عام عودة الوعى

امينة النقاش

الجمعة, 03 يناير 2014 23:20
بقلم - أمينة النقاش:

تناقضت التقييمات، فى إطار الاحتفالات بوداع العام المنقضى، واستقبال العام الجديد، حول ما إذا كان العام الماضى ظاهرة سلبية فى حياة المصريين تستدعى اللعنة، أم كان فى مجمله ظاهرة إيجابية تمهد الأرض للبناء على ماحققه المصريون من إنجازات، وما حملوه من آمال؟

الذين يرون أن عام 2013 كان عاما سلبيا يشيرون إلى تصاعد مظاهر عدم الاستقرار، وإلى عودة الإرهاب، وإلى الانقسام الوطنى، وهدم الأبنية التى كان تم التوصل إليها بعد ثورة 25 يناير، ويذهبون إلى القول إنه عام ازدات فيه نسبة البطالة، وشاعت فيه الفوضى، وارتفعت فيه الأسعار، وهبط الاحتياطى النقدى إلى ما يقرب من الصفر، وتعقدت فيه علاقات مصر الدولية.. الخ
هذا وغيره ربما، كلام لا يخلو من صحة، ولكنه لا ينطبق سوى  على النصف الأول من العام بدرجة كبيرة. ففى خلال هذه الفترة اكتشف المصريون أن التضحيات التى بذلولها فى هدم النظام الأسبق، أسفرت عن استبداله باستبداد أسوأ منه. وكانت الإشارة  الأولى لذلك الاعلان الدستورى الذى أصدره الرئيس السابق «محمد مرسى» فى 21 نوفمبر 2012، ومنح لنفسه به سلطات واسعة، وأشكال الصدمات التى شهدتها هذه المرحلة، وشملت حملات منظمة  للصدام مع القضاة والإعلاميين والمثقفين، وانسحاب كل القوى، والاتجاهات غير المنتمية إلى فصائل  جماعات الإسلام السياسى من لجنة الدستور، وعجز  إدارة الرئيس السابق «محمد مرسى» عن إقامة حكم شراكة وطنية حقيقية، وبروز سعى جماعة الإخوان وحلفائها، للهيمنة على مفاصل الدولة، وبالذات المؤسسات الرئيسية للدولة المصرية، وهى القضاء والشرطة والقوات المسلحة، وهو ما ترتب عليه إقامة حكومة ضعيفة، وخالية من الكفاءات مالبثت أن أثارت طريقتها فى  إدارة شئون البلاد، موجات من السخط العارم، خاصة مع بروز ظاهرة إدارة البلاد ليس من قبل رئيس الجمهورية المنتخب، أو من  مجلس الوزراء المسئول عن السلطة التنفيذية، أو حتى حزب «الحرية والعدالة» وحلفاؤه الذين كانوا يشكلون الأغلبية فى مجلسى الشعب والشورى، قبل حل الأول، وانفراد الثانى بأغلبيته التى تنتمى للتحالف الإخوانى الحاكم بسلطة التشريع، ولكن الذى يديرها هو مكتب إرشاد جماعة الإخوان، التى كانت تنشط خارج نطاق المشروعية القانونية.
ووصلت الأزمة إلى ذروتها، حين لجأ كل هؤلاء إلى  أشكال من العنف لفرض آرائهم، بحصار مدينة الإنتاج الإعلامى لتهديد الإعلاميين الذين كانوا يعارضون سياسات الحكم بجسارة واستبسال، وحصار المحكمة الدستورية العليا لكى لا تصدر أحكاماً ببطلان القانون الذى انتخب على أساسه مجلس الشورى، وبطلان القانون الذى شكلت على  أساسه الجمعية التأسيسية لوضع دستور 2012.
ورغم هذه المتاعب كلها، فقد كان النصف الأول من العام الماضى هو الذى مهد لبروز  حركة مقاومة بين صفوف القوى السياسية، وصفوف الجماهير ترفض الهيمنة والأخونة، وترفض إعادة إنتاج الاستبداد الذى قوضت أركانه ثورة 25 يناير، وتطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وكانت تلك هى البداية التى كشفت عن أن الشعب المصرى، على الرغم من حالة التصحر السياسى التى ظل يعانى منها على امتداد عقود طويلة سابقة، لم يفقد رغبته فى إقامة نظام حكم ديمقراطى حقيقى، يقوم على التوافق، وعلى الشراكة الوطنية. وبأسرع ما توقع الجميع، أفاق

المصريون من الوهم الذى أشاعه التحالف الإخوانى، بأنه التيار الوحيد الذى لم يجرب من قبل، وبأنه الأقدرعلى إدارة شئون الدولة،لأنه طاهر وغير فاسد، واكتشفوا أن هذا التحالف الذى يضم فصائل ضيقة الأفق، منعدمة الخبرة- وفى أحيان كثيرة منعدمة الضمير – تتوهم أن الله فتح عليها بحكم مصر، وفوضها بأن تدير شئونها منفردة، دون أن تكون مؤهلة لذلك!
وبأسرع مما توقع الجميع، فقدت شعارات التجارة بالدين والتمسح فيه جاذبيتها بالنسبة للمصريين، وكانت النتيجة أن خرجوا فى 30 يونيو 2013، ضد محاولات الهيمنة والأخونة، واحتكار الصواب، واحتكار الإيمان، وضد السياسيات التى تتعامل مع مصر وتحكمها بمنطق أنها ولاية من ولايات دولة الخلافة، وليست وطنا يسكنه شعب له مصالح، وله حدود، ولديه آمال يتوجب على من يحكمه أن يسعى للحفاظ على عليها بعيدا عن أية أوهام إمبراطورية انتهى زمانها، ولم تعدمؤهلة للعودة فى مطلع القرن الحادى والعشرين.
ذلك هو نصف الكوب الملآن، ونصف العام الذى يدعو إلى التفاؤل، وهو الذى بدأ على مشارف 30 يونيو واستمر حتى بداية العام الجديد وفيه ما يحق لنا أن نشعر بمزيد من التفاؤل:
< استرداد الشعب المصرى لوعيه السياسى، ونجاحه فى فترة قصيرة جدا أن يكتشف خديعة إقامة دولة ثيوقراطية تخلط بين الدين والسياسة، وتقدس ما لا يدعو إلى التقديس، وتدعى لنفسها العصمة، وتزعم أن الله  عز وجل منحها الحق أن تكون ظله على الأرض لتبنى دولة استبدادية تحول المصريين من مواطنين إلى رعايا!
< إعادة تصويب الخلل الرئيسى الذى حدث فىأعقاب ثورة 25 يناير، وأدى إلى البدء بالانتخابات وليس الدستور أولا، وأفرز سلطات انتخب أصحابها لكى يمارسوا أدوارا لم تتحدد ملامحها بعد فى دستور كان يفترض أن يوضع أولا، وتصويب الأخطاء التى ظهرت فى دستور 2012، وانتهت بشعار أخونة الدستور!
< إفشال  المخطط الإخوانى الذى استهدف إقامة إمارة إسلامية فى سيناء، تضم العناصر التكفرية والإرهابية، لكى تحل مصر محل أفغانستان طبقا لخطة أمريكية - إخوانية مشتركة، لتصبح مركزا لتنظيم القاعدة فى المنطقة، تمهيدا لسحب القوات الأمريكية من أفغانستان هذا العام بأقل الخسائر الممكنة!
< عودة الإلتئام لتحالف وطنى  واسع يشمل الأعمدة الأساسية فى الدولة، ويضم الجيش والشرطة والقضاء، وخلفهم للمرة الأولى ظهير شعبى غير مسبوق.
< ومن قلب هذا التحالف الواسع تمكن الشرطة – رغم تضحياته الجسيمة وإمكاناتها غير المناسبة- أن تحقق نجاحات ملحوظة فى مواجهة الإرهاب، كما أن سيطرة الجيش على  سيناء وملاحقة البؤر الإجرامية بها أوشكت على أن تكتمل .
مصاعب كثيرة مازلنا نعانى منها، وتحتاج منا جميعا إلى مزيد من الجهد والعرق والعمل والصبر، لكن المؤكد أننا نسير فى الطريق الحقيقى لزرع الأمل، وتصويب مسار ثورة 25 يناير التى سطت عليها جماعة الإخوان، من أجل تحقيق كل أهداف الثورات المصرية منذ الحملة الفرنسية عام 1798 وحتى ثورة 30 يونيو2013، لبناء دولة وطنية ديمقراطية حديثة، تسع المصريين جميعاً، وتكون محلاً للسعادة المشتركة لكل مواطنيها، وهى أهداف تبدأ خطوتها الأولى فى 14 و15 يناير الحالى بالاستفتاء على الدستور الذى يرسى كل تلك القيم والمبادئ.