسى الذين يروجون  لتأويلات  مهجورة ومزيفة ومصنوعة للمقدس الدينى تبشر بالموت، وتمجد التفجير والتدمير والقتل، وتحض على إقصاء ومقاطعة غير المسلمين، وتكفير كل المختلفين عنهم ،وتتغنى بنحر الرؤوس وسبى النساء وزواج القاصرات، ومخاصمة العقل ، وتمعن فى تشويه منجزات الحضارة البشرية وكراهية الحياة،هذا إذا كنا جادين حقا فى وقف الفوضى الشاملة المدعومة دوليا، التى يصدرها إلينا التوظيف السياسى للدين من قبل تيار الإسلام السياسى!

ا