رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المــجد للشــعــب التـونـــسى

امينة النقاش

الجمعة, 26 ديسمبر 2014 20:48
بقلم - أمينة النقاش:

تعلم التونسيون الدرس جيدا من أخطاء التجربة المصرية، التى حملت على الأكتاف بعد ثورة 25 يناير، جماعة الإخوان إلى سدة الحكم،فلم يشغلوا أنفسهم كثيرا بإضاعة الوقت فى مقارنات عبثية ، يشيع فيها خلط متعمد للاوراق ،وطرح للأسئلة الملتبسة التى تثير الشكوك ، وتعمق الانقسام، ويكسب منها دائما أعداء الحرية والتطور الديمقراطى السلمى. ففى الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التى جرت فى أكتوبر الماضى، وحصل فيها «الباجى قايد السبسى» على 39.46% من أصوات الناخبين ، وحصل منافسه «المنصف المرزوقى» على 33.43%،أدرك التونسيون محورية دورهم ، فى الجولة الثانية من هذه الانتخابات ،لإعادة بلادهم  إلى مسار الدولة الوطنية  العلمانية الحديثة التى أسسها الحبيب بورقيبة وقادة الاستقلال ،و يمثلها فى هذه الانتخابات «القايد السبسى» فى مواجهة مرشح حزب النهضة وتيار الإسلام السياسى «المنصف المرزوقى».

تخلى التونسيون عن تصويتهم العقابى، وعن الثقة المفرطة غير المشروطة بالمرشحين ،التى انتهت بحصول حزب النهضة الإخوانى على غالبية مقاعد المجلس الوطنى التأسيسى-البرلمان - التى، جرت انتخاباته أواخر أكتوبر عام 2011ليسيطر منذ ذلك الحين على الساحة السياسية، ويحكم منفرداً على امتداد نحو ثلاث سنوات ،ويفشل فى إدارة شئون البلاد ، ويفاقم من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وتوجه إليه التهم باغتيال المعارضين  اليساريين «شكرى بالعيد» و«محمد البراهمى»، وهدم مؤسسات الدولة بالسعى لاخونتها، وتشجيع الشباب التونسى على الهجرة للقتال مع «داعش» ومع الجهاديين السوريين، والسماح للحركات الدينية المتشددة بحمل السلاح والتمدد فى انحاء المدن التونسية، والسعى بالقوة لتغيير الهوية التونسية الحداثية، بزعم تعارضها مع تعاليم الإسلام.
لعبت صحوة الشعب التونسى ووعى قواه الديمقراطية الحية ،عبر الاحتجاجات السلمية، والكتابات النقدية، ومنتديات الحوار الفكرية ، دوراً مهماً ، فى دفع حزب النهضة إلى عدم فرض أيديولوجيته  الدينية على الدستورالذى صدر فى يناير من العام الجارى، فلم يصر الحزب على أن يتضمن الدستور بنداً ينص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع،ولم يدخل معارك من أجل ذلك، كما استجاب للحركات النسوية المطالبة بعدم إلغاء المكتسبات التى حصلت عليها النساء فى عهد بورقيبة وفى القلب منها «مجلة الأحوال الشخصية» وهو القانون الصادر عام 1956،

ويمنع تعدد الزوجات ،وإكراه الفتاة على الزواج، ويقر بمبدأ المساواة الكاملة بين الزوجين فى اجراءات الطلاق وأسبابه وآثاره، ويجعل الطلاق أمام المحكمة ،وبهذا صوت الشعب التونسي على دستور توافقى، يحترم  التعددية السياسية ،ومبدأ تداول السلطة، ويصون حريات الاعتقاد  والرأى والضمير، ويفصل بين السلطات،ويوزع صلاحياتها ، لمنع احتكارها ومنع تغول سلطة منها.
على الأخرى.
وبجانب ذلك ، استفاد حزب النهضة من سقوط حكم  جماعة الإخوان  فى مصر سقوطاً مدوياً، فغير سياساته،وعدل تكتيكاته، فى التعامل مع الواقع السياسى القائم بطريقة أكثر مرونة، تستجيب لطموح التونسيين فى أن أوضاع بلادهم بعد ثورتهم الرائدة والملهمة لبقية ثورات الربيع العربى،لن تستقيم سوى ببناء نظام يقوم على حكم شراكة وطنية،وتبعث للخارج فى نفس الوقت رسالة تقول إن النهضة هو حزب يمتلك أفكارا متحررة نسبيا عن التزمت الذى تميزت به جماعة الإخوان ، وأنه أكثر اعتدالا منها فى القبول بالشروط الديمقراطية، التى لا تقتصر  على صندوق الاقتراع ، وفى هذا السياق  قبل الحزب  بعد فشل تجربة الترويكا العام الماضى بتشكيل حكومة غير حزبية  لا يكون مهيمناً عليها واقعياً، وإن كان يسعى للهيمنة من خلف واجهات غير إخوانية، مثل حزب المنصف المرزوقى  المؤتمر من أجل الجمهورية ،وعدد من حلفائهم من اليساريين المتشددين.
وفى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التى جرت الأحد الماضى، لم تتوقف الجماهير التونسية أمام شعارات مربكة، ومغرضة، كالمطالبة بالعزل السياسى، والمقارنة العمرية بين المتنافسين لصالح الصغير منهما-السبسى 88 عاما ،والمرزوقى 69عاما-دون النظر لمواقف كل منهما السياسية. فإذا كان «السبسى» يوصف من قبل خصومه بأنه من فلول عهدى بورقيبة وبن على، فلا أحد يستطيع أن ينكر انه وريث ميراث بورقيبة الحداثى، وحامل رايته، وأحد المشاركين فى صناعته،بينما فقد المرزوقى ثقة المواطنين بانتهازيته وتخليه عن تاريخه الحقوقى فى مجال الدفاع عن الحريات، وذيليته لحركة النهضة، وتبنيه
لخطابها السياسى سعيا للحصول على دعمها ليبقى فى موقعه رئيساً للجمهورية، برغم فشله الذريع فى ادارته طوال الفترة الماضية.
أدرك الشعب التونسى وهو يذهب إلى صندوق الاقتراع، أن الاختيار ،ليس بين الفلول وغيرهم ممن يزعمون الانتماء للثورة ، ولا هو بين الشباب والشيوخ ، بل هو اختيار بين الدولة المدنية العلمانية الحديثة،التى أرسى بورقيبة قواعدها، وبين الدولة الثيوقراطية المعصومة من النقد والخطأ، لزعمها أنها ظل الله على الأرض والتى يسعى حزب النهضة إلى تشييدها، فحسم الشعب أمره وصوت للسبسى زعيم حركة  «نداء تونس» كى يفوز بمنصب رئس الجمهورية لمدة خمس سنوات ،على منافسه المنصف المرزوقى الرئيس المنتهية ولايته، بفارق بينهما يصل إلى نحو عشرة فى المائة من أصوات المقترعين .وكان المرزوقى قد  استشرف هزيمته منذ الجولة الأولى ،فقرر الطعن على نتيجتها أمام القضاء ، سعيا لإعادتها أو تأجليها ، لكن القضاء التونسى رفض طعنه، لتفشل خطته هو وحلفائه فى حزب النهضة لعرقلة هذا الاستحقاق الدستورى، بإضاعة الوقت، ظناً منهم  فى قدرتهم على تعديل اتجاهات التصويت لصالحه ،والمراهنة على تململ أنصار خصمه من المصوتين إذا ما نجح مخطط إطالة فترة المعركة الانتخابية!
ولأن الشعب التونسى أكثر وعياً مما يظن خصومه، وأكثر فهماً للآثار الناجمة عن استيلاء تيار الإسلام السياسى على السلطة فى دول الجوار ، حيث فشلت تجاربه فى السودان وغزة ومصر وليبيا، ليس هذا فحسب بل جلبت هذه التجارب لأطرافها ولبلدانها، كثيرا من الكوارث، فجاء تصويته لصالح السبسى، دعما لتراث الحداثة البورقيبية، وتمسكا بالقيم الديمقراطية طريقاً وحيداً للتغير، وفضحا لازدواجية خطاب حزب النهضة  ومرواغته، الذى أعلن الحياد بين المرشحين فى الجولة الأولى، فى الوقت الذى كان يدعم المرزوقى ويصوت له، وأصدر بيانا فى الجولة الثانية دعا اعضاءه وأنصاره للتصويت لمن يرونه الأصلح للرئاسة ، فى نفس الوقت الذى يحطم فيه هؤلاء الأعضاء والأنصار مقار حركة «نداء تونس» ويحرقونها ويعتدون على حراسها من رجال الأمن، فى المناطق الجنوبية التى حصل فيها المرزوقى على نسب مرتفعة من التصويت.
يوم الثلاثاء القادم يسلم المرزوقى السلطة للرئيس المنتخب «السبسى» الذى أعلن عقب فوزه أن «المسار لايزال مهددا من قبل من حاولوا تهديد أمن تونس و لم يفلحوا «داعياً لليقظة ورص الصفوف والاستعداد للعمل وقطع الطريق أمام كافة هذه المحاولات» متعهدا بأن حركة نداء تونس لن تحكم وحدها، ومؤكدا سعيه لتشكيل توافق عريض لإرجاع هيبة الدولة. وهذه معركة فيما يبدو طويلة الأمد، وتحتاج إلى جهد كبير  لضمان الحفاظ على مدنية الدولة،وإلى مساندة شعبية واسعة، بعد أن غدا حزب النهضة فى صفوف المعارضة،ويصبح الاصطفاف الوطنى هو وحده القادر على منعه من لعب دور الثلث المعطل لسيناريوهات المستقبل.


 

ا