رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أحزان سودانية

امينة النقاش

الجمعة, 17 يونيو 2011 17:14
بقلم- أمينة النقاش

غضب مني الأصدقاء السودانيون، لأني دعوت الرئيس السوداني عمر البشير أن يتعظ من الدروس التي تحفل بها الثورات العربية، وأهمها وأكثرها جدارة بالالتفات أن أنظمة الحكم الاستبدادية ذات الحزب الواحد والفكر الواحد، والرأي الواحد، لم يعد لها أي فرص لمواصلة البقاء في عالم اليوم، وأن الأنظمة التي أقامت دولاً دينية تطبق من خلالها فهمها الخاص للإسلام، قد فتت الدولة القومية، بعجزها الشامل عن إدارة التنوع الديني والإثني والثقافي والمذهبي والقومي لبلادها، ما يجري في سوريا واليمن وليبيا هو قليل من كثير، وقلت إن السياسات الدينية والمذهبية المتعصبة، قد انتهت في السودان بفصل جنوبه عن شماله، وهي تهدد الآن بتقسيم شماله، فضلا ًعن حروب أهلية قائمة في دارفور وابيي وجنوب كردفان، وأخري في طريقها للاندلاع في بقية الولايات والمناطق، وأن الرئيس السوداني لم يعد أمامه سوي خيارين لا ثالث لهما، إما أن يغير أو أن يفرض عليه التغيير فرضاً.

الدكتور حيدر إبراهيم، الكاتب والمفكر ومدير مركز الدراسات السودانية، قال لي بحسم: إن الرئيس البشير ليس في حاجة إلي نصائحك، وأنه يعلم ما يفعله تماماً، وأنه موغل في السير فيما يفعله، طالما كان الهدف هو البقاء في السلطة، وعاتبني أحد المتحدثين قائلاً: إن من واجبي بدلاً من إسداء النصح للبشير، أن أدعو الثورة المصرية لمساندة الشعب السوداني للقيام بثورة مماثلة لإسقاط نظامه.

كنا في مؤتمر يقيمه البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، بالمشاركة مع التحالف العربي من أجل دارفور الذي يقوده الناشط الحقوقي حجاج نايل، لبحث آثار الثورات العربية علي الأزمة السودانية، وفي القلب منها بالطبع، قضية دارفور، التي يعاني أهلها ظروفاً مأساوية، علي امتداد أكثر من تسع سنوات، يعيش من بينهم نحو مليون نازح في ظروف إنسانية بالغة السوء، في مخيمات للاجئين، وبينما تتعثر المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركات الدارفورية المسلحة بشأن قضية دارفور في العاصمة القطرية الدوحة، منذ أكثر من سنتين، اندفع نزاع مسلح جديد في جنوب كردفان، ومنطقة ابيي المتنازع عليها بين الحكومة السودانية، وحكومة جنوب السودان، التي تستعد لإعلان دولتها بشكل نهائي في التاسع من يوليو المقبل.

ساد جو المؤتمر نغمات حزن سوداني عميق للحال التي آلت إليه بلادهم لخص أسبابها د. حيدر إبراهيم باستنتاج

ينقصه الإنصاف، حين سوي بين أزمة الحكم، وأزمة المعارضة السودانية، التي قدمت تضحيات جسيمة علي امتداد نحو خمسين عاماً دفاعاً عن الاستقلال والحريات الديمقراطية، لكنه أضاف إلي تلك الأسباب، أن السودان كان أول دولة تنول استقلالها في القارة الأفريقية، وتقيم نظاماً ديمقراطياً برلمانياً، يحترم التعدد الحزبي والسياسي وحريات الرأي والتعبير، لكن المفارقة الأليمة أن هذا البلد الذي كان مرشحاً كسلة غذاء للعالم، والذي يشقه نهر النيل، وأنهر أخري صغيرة وتغمره المياه الاستوائية، بموت مواطنيه جوعاً وعطشاً، والبلد الذي كان رائداً في إقامة النظام البرلماني التعددي في القارة السوداء الذي تنبأ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي أن يكون مع نيجيريا ملتقي الثقافات والأديان والأعراق في أفريقيا، صار موطناً لدائرة شريرة من الانقلابات العسكرية المتتالية، وللحروب والنزاعات الداخلية، التي لا تنتهي.

لم يتوقف التساؤل طوال أعمال المؤتمر عن سبب عدم لحاق الشعب السوداني، بثورات الربيع العربي، وعن هذا التساؤل قدم الحقوقي السوداني والدولي الدكتور أمين مكي مدني، رصداً للتشوهات السياسية والبنوية التي أصابت المجتمع السوداني، والتي قد تعرقل الحدوث الآني للثورة، لكنها لا تلغي احتمالات قيامها، بينها أن الثورتين اللتين أسقطتا نظاماً عسكرياً دكتاتورياً في عامي 1964 و1985 قادها ائتلاف من النقابات المهنية والفئوية والأحزاب والقوي السياسي، بمساندة القوات المسلحة والقضاء المستقل، فيما يعاني السودان الآن من نظام عسكر استبدادي حل جميع المؤسسات الدستورية، والنقابات وجميع منظمات المجتمع المدني، والأحزاب التي ظلت ملاحقة طوال الأعوام السابقة، ليستبدل كل ذلك بما يزعم بأنه »المشروع الحضاري الإسلامي« الذي يرمي إلي ما يدعي أنه إعادة صوغ للإنسان السوداني وفقاً لهذا المشروع، والذي انتهي بتهميش سكان المناطق النائية والمتخلفة، التي تتميز بانتماءات غير عربية وغير إسلامية، إذ من المعروف أن أكثر من ثلث سكان السودان يعتنقون المسيحية، وديانات أفريقية غير سماوية، فالقمع الدموي الذي تعرضت له القوي التي صنعت الثورتين السابقتين، بالإضافة إلي اختلاف التركيبة السكانية واختلاف

الثقافات بين الوضع في السودان، وبين الانتفاضات العربية، فإن السودان يعاني خطراً إضافياً متمثلاً في قضية الوحدة الوطنية، التي قادت عنجهية النظام في التعامل معها إلي انفصال الجنوب، ولكن كل تلك الأسباب المتداخلة التي تفسر التأخير، تؤكد أن التغيير ضرورة، وأنه آت مهما طال الزمن.

أنظمة الاحتكار المطلق للسلطة لا تزدري طموحات شعوبها ورغباتها فحسب، بل تعتدي علي حقوق جيرانها، هذا ما أوضحته الدكتورة »إجلال رأفت« أحد أبرز المتخصصين في الشأن السوداني، وأستاذة العلوم السياسية المرموقة في جامعة القاهرة، حين تحدثت في المؤتمر عن العلاقات بين مصر والسودان علي ضوء الثورة المصرية، فرصدت أمثلة بالغة الدلالة علي التجاهل الرسمي السوداني لأحداث الثورة، وغيبة أية متابعة إخبارية لوقائعها في الصحافة والإعلام السوداني، وأشارت إلي التناول الفظ الذي يخرج عن كل أعراف دبلوماسية لقضية الرفض السوداني للمرشح المصري الأول لموقع الأمين العام للجامعة العربية الدكتور مصطفي الفقي، فالحكومة السودانية لم تتوقف عند حقها في رفضه أو التصويت ضده، بل تجاوزت ذلك إلي إرسال وفود للمطالبة بسحبه، ولحث دول أخري علي رفض ترشيحه، كما قام حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم بعقد دورات تدريبية لعدد من أعضاء حزب الوسط في محافظة دمياط، كما اقتصر وفد الشباب المصري، الذي دعا إلي زيارة الخرطوم، بعد الثورة علي جماعة الإخوان المسلمين، مما يجعل التساؤل حول هدف ومغزي تدخل حكومة جبهة الإنقاذ الإسلامية السودانية في الشئون الداخلية المصرية أمراً مشروعاً!

الأنظمة التسلطية تتهاوي في كل أنحاء العالم، ولم يعد لها في السودان، أو خارجه أي فرص لمواصلة القمع والبقاء في سدة الحكم، بسبب فضاء الحرية الرحب والواسع الذي منحته للبشرية ثورة الاتصالات، هذا ما أكده محمد فائق، وزير الإعلام الأسبق نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان عضو اللجنة الأممية التي صاغت تقرير الأمم المتحدة حول دارفور، والذي استندت إليه الهيئة الدولية في إصدار قراراتها التي أدانت ما ارتكب من جرائم في الإقليم، أصبحت محل مساءلة للقيادة السودانية من قبل المحكمة الجنائية الدولية، قال محمد فائق إن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية أصبحت مطالب ملحة لكل الشعوب التي عانت من الإهمال والتهميش، وأن ثورة الاتصالات ساعدت الشعوب علي رفض الظلم والإبعاد والتهميش والانفراد بالثروة والسلطة، وبفضل هذه الثورة أصبحت حقوق الإنسان أمراً مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بالأمن القومي لأوطاننا، فالانتهاكات الجسيمة لم تعد في عرف العالم أمراً داخلياً، بل أصبحت مبرراً لتدخل المجتمع الدولي، كما أن احترام حقوق الإنسان أصبح من ضرورات الوحدة الوطنية لبلداننا.

يحق للأصدقاء السودانيين أن يغضبوا ويحزنوا فهي مشاعر إيجابية لمواجهة واقع أليم، لا يفقد فيه أحد الأمل أن الشعب الذي كان رائداً في قيادة ثورتين شعبيتين في القرن العشرين، مازال قادراً علي الإدهاش في سعيه لخلق دولة ديمقراطية حديثة في السودان مهما طال أمد انتظارها.