رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هل انتـهـى دور مـصر الـمركزى؟

امينة النقاش

الجمعة, 08 أغسطس 2014 22:20
بقلم - أمينة النقاش:

أثناء الحرب الوحشية الإسرائيلية على غزة، عادت مرة أخرى للظهور نغمة أن دور مصر المركزى فى المنطقة قد انتهى، وأنها لم تعد مؤثرة فى السياسة الإقليمية، وأن هناك مراكز قوى أخرى قد نشأت فى المنطقة، وأنها ارتضت لنفسها، منذ أكثر من أربعين عاما دور الوسيط فى الصراع الفلسطينى-الإسرائيلى، وأن العروبة والقومية العربية ليستا صالحتين لدفعها للتخلى عن هذا الدور، كما كان الحال أيام «عبد الناصر»، ووفقا لمن لا يكفون عن ترديد هذه النغمة، فإن مصر تبرر هذه السياسة «بتضخيم رقم ضحاياها فى الحروب السابقة مع الدولة العبرية»، و«بما تسميه –هكذا يقولون– الإرهاب فى سيناء»!

وبصرف النظر عن أن بعض من يقولون ذلك، يعرفون بعدائهم الشديد للعروبة والقومية العربية ولمجمل التيارات السياسية المعبرة عنهما، وبصرف النظر عن حالة الإنكار لوصف ما يجرى فى سيناء بأنه إرهاب، يكاد مثله أن يفتك بعدد من الدول العربية الأخرى، وبصرف النظر عن إنكار الحقائق التى تجلت بمعرفة حماس بالمبادرة المصرية قبل إعلانها، فإن من يروجون لذلك يتجاهلون عن عمد الحقائق التاريخية التى حدثت فى المنطقة منذ عام 1990، وحتى قبل ذلك منذ وفاة الزعيم «عبد الناصر»، ففى عهده، بدأ دور مصر المركزى، فى مرحلة التحرر الوطنى، ومواجهة الاستعمار وسياسة الأحلاف الأجنبية، فى الخمسينات والستينات. وفى هذا الزمان تمكنت مصر من تحرير أراضيها من الاحتلال الأجنبى، ورفضت الأحلاف، وأممت ثروتها الوطنية، كما حدث فى قناة السويس، ودعمت حركات التحرر الوطنى فى الوطن العربى وفى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وخلق ذلك قلبا مقاوما، كانت تتزعمه مصر، وعدد من الدول العربية، ولم يكن هذا الدور المصرى المركزى مسلما به، من جميع الأطراف العربية، إذ كان هناك دول محافظة تحالفت مع الولايات المتحدة الأمريكية، المعادية أصلا لمعسكر التحرر الوطنى، وقبلت بفكرة الدخول فى أحلاف، وبالقواعد الأجنبية، ومع ذلك كان الدور المصرى كاسحاً، بحكم أن الشعوب العربية تسانده، بمن فى ذلك شعوب الدول المحافظة التى كانت تعترض على سياسات بلادها!
وربما تشكل زيارة الرئيس «السادات» للقدس واحدة من الخطوات البارزة التى أدت إلى تراجع الدور المصرى، إذ انطوت على تغيير كيفى فى قضية تحرير فلسطين، لكن الضربة القاصمة التى فتتت معسكر التحرر العربى، وقضت ربما عليه،

كانت هى مغامرة احتلال العراق للكويت فى العام 1990، التى مر فى الأسبوع الماضى 24 عاما على بدئها فى الثانى من أغسطس، وقد أدت إلى تدمير نظرية الأمن القومى العربى المشترك، التى كانت تقوم على قاعدة أن تتضامن الدول العربية، فى الدفاع عن أمن بعضها البعض، وتتساند ضد العدو الخارجى، لتحل محلها قاعدة أن يدافع كل قطر على حدة عن أمنه ومصالحه، وهى الفترة التى ارتفع فيها شعار الكويت أولا والأردن أولا ومصر أولاً... إلخ وبسبب خطأ القيادة الفلسطينية فى ذلك الوقت، التى راهنت على انتصار «صدام حسين» فى هذه الحرب، لم تعد القضية الفلسطينية منذاك هى قضية العرب المركزية كما كانت، وربما لم تعد هناك أى قضية مركزية للعرب على وجه الإطلاق!
وساعد على هذا التفتت والانقسام صعود جماهيرية تيار الإسلام السياسى، مع انتصار الثورة الإيرانية، وهو تيار يطرح رؤية مناقضة للرؤية القومية، تقوم على فكرة الأممية الإسلامية.
وساهمت سياسة الانفتاح الاقتصادى بالأسلوب العشوائى الذى مورست به، فى تراجع دور الدولة فى بناء الاقتصاد الوطنى والتنمية المستدامة، وإلى الاعتماد على المعونات الخارجية، وتصدير العمالة، مما أدى إلى نشوء طبقة طفيلية تربح من التجارة والسمسرة والمضاربة والاحتكار وليس من الإنتاج، وتتجه بمشاعرها إلى الرؤى الغربية بشكل عام، والاندماج فى السوق العالمى.
ونتيجة كل ذلك، أخذت الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها تعانى من آثار هذا التفتت ومن أخطاء متتالية وقعت فيها قيادتها حتى قبل العام 1990 بدأت بالممارسات التى أدت إلى طردها من الأردن عام 69 ومن لبنان عام 82، ثم بالخلاف الذى أسفر عن توقيع اتفاق أوسلو عام 1994، ثم كانت الضربة القاصمة هى الانقسام الفلسطينى نتيجة استيلاء حركة حماس بمشروعها الإخوانى، على السلطة فى غزة، وانقلابها على السلطة الوطنية الفلسطينية عام 2006، وهو ما أدى بدوره إلى تراجع تأثير القضية الفلسطينية على الجماهير العربية- وليس على مشاعر التعاطف الجماهيرية الغلابة مع آلام الشعب الفلسطينى
– بحكم انشغال أصحابها بالصراع مع بعضهم البعض، وانحسار المشروع الوطنى الفلسطينى المشترك، فى الوقت الذى كانت مصر لاتزال تعانى من الآثار الاقتصادية المؤلمة التى ترتبت على الحروب الثلاث التى خاضتها مع العدو الإسرائيلى، فضلا عن التأثير الضار على مشاعر المصريين الذى أحدثته مغامرة كسر الحدود، وانتشار أهالى غزة فى صحراء سيناء عام 2008.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإن الدور المركزى المصرى ظل قائما وأساسيا، فى المحاولات التى بذلت للاحتفاظ بالتضامن العربى مع القضية الفلسطينية فى حده الأدنى، وفى الجهود التى بذلتها مصر من أجل تحقيق مصالحة وطنية بين الفصائل الفلسطينية المتعددة، وحرصها على استقلال الحركة الوطنية الفلسطينية، فمصر كانت هى البلد العربى الوحيد الذى لم يحاول أن ينشئ فصيلاً خاصاً به، يخدم سياساته، داخل حركة المقاومة الفلسطينية، وتدخلت دائما لتوحيد صفوف هذه الحركة، انطلاقا من إيمانها بأن الوحدة الفلسطينية، هى أساس تحقيق أى مكاسب سياسية أو عسكرية، فى ظل الظروف الإقليمية القائمة، والموازنات الدولية التى دفعت الدول الغربية الكبرى إلى منح إسرائيل ضمانات تحفظ أمنها وتفوقها العسكرى على كل دول المنطقة وتجاهلت فى كل الأوقات حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة، بعد أن تبنت معظمها الرؤية الإسرائيلية لحل هذا الصراع. كل ما تلام عليه السياسة المصرية أنها الآن وبعد ثورتين أسقطنا نظامين كرسا للاستبداد المدنى والدينى، لم تعد تترك قرارها نهبا لما يفرض عليها من العواطف والمشاعر الحماسية حتى بفرض أنها صادقة، فما بالك لو كانت قادمة من جوقة غوغائية، تتلبسها مشاعر منافسة بغيضة، وتعتمد بطولات شكلية فارغة، تصدرها من «فوهات» الفنادق العالمية الكبرى، ومن المقاهى ومن وسائل إعلامية مشكوك فى حيادها، فضلاً عن ارتباطها بشبكات مصالح مالية غير بعيدة عن التنظيم الدولى للإخوان، بل تخضع فقط لما تستطيعه وفق امكانياتها، وطبقا لما يفرزه الواقع الإقليمى والدولى والعربى من حولها من حقائق.
ولقد أثبتت التطورات أن رؤية مصر منذ بداية العدوان الإسرائيلى على غزة، هى الرؤية الصحيحة، وكانت تنطلق من أن المواجهة العسكرية مع إسرائيل فى ظل الظروف الراهنة، لن تسفر إلا عن مزيد من الخسائر والضحايا، ولن تؤدى سوى إلى ما انتهت إليه بالفعل من دمار كامل للقطاع، ولو كانت حماس لم تخضع لعوامل التحريض الإقليمى، ولمصالحها الحزبية الضيقة، لجنبت الشعب الفلسطينى فى غزة كثيرا من الآلام، خاصة أن مكاسبها السياسية فى ظل توازنات القوى الراهنة منعدمة تماما. ولو أن الذين انخرطوا بعنجهية فارغة، فى تشويه الدوافع الحقيقية للموقف المصرى، بخلط الأوراق، وتجاهل الحقائق عن القواعد السياسية لإدارة أى صراع بحساب المكسب والخسارة، ولاذوا فقط بالصمت، لربما ما تمادت حماس فى اندفاعها، ومواصلة أخطائها، ومع ذلك يبقى الدور المصريا مركزيا فى نجدة أهالى غزة وإغاثتهم ومدهم بما يساعدهم على مواصلة الحياة، حتى لو لم يصمت المتخرصون!!
 

ا