كـم من الجرائم ترتكب بـاسم الشريعة

امينة النقاش

السبت, 25 ديسمبر 2010 07:57
بقلم: أمينة النقاش

بعد أن بات انفصال الجنوب على مرمى أيام من الآن،‮ ‬جدد الرئيس السودانى عمر حسن البشير الحديث عن واحدة من القضايا التى أفضت إلى الإسراع بحدوثه،‮ ‬وتعهد وسط جمع من أنصاره بتطبيق الشريعة الإسلامية،‮ ‬وبإلغاء التعدد العرقى والثقافى فى شمال البلاد،‮ ‬وبتعديل الدستور،‮ ‬ليصبح الإسلام هو المصدر الرئيسى للتشريع،‮ ‬ولتصبح العربية لغة الدولة الرسمية،‮ ‬وسخر البشير من الذين روعهم مشهد الفتاة السودانية الى‮ ‬يتم جلدها علنا على قارعة الطريق بواسطة رجال الامن لأنها ترتدى زيا‮ ‬غير مناسب،‮ ‬ونصح من قالوا إنهم خجلوا من هذا المشهد"ان‮ ‬يغتسلوا ويصلوا ركعتين ويعودوا للإسلام"مؤكداً‮ ‬أن الحدود فى الشريعة تأمر بالجلد والقطع والقتل،‮ ‬ولن نجامل فى حدود الله والشريعة الإسلامية‮" ‬ولم‮ ‬يكن‮ ‬ينقص البشير سوى أن‮ ‬ينصب نفسه أميرا للمؤمنين.

‬كما فعل سلفه الرئيس‮ "‬جعفر نميرى"حين اصدر فى عام‮ ‬1983‮ ‬قوانين سبتمبر التى ألصقها زورا بالشريعة،‮ ‬ولاحق بها معارضيه قطعا وقتلا ورجما وحبسا واعتقالا،‮ ‬بعد أن نصب نفسه بمساعدة الدكتور حسن الترابى نائبه العام ووزير عدله،‮ ‬أميرا للمؤمنين،‮ ‬وهى نفسها القوانين التى مازالت سائدة،‮ ‬ويجرى العمل بموجبها حتى اليوم‮. ‬يأتى هذا الخطاب الدينى المتشدد فى وقت‮ ‬ينشطر فيه السودان الى شطرين‮ ‬،ويتهدده مخاطر مماثلة فى الغرب والشرق الوسط،‮ ‬وبتجاهل تام للطبيعة السكانية للشمال التى‮ ‬يختلط فيها العرب بالافارقة والمسلمين بالمسيحيين،‮ ‬وتتنوع فيه المجموعات الثقافية،‮ ‬وتتعدد اللغات والقبائل التى تبلغ‮ ‬فى السودان نحو‮ ‬207‮ ‬لغات،‮ ‬و583‮ ‬قبيلة‮. ‬والاستقواء بالدين‮ ‬والشريعة على المعارضة هو جزء من قاموس الاستبداد السياسي‮ ‬فى السودان وفى خارجه،‮ ‬ولعل قضية المفكر الإسلامى الجسور الشيخ محمود محمد طه‮ (‬1909‮ -‬1985‮) ‬مؤسس الفكر والحزب الجمهورى فى السودان خير شاهد على ذلك.ففى عام‮ ‬1982‮ ‬أصدرت الحركة الجمهورية بقيادته،‮ ‬كتابا عن الهوس الدينى تضمن نقدا لممارسات الحركة الإسلامية فى السودان،‮ ‬التى كانت قد بدأت تحالفها بزعامة حسن الترابى مع نظام النميرى،‮ ‬فتم اعتقال الشيخ طه هو وعدد من انصاره من الرجال والنساء،‮ ‬وحين

صدرت قوانين سبتمبر،‮ ‬المعروفة بقوانين الشريعة الإسلامية،‮ ‬عارضها الشيخ فى سجنه،‮ ‬وأصدر الجمهوريون بعد خروجه من السجن،‮ ‬فى‮ ‬25‮ ‬ديسمبر عام‮ ‬1984‮ ‬بيانهم الشهير فى نقد تلك القوانين وتفنيد أهدافها الحقيقية،‮ ‬وكشفها للشعب السودانى الذى قال عنه الشيخ طه‮ ‬إنه"لا تنقصه الاصالة،‮ ‬وإنما تنقصه المعلومات الوافية‮.. ‬التى تضافرت شتى العوامل لتحجبها عنه‮".‬

أما الشيخ طه فقرر أن‮ ‬يكشف الحقائق للناس فقد خرج أنصاره من الجمهوريين إلى الشوارع والتجمعات الجماهرية‮ ‬يوزعون بيانهم‮ "‬هذا أو الطوفان‮" ‬الذى اكتسب شهرة واسعة لأنه هو البيان،‮ ‬الذى بموجبه تم اعتقال الشيخ ومحاكمته وإعدامه‮.‬

يحمل البيان الذى صاغه الشيخ طه فى الأغلب الأعم نماذج من طريقة تفكير الجمهوريين،‮ ‬فهو‮ ‬يبدأ بقوله‮ "‬غايتان شريفتان وقفنا نحن الجمهوريين حياتنا حرصا عليهما،‮ ‬وصونا لهما،‮ ‬وهما الإسلام والسودان،‮ ‬فقدمنا الإسلام فى المستوى العلمى الذى‮ ‬يظفر بحل مشكلات الحياة المعاصرة‮" ‬وحين‮ ‬يتعرض لقوانين سبتمبر فهو‮ ‬يؤكد انها شوهت‮ "‬الإسلام فى نظر الأذكياء من شعبنا وفى نظر العالم،‮ ‬وأساءت إلى سمعة البلاد فهذه القوانين مخالفة للشريعة ومخالفة للدين،‮ ‬ومن ذلك أنها أباحت قطع‮ ‬يد السارق من المال العام،‮ ‬مع أنه فى الشريعة‮ ‬يعزر ولا‮ ‬يحد لقيام شبهة مشاركته فى هذا المال‮" ‬أن هذه القوانين‮ "‬قد أذلت هذا الشعب وأهانته‮.. ‬ثم إن تشاريع الحدود والقصاص،‮ ‬لا تقوم إلا على أرضية من التربية الفردية ومن العدالة الاجتماعية،‮ ‬وهى أرضية‮ ‬غير محققة اليوم‮ "‬وامسك البيان بالخطر الذى أشاعته تلك القوانين،‮ ‬حين أكد أنها‮ "‬قد هددت وحدة البلاد،‮ ‬وقسمت هذا الشعب فى الشمال والجنوب،‮ ‬وذلك بما أثارته من حساسية دينية كانت من العوامل الأساسية التى أدت إلى تفاقم مشكلة الجنوب‮.. ‬إن من خطل الرأى أن‮ ‬يزعم

أحد أن المسيحى لا‮ ‬يضار بتطبيق الشريعة‮.. ‬إن للمواطنين فى الجنوب حقا فى بلادهم لا تكفله لهم الشريعة،‮ ‬إنما‮ ‬يكفله لهم الإسلام‮" ‬وبعد أن طالب البيان بإلغاء قوانين سبتمبر،‮ ‬واللجوء إلى الحل السلمى والسياسي‮ ‬بدلا من العسكرى لحقن الدماء فى الجنوب"أكد البيان أن الوقت هو وقت السنة‮ (‬أصول القرآن‮)‬،‮ ‬لا الشريعة‮ (‬فروع القرآن‮) ‬منبها أن"الهوس الدينى،‮ ‬والتفكير الدينى المتخلف لايورثان هذا الشعب إلا الفتنة الدينية والحرب الأهلية‮".‬

وبسبب هذ البيان اتهم الشيخ محمود محمد طه بالكفر والزندقة والارتداد عن الإسلام،‮ ‬وفى السابع من‮ ‬يناير عام‮ ‬1985‮ ‬وقف الشيخ طه أمام هيئة المكمة التى تم تلفيقها لمحاكمته ليعلن رفضه لتلك المحكمة،لان‮ "‬القضاة الذين‮ ‬يتولون المحاكمة‮ ‬غيرمؤهلين فنيا وضعفوا اخلاقيا عن ان‮ ‬يمتنعوا ان‮ ‬يضعوا انفسهم،‮ ‬تحت سيطرة السلطة التنفيذية،‮ ‬تستعملهم لإضاعة الحقوق،‮ ‬وإذلال الشعب،وتشويه الإسلام،‮ ‬وإهانة الفكر والمفكرين والمعارضين السياسيين"ورفض الشيخ طه التعاون مع المحكمة التى تنكرت لحرمة القضاء المستقل،‮ ‬ونكلت بالمعارضين السياسيين،‮ ‬ولأجل هذا لم‮ ‬يكن‮ ‬غريبا ان تصدر حكما بإعدامه،حيث تم تنفيذ الحكم فى‮ ‬18‮ ‬يناير،‮ ‬بعد نحو عشرة أيام من المحاكمة التى وصفتها هيئات حقوقية دولية بالمهزلة‮!‬

بعد ذلك بسنوات أدلى نميرى بحديث صحفى قال فيه بالحرف الواحد‮: ‬ندم العالم كله لن‮ ‬يكفينى حين أذكر محمود محمد طه،‮ ‬ذلك الرجل الشيخ أسير آرائه العجيبة،‮ ‬لم أكن أريد قتله،‮ ‬الترابى قال لى إن محمود طه‮ ‬يريد أن‮ ‬يكون حلفا مع اليسار ضدى،‮ ‬وقال لى إن الجمهوريين قوة لايستهان بها،‮ ‬إذا اجتمع هو واليسار،‮ ‬فإنى لا محالة هالك،‮ ‬فجاء قرار إعدامه حمله لى الترابى،‮ ‬وطلب توقيعى عليه،‮ ‬وقتها كان الأمر جد خطير فى الداخل والخارج،‮ ‬وحاول الجميع اثناء محمود محمد طه عن آرائه،‮ ‬تركت القرار دون توقيع لمدة‮ ‬يومين،‮ ‬فى صباح اليوم الثالث ذهبت إليه بالملابس المدنية،‮ ‬وقلت له‮ ‬يحزننى أن تموت،‮ ‬فقط تنازل عن آرائك ولكن تحدث معى بطريقة ظننتها صلفا وقتها،‮ ‬ولكن الآن عرفت أنها كبرياء،‮ ‬وقال لى تنازل انت عن آرائك،‮ ‬أما أنا فاعلم أنى سأقتل،‮ ‬وإذا لم أقتل فى محاكمة علانية،‮ ‬سيقتلنى الاخوان المسلمون سرا‮!‬

أعدم الشيخ طه،‮ ‬بعد أن ألبس الإسلاميون فى السودان لمعارضته للنظام ثوب الشريعة،‮ ‬ليكون هو المفكر العربى الوحيد فى الدولة العربية المعاصرة الذى‮ ‬يتم اعدامه بسب أفكاره ورؤيته الدينية المستنيرة،‮ ‬واجتهاده الخلاق،‮ ‬وها هو السودان‮ ‬يتشظى وينقسم،‮ ‬ويزداد فقرا رغم ثرائه النفطى،‮ ‬بينما قيادته تبشر بتطبيق ما تزعم أنه الشريعة،‮ ‬لتبدأ فى التوالى أنباء التنكيل بالمعارضين‮!‬