مرحبا بالقيـصر الروسـى فى القاهرة

امينة النقاش

الجمعة, 06 فبراير 2015 22:12
أمينـــة النقــاش



فى حوار أجريته معه  قبل سنوات، قال لى خالد محيى الدين- متعه الله بالصحة والعافية وأمد فى عمره ـ إن أكثر الأطراف الدولية التى تضررت من سقوط الاتحاد السوفيتى  عام 1991، هى الدول العربية ،لأنها فقدت بسقوطه  مناصرا دوليا لقضاياها فى المحافل الدولية، وفى مجلس الأمن ، وأنه منذ ذلك الحين أصبح القرار الدولى محصورا فى يد الولايات المتحدة الأمريكية ،التى باتت تستخدمه لفرض هيمنتها على المجتمع الدولى من جهة، ودعم اسرائيل على حساب المصالح العربية والفلسطينية من جهة أخرى.

يبدو ما قاله « خالد محيى الدين «منطقيا تماما، مع ماخبرته الشعوب  العربية وعاشته على امتداد ربع قرن من هذا السقوط المدوى لكل المنظومة الاشتراكية، ولانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم ،ونمو نزوعها الإمبراطورى للهيمنة على الدول بالحروب والغزو وتدبير الانقلابات  العسكرية وعمليات الاغتيال الغامضة للزعماء المتمردين على  توجهها الاستعمارى، وطمعها فى ثروات بلادهم الطبيعية ، وسعيها لنهبها بتصعيد عملائها إلى السلطة فى الدول المتمردة، أو بالغزو العسكرى كما حدث فى عدد من دول أمريكا الجنوبية ، وفى العراق وافغانستان.
لكن من المشكوك فيه وغير المؤكد ، أن تكون الأنظمة العربية  التى لعبت دورا  فى اسقاط  الاتحاد السوفيتى ، والتشهير بسياساته التى كان جزء منها دعما لحقوق عربية عادلة ، قد تعلمت من هذا الدرس، وسعيت لتصحيح الاخطاء التى وقعت فيها، حين استسلمت لمقولة إن  99% من أوراق اللعب فى يد الولايات المتحدة ، وغدا معظمها جزءا من التحالف الدولى الذى تقوده واشنطن لمكافحة الشيوعية،ولم يتوقف الأمر عند حدود الدعم السياسى، بل امتد ليشمل الدعم المالى واللوجيستى والعسكرى، حينما انخرطت مصر السادات ومبارك والدول الخليجية، فى الحرب الأمريكية على الوجود السوفيتى فى أفغانستان بمدها بالمقاتلين  الذين أعدتهم جماعة الإخوان  للجهاد ،وبالأسلحة وبأموال النفط الخليجى، وهو ما انتهى بكارثة الأفغان العرب ، وهم من عرفوا بالمجاهدين التكفيريين الذين عادوا إلى بلادهم من أفغانستان لمواصلة حربهم الدينية ضد ما يعتبرونها أنظمة حكم كافرة ،بعد انسحاب القوات السوفيتية منها، وسقوط افغانستان فى أيدى حركة طالبان الدينية المتطرفة ، بدعم من تنظيم القاعدة !
ما جرى بعد ذلك بات معروفا، غزت الولايات

المتحدة افغانستان ضمن تحالف غربى لملاحقة تنظيم القاعدة، فانتشر التنظيم فى باكستان وشبه القارة الهندية ودول الشرق الأوسط، واسقطت حكم طالبان ، ولم تستقر الأوضاع داخل أفغانستان، وعجزت واشنطن عن إتمام سحب قواتها مع بداية العام الحالى منها ،كما وعدت ادارة أوباما، ودخلت الادارة الأمريكية مفاوضات مع حركة طالبان لاشراكها فى الحكم ،كما دفعت دولة قطر لفتح مكتب تمثيلى للحركة فى العاصمة القطرية الدوحة. ولم تكن كل هذه التحركات الأمريكية بعيدة عن هدف رئيسى من أهدافها هو  تطويق روسيا الاتحادية التى تتشارك مع الحدود الشمالية لافغانستان، واضعافها ،خاصة بعد تقلد «فلاديمير بوتين» (63عاما)  الحكم رئيسا منتخبا لروسيا الاتحادية عام 2000 لدورتين متتاليتين حتى عام 2008 ،حين تولى منصب رئيس الوزراء ، حتى أعيد انتخابه مرة ثالثة رئيسا للجمهورية فى مارس 2012،وسعى خلال نحو 15 عاما  إلى التخلى عن سياسيات  الارتماء فى أحضان الغرب التى اتبعها سلفه «يلتسين» وإلى إعادة رسم السياسة الروسية ،كى تستعيد روسيا دورها  كدولة كبرى  فى المجتع الدولى ، على المستوى الاقتصادى والعسكرى والسياسى، لاسيما بعد أن تراجع هذا الدور ، مع تفتت الاتحاد السوفيتى ، وانضمام جمهورياته  السابقة إلى حلف شمال الأطلنطى ، ودعم واشنطن للثورات الملونة فى الجمهوريات المحاذية للحدود الروسية. وتنصيب حكومات موالية لها ومناوئة بطبيعة الحال لروسيا. ولم تكن الأزمة  الاوكرانية سوى جزء من هذا المخطط، إذ قدمت الولايات المتحدة ودول «الناتو» فى بداية عام 2013 دعما غير محدود للاحتجاجات الشعبية الداعية لانضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبى، ولحلف الناتو واسقاط الحكم الداعم لروسيا، وهو ما اعتبرته روسيا تهديدا خطيرا لأمنها القومى، فردت على هذه الخطوة  بتشجيع المواطنين الروس الذين يشكلون نحو 60% من أهالى شبه جزيرة القرم على القبول باستفتاء ،انتهى بانفصال القرم عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا الاتحادية بنسبة موافقة  بلغت 95 %.
ويوم الاثنين القادم يحل الرئيس الروسى «بوتين» ضيفا على مصر ،بعد مضى نحو عشر سنوات على زيارته الأولى لها، وبعد أن جرت فى نهر السياسات العربية  والإقليمية والدولية مياه كثيرة ،مما يكسب هذه الزيارة أهميتها البالغة .فالرئيس الروسى كان  من اوائل من دعموا وأيدوا ثورة الشعب المصرى فى 30 يونيو للتخلص من حكم جماعة الإخوان ، وهى الجماعة  المدرجة فى روسيا ضمن  لائحة المنظمات الإرهابية، كما رفض الاستجابة لمطلب « محمد مرسى» أثناء زيارته موسكو لشطب الجماعة من هذه اللائحة . كما كان صريحا بدعمه العلنى لترشح وزير الدفاع المشير السيسى لمنصب رئيس الجمهورية ،اثناء زيارة الأخير  لموسكو حين قال له أثناء استقباله «إن إلقاء مصير الشعب المصرى على  عاتقكم هو قرار فى غاية المسئولية ، أتمنى لكم باسمى شخصيا ونيابة عن  الشعب الروسى التوفيق».
تتسع دائرة المصالح المشتركة بين مصر وروسيا التى تعززها  زيارة «بوتين»  للقاهرة لتشمل رفع حجم التبادل التجارى بين البلدين ، وتوثيق التعاون العسكرى لتحديث اسلحة الجيش المصرى ومده بقطع غيار متطورة  فضلا عن التعاون الفنى والاقتصادى،  والمعلوماتى وتحديث المجمعات الصناعية التى توقفت عن العمل  لعدم توفر أجهزة حديثة لتشغيلها والتعاون فى مكافحة االإرهاب والقرصنة البحرية،وغيرها من مجالات التعاون المشترك التى تمتد لتشمل الاتفاق المشترك بين البلدين للتسوية السلمية للازمة السورية، والتوصل لتسوية للقضية الفلسطينية  على قاعدة اقامة دولة فلسطنية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ،لكن الزيارة تدعم قبل هذا وبعده، الدولة المصرية فى حربها الشرسة ضد الإرهاب ،المدعوم دوليا من الادارة الأميريكية وحلفائها فى المنطقة، وتجدد التأكيد على التوازن فى علاقات مصر الدولية .
يأتى بوتين للقاهرة وسط أجواء حرب اقتصادية تشنها على بلاده واشنطن وحلفاؤها بمزاعم تتعلق بالازمة الاوكرانية، شملت فرض عقوبات اقتصادية من جهة، ودفع حلفائها فى منظمة « أوبك» من جهة أخرى، على خفض اسعار النفط الذى يعتمد على تصديره الاقتصاد الروسى اعتمادا كبيرا ، ما أدى إلى خسارة  روسيا خلال اشهر قليلة نحو 120 مليار دولار. لكن روسيا التى تسعى فى ظل زعامته لاستعادة مكانتها كدولة كبرى فى الساحة الدولية،تعمل بدأب لكسر هذا الحصار بتعزيز أواصر التعاون بين مجموعة دول «البريكس»التى تضمها مع كل من البرازيل والصين والهند وجنوب أفريقيا ،بهدف تكوين قوة مالية واقتصادية  لها القدر على التأثير  فى ادارة الاقتصاد الدولى ،وكسر الاحتكار الأمريكى والغربى له، فضلا  عن  مشاريع تحديث  القدرات العسكرية الروسية والاقتصاد الروسى  واعادة هيكلته لرفع قدراته الانتاجية والتنافسية، من اجل التوجه لبناء حلف دولى جديد لمواجهة  البلطجة، التى غدت عنوانا للسياسات الأمريكية والغربية على المستوى االعالمى وهو توجه ينبغى أن يحظى بكل الدعم من السياسة المصرية !
لأجل هذا ولغيره، الف مرحب بالرئيس بوتين فى القاهرة.

 

ا