رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المتهم الغائب في محاكمة حسني مبارك

امينة النقاش

السبت, 13 أغسطس 2011 10:51
بقلم: أمينة النقاش

سيظل ظهور الرئيس السابق حسني مبارك في قفص الاتهام مشهداً لن ينسي في الذاكرة المصرية وبينما كان يفترض أن يضع هذا الظهور حداً للشائعات والهواجس والتفسيرات التي تنسب كل حدث إلي مؤامرة أو تري فيه طريقاً يؤدي إليها فقد أصبح هذا الظهور مادة خصبة لمزيد من الشائعات والتقولات

التي تتجاهل الحقائق، وتنكر ما هو ماثل أمامها، وهو أن الرئيس السابق ونجليه في قاعة المحكمة وراء قفص حديدي، وأنه يرقد علي سرير طبي متحرك كان من المفترض أن تتوقف الشائعات التي تم نسجها من هواجس تتحدث عن صفقة بين المجلس العسكري الحاكم وبين مبارك تعفيه من المساءلة، في مقابل تخليه عن السلطة دون مقاومة، أو مقابل رده للأموال التي اتهم بتربحها من وراء منصبه، فيذهب هو إلي شرم الشيخ، ويصعد المجلس العسكري إلي قصر الرئاسة، لكن ذلك لم يحدث، بل تناسلت الشائعات فواحدة تتحدث عن هروبه خارج مصر وسفره إلي السعودية، وأخري تشير إلي أنه لن يحضر المحاكمة تحت أي اعتبار، المدهش في الأمر أن ظهور مبارك لم يوقف تدفق تلك الهواجس والشكوك.

بدأ الرجل راقداً علي سرير للمرض في الحالات الحرجة، ويقف بجواره نجلاه ليحجبا عنه كاميرات التصوير، أو ربما ليساعداه علي تفهم إشارات القاضي «المستشار أحمد رفعت» حيث اتضح لكل المشاهدين أن مبارك لا يسمع جيداً ما يدور حوله وأنه بحاجة لكي يعاد عليه بصوت مرتفع، ما يدور في الجلسة، ولم يكن الوهن الذي بدا في نبرات صوته، والهالات السوداء التي تحيط بعينه أدلة كافية لدي البعض ممن قالوا إن هذا كله مجرد «تمثيل» وأنه بصحة جيدة، وأن قدومه إلي المحكمة محمولاً علي سرير نقال هو محض تمثيلية تستهدف استدرار التعاطف معه.

ووصلت هذه الهواجس إلي ذروة غير معقولة، حين وقف أحد أعضاء هيئة الدفاع عن المدعين بالحق المدني وهم أسر الشهداء والمصابين ليقول إن الموجود في القفص ليس هو حسني مبارك ولكنه شبيهاً له، لأن مبارك قد رحل عن الدنيا عام 2004، وأن هذا البديل الذي زرعته أمريكا وإسرائيل هو الذي يقوم بدوره منذ ذلك التاريخ وهو الذي يحل محله في القفص، ولم ينتبه صاحب هذه الرؤية المدهشة، إلي أنه بما يقول ينسف القضية برمتها، ويدعو إلي إغلاق ملفها، لأن المتهم قد رحل عن الدنيا ولأنه لم يرتكب معظم التهم المنسوبة إليه، بما في ذلك تهمة قتل المتظاهرين وتصدير الغاز إلي إسرائيل، لأنه لم يكن علي قيد الحياة، حين وقعت هذه الجرائم وإذا كان لابد من وجود متهم ارتكب تلك الجرائم فهو البديل الماثل في القفص، وهم من تواطؤا معه وسهلوا

له انتحال شخصية مبارك الأصلية!

مشهد مليء بالريب والهواجس بينما المؤكد فيه أن حسني مبارك قد حضر المحاكمة متهماً هو ونجلاه وأن المجلس العسكري قد أوفي بوعده بعقد المحاكمة وبعلانيتها، مؤكداً أن أحداً ليس فوق القانون، وأن العدالة ستأخذ مجراها وأن تعهده بأنه لن يلجأ إلي الإجراءات الاستثنائية توضع الآن في هذه المحاكمة المدنية، موضع التطبيق.

ساورتني مشاعر متناقضة وقت متابعة المحاكمة تراوحت بين الأسي والشفقة، أما الأسي فعلي الفرص الثمينة التي أضاعها نظام مبارك لإحداث التغيير المطلوب، لو كان استجاب مبكراً إلي الدعوات التي رفعتها أحزاب المعارضة للإسراع بتحقيق إصلاح ديمقراطي يضع مصر في المقام الذي تستحقه بين الدول الناهضة، أو لو أنه قرأ قراءة صحيحة صيحات الثائرين في كل ميادين مصر طلباً للعدل والانصاف والحرية، لأتيح له خروج آمن من السلطة، بدلاً من مصير المتهم الذي آل إليه أما الشفقة فلأن التاريخ لا يتبدل بالأمنيات الطيبة فهو لا يعرف كلمة «لو».

سوف تكون محاكمة «مبارك» فرصة للمصريين لكي يوجهوا مشاعر الثأر والانتقام التي تصاعدت خلال الشهور السبعة الماضية، إلي محاولة معرفة جانب من الحقيقة عما حدث في بلدهم خلال الأعوام الثلاثين الماضية، أما معرفته بشكل كامل فهو يحتاج إلي فترة من الزمن تتكشف فيها الحقائق وتذاع الوثائق ويتكلم كل الذين كانوا فاعلين ومؤثرين علي القمة خلال تلك السنوات ومعرفة هذه الحقيقة أو جانب منها أهم بكثير من مضغ مشاعر الثأر والانتقام والتشفي التي ملأت الساحة الشعبية والإعلامية علي مشارف المحاكمة وقبلها ولم تهدأ حتي بعد أن بدأت جلستها الأولي ذلك أن بناء مصر المختلفة ينبغي أن يرتبط بمعرفة موضوعية للبناء الذي رفضه المصريون في 25 يناير وما بعده، وهذه المعرفة تشمل أسئلة لا تزال تحتاج إلي إجابة علي رأسها سؤال كبير، كيف كان يتخذ القرار في مصر في عهد مبارك؟.. وهل كان هو صاحب الرأي الأول والأخير في القرارات التي صدرت عن إدارته؟.. أم أنه كما يقال الآن قد توقف عن ممارسة كل أدواره كرئيس للدولة منذ عام 2004 حين أجري العملية الجراحية الأولي، وما مدي مسئوليته عما اتخذ من قرارات آنذاك؟.. وهل يمكن محاسبته عما ترتب عليها جنائياً؟.. وهل كان يجوز لمبارك أن يتنازل عن سلطته لغيره؟

ثم كيف كان يتخذ القرار قبل السنوات السبع الأخيرة وما هي الأجهزة المعاونة التي كان الرئيس السابق يستعين بها في اتخاذ قراراته؟.. وهل كانت هذه الأجهزة تقدم له معلومات صحيحة، أم أن هذه المعلومات كانت ناقصة أو كاذبة أو تم تزييفها بهدف استصدار قرار بعينه في مسألة بعينها؟

وهل صحيح أن مبارك كان عاجزاً خلال السنوات السبع الأخيرة عن حكم مصر وأن تركه لابنه الذي قال في أكثر من مناسبة إنه يساعده في القيام بمهامه؟

وهل صحيح أن المعلومات التي قدمت له بعد يوم 28 يناير عن سقوط قتلي وجرحي بين المتظاهرين السلميين كانت معلومات تؤكد له أن الضحايا هم من البلطجية وليسوا من المتظاهرين السلميين؟.. ومن الذي قدم له هذه المعلومات؟.. وكيف صدقها ولم يحاول أن يتثبت من صحتها؟

وليس الهدف من الحصول علي إجابة لهذه الأسئلة، هو مجرد تحديد مسئولية مبارك عما جري، ولكن البحث عن الثغرة التي انتهت بمبارك إلي ما انتهي إليه وانتهت بنا إلي ما انتهينا إليه معه، لكي نسدها ونحول دون تكرارها، ونتوقف عن البحث عن مبارك آخر أو استنساخ سادات ثان، أو بعث عبدالناصر جديد، يتولي حكم مصر بعد هؤلاء جميعاً ويمارس نفس الدور، دور الرئيس الذي يتخذ كل قرار ويملك كل سلطة ويطلق يده في تحديد مصائرنا، وتحديد السياسات التي يطبقها علينا ويملك حرية مطلقة للبقاء في سدة الحكم طالما هو علي قيد الحياة من دون أن يكون لنا رأي في اختياره، أو سلطة في محاسبته أو قدرة علي عزله.

لقد آن الأوان لكي نتخفف من مشاعر الثأر والشماتة وهواجس البديل والممثل والمتباطئ والمتواطؤ لكي نتابع محاكمة مبارك بعقل شعب يعنيه المستقبل، أكثر مما يستغرقه الماضي ويسعي لمعرفة الحقيقة كما هي لا كما تمليها مشاعر الغضب وانفعالات الثأر لكي نعرف كذلك وبنفس القدر مدي مسئوليتنا عما انتهي إليه مبارك، وهل ساهمنا أو ساهم بعضنا في أن تكون نهايته متناقضة تماماً مع بدايته.

ما مدي مسئولية المصريين عن هذه الظاهرة، ظاهرة الحاكم الذي يبدأ حياته محبوساً من الناس، وقريباً من الشعب ثم ينتهي الأمر في أواخر حكمه، وقد أعطي كل منهما ظهره للآخر، فلا الحاكم يعني بما يقوله الشعب أو يحرص علي إرضائه، ولا الشعب يريده أو يحرص علي بقائه.

هكذا كان الحال مع عبدالناصر الذي منحه المصريون مشاعر حب جارفة صنعت زعامته الأسطورية التي تجاوزت حدود مصر إلي العالم كله وتدنت هذه المشاعر بعد الهزيمة، وفي عام 1968 تخرج مظاهرات عارمة تطالب بسقوط النظام وتدعو إلي زواله.

واستقبل المصريون السادات بترحاب ثم انتهي حكمه بجنازة قاطعها المواطنون وها هو نفس المشهد يحدث مع حسني مبارك الذي كان أول ما فعله حين تولي الحكم هو الإفراج عن المعتقلين في حملة سبتمبر 1981 واستقبالهم في قصر الرئاسة، وأنهي حكمه بمظاهرات عارمة ترفع شعارات تطالب برحيله!

محاكمة حسني مبارك أهم كثيراً من مشاعر القصاص التي كانت وراء المطالبة بها، لأن وقائعها هي التي ستحدد لنا الطريق الذي سنسلكه إلي الغد، ولا يبقينا أسري للأمس، غد لا يغلب فيه مشاعر الثأر علي مفاهيم العدالة وقيم الديمقراطية والحوار والتعددية واحترام الآخر، ولا تعلو فيه سلطة فوق سلطة الحق والقانون ولا تؤخذ فيه مسئولية دون محاسبة ومساءلة والتزام باحترام حقوق المواطنين.. تلك هي مقومات دولة المستقبل.. فهل نحتشد لبنائها؟