رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دفاعاً عن المبادئ الحاكمة للدستور

امينة النقاش

السبت, 06 أغسطس 2011 09:07
بقلم: أمينة النقاش

الذي لا شك فيه، أن الانقسام الذي شهدته الجمعة الماضية بين القوي والتيارات السياسية التي تداعت إلي ما سمي في البداية بجمعة لم الشمل، لن يمر ببساطة، علي الرغم من محاولات كثيرين من أصحاب النيات الطيبة لتصوير هذا الذي جري باعتباره أمراً عارضاً لا يؤثر في وحدة التيارات السياسية التي شاركت في ثورة 25 يناير، كما أن البدء في محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك لن يعيد توحيد صفوف الثوار باعتباره من المطالب التي احتشدت حولها المليونيات المتعددة التي أعقبت إسقاط النظام السابق في 11 فبراير الماضي.

 

جوهر الخلاف الذي شهدته مليونية 29 يوليو لم يكن يدور حول المطالب التفصيلية التي تكررت في المليونيات السابقة ومنها الإسراع بمحاكمة أقطاب النظام السابق، خاصة المتهمين منهم بقتل المتظاهرين أو رعاية أسر الشهداء والمصابين أو غيرها من المطالب التي تتعلق من وجهة نظر الثوار بالدعوة إلي إزالة آثار العهد السابق، فتلك كلها أمور لم يكن حولها خلاف كبير بين الثوار، بل كانت تتعلق بما له صلة بالمستقبل، وبطبيعة النظام الذي يحل محل النظام السابق، وهي قضية برزت بقوة منذ الخلاف الذي نشأ في أعقاب الاستفتاء الذي أجري في 19 مارس الماضي، حول تعديل بعض مواد دستور 1971 وانتهي بإلغاء هذا الدستور وإصدار إعلان دستوري تضمن المواد التي تمت الموافقة عليها في الاستفتاء ليبدأ التباين في وجهات النظر بين الذين رفعوا شعار الدستور أولاً، وطالبوا بأن يسبق وضع الدستور إجراء الانتخابات النيابية، وبين الذين تمسكوا بالنصوص التي وافق عليها الشعب في الاستفتاء، بأن تجري الانتخابات أولاً لتتولي لجنة المائة التي يختارها نواب الشعب وضع الدستور بعد ذلك، وسرعان ما كشفت التداعيات عن اصطفاف الأغلبية العظمي من تجمعات وتنظيمات تيار الإسلام السياسي، وراء شعار الانتخابات أولاً، ولم يكن ذلك بعيداً عن تقدير هؤلاء وغيرهم بأن هذه التيارات تنطلق من اعتقاد

جازم بأن فرصة فوزها بالأغلبية كبيرة في الانتخابات البرلمانية التي حدد الإعلان الدستوري موعدها قبيل نهاية سبتمبر القادم، وبالتالي سوف تتحكم في اختيار لجنة المائة التي تضع الدستور!

كما كشفت هذه التداعيات عن أن الكتلة العظمي من التيارات الليبرالية واليسارية تنطلق من مخاوف مشروعة من أن يؤدي فوز التيارات الدينية بالأغلبية إلي تحكمها في وضع الدستور بما يؤدي إلي إقامة النظام السياسي البديل للنظام السابق علي أسس تبتعد عن مدنية الدولة وتصوغ دستوراً لدولة دينية، لا تقل استبداداً عن الدولة المدنية التي كانت قائمة في ظل النظام السابق ومن هنا اصطفوا وراء شعار الدستور أولاً.

وفي البحث عن حل لهذه المشكلة نشأت فكرة استبعاد الشعارين معاً والتوصل إلي حل وسط يقضي بالاتفاق بين كل الأطراف علي وضع ما يسمي بـ «المبادئ الحاكمة للدستور» ووضع قواعد لاختيار أعضاء اللجنة التي ستضع مسودته بحيث لا يقتصر علي التيارات التي تفوز بالأغلبية في الانتخابات وإنما تمثل كل أطياف الأمة وتياراتها الفكرية وطوائفها المختلفة وبالاتفاق علي وضع هذه المبادئ الحاكمة، بحيث تمثل توافقاً وطنياً وتشكيل لجنة تمثل هذا التوافق حتي تتوصل الجماعة الوطنية المصرية إلي حد أدني مشترك للأسس التي يقوم عليها نظام ديمقراطي بديل للنظام الذي سقط.

وكانت تلك هي الفكرة التي نوقشت علي نطاق واسع في جلسات حوار الوفاق القومي بين قوي سياسية مختلفة تحمست لتقديم مقترحاتها بشأن المبادئ الحاكمة للدستور ودعت للحوار حولها، بينما تحفظت التيارات الحاكمة علي الفكرة منذ بداية طرحها وتمسكت بموقفها الذي يعتبر أي تفكير من هذا النوع هو خروجاً علي إرادة الشعب، التي تجلت في نتيجة

استفتاء 19 مارس ويطالب بالانتقال فوراً إلي إجراء الانتخابات وبعدم التدخل بأي صفة في حق البرلمان المنتخب في وضع الدستور.

وما كاد المجلس الأعلي للقوات المسلحة يعلن في بيانه رقم 69 عن موافقته علي تشكيل لجنة لوضع المبادئ الحاكمة للدستور والأسس التي تشكل استناداً إليها لجنة المائة، ليجري تضمينها في إعلان دستوري إضافي، حتي أعلنت التيارات الإسلامية رفضها لذلك وبدأت الدعوة لمليونية 29 يوليو باعتبارها مليونية تطبيق الشريعة ثم الهوية ثم إرادة الشعب، وعلي الرغم من اتفاق الأطراف المختلفة عشية الموعد المحدد لهذه المليونية، علي استبعاد كل الشعارات المختلف حولها، لتكون موضع مناقشات تالية، بعيداً عن إقحام الجماهير فيها فإن التيارات والتنظيمات والتجمعات الدينية خرجت علي هذا الاتفاق واتخذت من المليونية أداة لحشد الجماهير لترفض فكرة المبادئ الحاكمة للدستور وتصور هذه الفكرة باعتبارها خروجاً علي الشريعة الإسلامية وتصور المختلفين في الرأي كما لو كانوا من المعادين للإسلام، وتستغل الدين في قضية هي في جوهرها قضية سياسية.

وما حدث في مليونية لم الشمل تحولت إلي مليونية تمزيق الشمل، كما كشف عن أن هذه التيارات لم تقرأ المشروعات المختلفة التي قدمتها القوي السياسية الأخري وحتي الذين قرأوها من المنتمين إليها، لم يجدوا فيها ما يؤيد زعمهم بأن الذين يطالبون بالاتفاق حول مبادئ حاكمة ينطلقون من الرغبة في التوصل إلي حد أدني من الوفاق الوطني حول طبيعة النظام السياسي البديل، كما يكشف عن استغنائهم عن كل من يختلف معهم في الرأي أو الدين أو المذهب من أبناء الوطن.

ولو أنهم قرأوا هذه المشروعات لاكتشفوا أن معظمها يركز علي الحفاظ علي الطابع الديمقراطي للدولة وعلي مبدأ تداول السلطة، وعلي حماية الحريات العامة للمصريين جميعاً، بما في ذلك حرية العبادة وحرية العقيدة، ويسعي إلي تحصين مواد الدستور الأساسية بما لا يسمح لأي اتجاه سياسي بأن يستغل الديمقراطية لكي يصل إلي السلطة، ثم يعدل الدستور بما يكفل له البقاء وحده في سدة الحكم ومصادرة حرية الآخرين وحقوقهم، ليقيم حكماً استبدادياً يتستر وراء الدين، ليعيد إنتاج الدولة الاستبدادية، علي نحو أسوأ مما كانت عليه في السابق.

إن المبادئ الحاكمة للدستور وضمان تمثيل اللجنة التي تضعه لكل التنوعات المصرية، هي الضمان الوحيد للتوصل إلي حد أدني من التوافق الوطني، يضمن لنا أن نحقق أهداف ثورة 25 يناير التي انتفض فيها المصريون لكي يقيموا نظاماً ديمقراطياً وليس دينياً.