رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

طه حسين فى الأراضى المقدسـة

امينة النقاش

الجمعة, 13 فبراير 2015 22:03
أمينـــة النقــــاش

لعلها المرة الأولى التى يتاح لى فيها التعرف على جانب جديد من جوانب  شخصيته المدهشة، إنه الدكتور طه حسين فى المملكة العربية السعودية.

ففى 15 يناير عام 1955 زار الدكتور طه حسين المملكة العربية السعودية  زيارة رسمية، بصفته رئيس اللجنة الثقافية بالجامعة العربية، ولأن الزيارة شكلت حدثا فريدا من نوعه بالنسبة للطرفين: طه حسين والسعوديون، فقد  قامت الدنيا ولم تقعد، على امتداد  تسعة عشر يوما استغرقتها الزيارة، احتفالا بعميد الأدب العربى فى المحافل العلمية والثقافية والسياسية والإعلامية. والجامعية. أحاديث فى الصحف والمجلات والإذاعة، وندوات ولقاءات مع الطلبة  المصريين والسعوديين،ثم القيام بعمرة فى الأماكن المقدسة. لم يكن قد مضى على قيام ثورة يوليو سوى ثلاث سنوات فقط، ولم تكن العلاقة بين الرئيس عبدالناصر والملك سعود قد أخذت بعد فى التعقد، ولم تبرز بعد الخلافات السياسية بين البلدين. بل العكس هو الصحيح تماما، فقد تولى الملك سعود الحكم فى نوفمبر عام 1953 بعد وفاة والده مباشرة، وكان أول حاكم يزور مصر بعد قيام ثورة يوليو   فى عام 1954 أثناء أزمة مارس الشهيرة، التى انتهت باستقالة اللواء محمد نجيب من رئاسة الدولة، حيث كان جمال عبدالناصر  رئيسا لمجلس قيادة الثورة، ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية. ولم يكن هذا هو اللقاء الأول  للملك سعود بعبدالناصر، فقد سبق أن التقى به عندما رأس وفد مصر  لتقديم واجب العزاء فى وفاة والده  الملك عبدالعزيز فى نوفمبر عام 1953، حيث حل الوفد المصرى  ضيفًا على الملك وأقام فى  قصره الملكى  الخاص، وكانت المرة الثالثة،حين أرسل الملك  سعود طائرة خاصة إلى القاهرة فى اغسطس عام 1954  لتقل عبدالناصر ومرافقيه لأداء فريضة الحج.
ومع أن الوفد المصرى المشارك فى أعمال الدورة التاسعة  للجنة  الثقافية بالجامعة العربية  التى تم عقدها فى مدينة جدة، كان يرأسه مثقف ومفكر كبير هو الدكتور «أمين الخولى» بصفته  المدير العام للإدارة الثقافية بوزارة التربية والتعليم، فضلا عن أن الوفود العربية كانت تضم عددا آخر من مثقفى الدول العربية، إلا أن طه حسين  استحوذ على كل الاهتمام،ليس من قبل  السعوديين فحسب، بل أيضا من  مثقفى الوفود العربية المشاركة فى  هذا الاجتماع.
بلغته العربية الفصحى  الخلابة، وبصوته الآسر البديع، وبمنطقه القوى الواضح والمستقيم الذى يتسلح بالعلم والمعرفة والثقافة الموسوعية التى نهلت من كل الثقافات، ودرست كل الحضارات فارتوت من معارفها، وأضافت إليها، تحدث طه حسين فى افتتاح هذه الدورة، فاستولى

على قلوب وعقول سامعيه، وغدا حديثه محلا لتعليقات الصحف والمنتديات الثقافية السعودية على مدار أيام الزيارة. وفى خطابه قال طه حسين: لكل مسلم وطنان، لا يستطيع احد أن يشك فى ذلك.. وطنه الذى نشأ فيه، وهذا الوطن المقدس الذى أنشأ أمته، وكون قلبه وعقله وعواطفه جميعا. وقال: أمرنا الإسلام بأن نتبصر فى كل شىء، وأن ننظر إلى كل شىء نظر من يريد الفقه والعلم، وألا ندع شيئا نستطيع أن نعرفه إلا عرفناه.. والا ندع علما نعرفه إلا أذعناه أفدنا به غيرنا من الناس. وقال: يجب أن نفتح أبواب الأمم العربية، ونوافذها على مصاريعها لكل لون من ألوان  العلم، ولكل فن من فنون الثقافة، ولكل ضرب من ضروب المعرفة.. يجب أن نعيش فى الأرض منتجين لا مستهلكين فقط. وقال: لقد بذلت الأمم القديمة «جهودا» لنشر سلطانها السياسى ولنشر ثقافتها فى الأرض، فاستطاع اليونان أن ينشروا ثقافتهم فى الشرق والغرب، لكنهم لم يستطيعوا أن يتجاوزوه، واستطاع الرومان أن يحتفظوا بهذه الثقافة فى الشرق القريب، لكنهم لم يستطيعوا أن يتجاوزوه. وجاء العرب فأخذوا ثقافة اليونان والرومان ونشروهما  مع الثقافة العربية، فى أعماق الشرق الإسلامى، وأضافوا إليهما ما كان عند الفرس والهند من علم وثقافة وحضارة، ولأول مرة فى تاريخ الإنسانية، استطاعت الأمة العربية أن تجعل من العالم القديم كله وحدة فى التفكير والعقل والشعور، بفضل الإسلام.. وبفضل الطبيعة العربية القوية لم يتوقف الكتاب والصحفيون عن التعليق شبه اليومى على خطاب العميد ومما قالوه: حديث يحرك النفوس ويشحذ الهمم والعزائم ويعبئ  الطاقات الروحية والنفسية كى يستعيد الشرق مهبط الرسالات، ومنبع الحضارات سيرته الأولى.
وأثناء الزيارة وقف طه حسين عند الحديبية، وطلب حفنة من التراب ثم راح  يقبلها وعندما سأله مرافقوه عن السبب أجاب: لعل الرسول صلى الله عليه وسلم وطئ من هنا. وحين سأله بعض الصحفيين، كيف كنت تدعو ربك وأنت حول البيت الحرام وأمام قبر الرسول الكريم، فرد عليهم قائلا: أعجب لقوم يتدخلون بين المرء وربه. ولعل السائلين كانوا من جماعة الإخوان الذين استوطنوا المملكة بعد المحاولة الفاشلة
للجماعة لاغتيال جمال عبدالناصر فى حادث المنشية الشهير فى نوفمبر 1954، وبرغم الصورتين الرائعتين الذاعتين  لطه حسين وجمال عبدالناصر فى ملابس الإحرام أثناء تأديتهما فريضة الحج، فلم يسلم أى منهما من الاتهام بالكفر والإلحاد من قبل جماعة الإخوان!
فى أحد الاحتفالات  بالوفود العربية، سئل طه حسين: لقد أعلنت  ان الأدب قد انتقل من مصر إلى لبنان مع أن اللبنانيين ليس عندهم أدب. أدرك طه حسين مدى الاحراج الذى سببه السؤال للوفد اللبنانى المشارك فى الحفل، فقال لسائله: ارجو ألا يصدق على السائل قول الشاعر القديم: أبنى حنيفة أحكموا سفهاءكم، إنى أخاف عليكم أن أغضبا.
وفى حفل الأساتذة المصريين العاملين بالمملكة لتكريم طه حسين، ألقى «محمد متولى شعراوى –الشيخ والمفسر الشهير فيما بعد -عضو بعثة الأزهر للمملكة قصيدة قال فيها: هو طه فى خير كل قديم، وجديد على نبوغ سواء،كرموه وكرموا العلم لما، كلفوه صياغة الأنباء، يا عميد البيان أنت زعيم، بالأمانات أريحى الأداء.. لك فى العلم مبدأ «طحسنى»، سار فى العالمين مسرى ذكاء، يجعل العلم للرعية جميعا، مشاعا كالماء بل والهواء، فمن الغبن أن يوفر قوت، لجسوم والروح دون غذاء. قاطع طه حسين طالبا يسأله: بصفتك عميدا للأدب العربى، قائلا له: لست عميدا للأدب العربى وإنما هو كلام يقال. فى عام 1945 صدرت مجلة الكاتب المصرى عن دار تحمل اسمها، واسندت رئاسة تحريرها إلى طه حسين، وفى العدد الأول منها كتب افتتاحية لها قال فيها إن الشباب « فى حاجة إلى التشجيع  الخالص والرفق، لكنهم فى حاجة كذلك إلى التمرين والنقد، ويوشك التشجيع الخالص ان يكون تغريرا، كما يوشك النقد المسرف فى العنف ان يكون تثبيطا للهمم، وخير الأمور أوسطها»، وحين سئل فى السعودية لماذا أغلقت المجلة، أجاب: قاتل الله الخصومة السياسية،فإنها لم تعرض لشئون الأدب أو السياسة إلا وأفسدتها، وعن أى مؤلفاته أحب إليه قال «لا أحب منها شيئا» وعن سبب عدم منحه جائزة نوبل أجاب «أعتقد أن جائزة نوبل جائزة سياسية أقرب منها أن تكون جائزة أدبية، فهى تمنح لمن تريد ان تمنحه الجائزة أو قد تهديه لمن تريد من الساسة. بعد الزيارة اطلقت المملكة اسم طه حسين على شارعين أحدهما فى العاصمة الرياض والثانى فى جدة.
ولولا الدورة السادسة والأربعون لمعرض القاهرة الدولى للكتاب لما اتيح لى ان استخلص ما رويته فى هذا المقال من مواقف مجهولة لعميد الأدب العربى «طه حسين» إذ كان اختيار السعودية  ضيف شرف لهذه الدورة من المعرض، هو الذى أتاح لمئات الآلاف من الذين ترددوا عليه أن يتعرفوا على أحد الروافد المهمة للثقافة العربية، ربما لم تكن  معروفة   كغيرها، بالقدر الكافى الذى يليق بها، ومن بينها كتاب المؤلف والكاتب والباحث السعودى الدؤوب  محمد بن عبد الرزاق القشعمى «طه حسين فى المملكة العربية السعودية»، فشكرا له على المتعة الخالصة التى منحها لى، توثيقه الدقيق والثرى والمدهش لهذه الزيارة التاريخية، وشكرا للدكتور احمد مجاهد الذى ساهم بجهده وشجاعته وإصراره على إقامة المعرض فى موعده، فى تقريب المسافات بين شعبينا.


 

ا