مـجرد فـشلنا العاشر

امينة النقاش

الجمعة, 17 ديسمبر 2010 17:42
بقلم‮: ‬أمينة النقاش

لم أعد أستطيع التعاطف مع هؤلاء الذين يملأون الحياة السياسية صراخا ونواحا علي التزوير الفاضح الذي جري في جولتي الانتخابات الأخيرة،‮ ‬ليس لأنني لا أدين مثلهم‮ ‬هذا التزوير،‮ ‬ولا أعتبر هذه الانتخابات كما أشار بيان لحزب التجمع،‮ ‬أسوأ انتخابات جرت في مصر في العقود الأخيرة،‮ ‬من حيث التزوير والتسديد واستخدام العنف والبلطجة وشراء الأصوات داخل لجان الاقتراع وخارجها،‮ ‬ومنع المندوبين وعرقلة حصولهم مع المراقبين الحقوقيين علي توكيلات للقيام بدورهم،‮ ‬والأخطاء المضحكة في جداول الناخبين التي كانت تحمل اسم والدي وتوقيعه وهو المتوفي منذ خمسة وثلاثين عاما فيما عجزت عن أن تجد اسمي،‮ ‬أقول ليس بسبب كل هذا،‮ ‬بل لأن بعض الذين ينوحون ويصرخون.

‮ ‬يطالبوننا بوعي أو بدونه،‮ ‬بالكف عن النضال من أجل تحقيق الديمقراطية في ظل الأوضاع السائدة،‮ ‬ولولا الملامة لدعونا إلي إعلان الكفاح المسلح لتحقيق الديمقراطية،‮ ‬ولأنني واحدة من بين كثيرين ممن يرفضون نظرية كل شيء أو لا شيء علي الإطلاق،‮ ‬فسوف أقول كما قال الزعيم الصيني الشهير‮ "‬صن يات صن‮" ‬فور كل فشل لحق به في مجري نضاله لتأسيس الجمهورية الصينية تحت شعار القومية والديمقراطية والاشتراكية،‮ ‬إن ما جري‮ "‬كان مجرد فشلنا العاشر‮"‬،‮ ‬وهو الأمر الذي يستدعي أن نمعن النظر جيدا في الدروس التي يمكن استخلاصها،‮ ‬من هذه الكارثة الانتخابية،‮ ‬التي أسفرت عن برلمان يحوز الحزب الوطني الحاكم به علي الأغلبية المطلقة،‮ ‬في واقعة هي الاولي من من نوعها منذ عودة الديمقراطية المقيدة في عام‮ ‬1976،‭ ‬والتفكير الجدي في البحث عن برنامج يحول دون تكرار ما جري،‮ ‬وتحديده في خطوات عملية،‮ ‬ثم العمل والنضال من أجل تحقيقها‮.‬

من أبرز الإشكاليات التي برزت في الانتخابات الأخيرة مسألة تحديد الصفة،‮ ‬أو تغييرها،‮ ‬وجزء كبير من الطعون التي قدمت لمحكمة القضاء الإداري وأصدر بها أحكاما أثناء سير المعركة الانتخابية،‮ ‬كانت طعونا تتعلق بالصفة الانتخابية،‮ ‬وهي قضية تفرض أن يكون هناك نوع من الضبط القانوني الدقيق لصفة العامل والفلاح،‮ ‬الذي يجعله تعريفا منضبطا ومفهوما للجميع،‮

‬ويحول دون أن يحدث به أي شكل من أشكال التلاعب،‮ ‬ولا يخفي علي أي أحد أن الحزب الوطني وبعض أحزاب المعارضة قد‮ ‬غيرت صفات بعض مرشحيها لتوقي مرشح بعينه أو لتهيئة الفرصة لمرشح آخر للفوز بالمقعد‮. ‬وعلي أحزاب المعارضة سواء تلك الممثلة في البرلمان أو الأخري خارجه،‮ ‬أن يكون من بين مهامها الضغط لاستصدار تشريع يلزم النائب في مجلسي الشعب والشوري الذي خاض المعركة الانتخابية بصفة بعينها،‮ ‬بعدم جواز أن يغير هذه الصفة،‮ ‬وبالتالي يكتسبها طوال ممارسته لحقه في الترشيح‮. ‬وفي هذا السياق فقد وجه انتقاد واسع لاتحاد العمال لتوسعه في منح شهادات بصفة العامل لرجال أعمال ولواءات شرطة ومهنيين،‮ ‬مما فرغ‮ ‬نسبة‮ ‬50٪‭ ‬عمال وفلاحين للمرة الألف من مضمونها وأهدافها‮.‬

وأثبتت التجربة أن اللجنة العليا للانتخابات برغم النص عليها في الدستور والقانون،‮ ‬إلا أنها لجنة مؤقتة،‮ ‬ليست لها أذرع تنفيذية تنفذ بها‮ ‬التعليمات أو القرارات التي تصدرعنها،‮ ‬فكانت النتيجة أنها أصبحت لجنة تجلس علي القمة،‮ ‬وتوكل الشكاوي التي ترد إليها ومهمة تنفيذ قراراتها للأجهزة التنفيذية المختلفة،‮ ‬فكان من الطبيعي ألا تنفذ تلك الأجهزة هذه القرارات،‮ ‬أو تتراخي في تنفيذها أو تتواطأ لعدم تنفيذها،‮ ‬مما يجعل من الضروري أن يكون هناك تعديل في القانون يسمح لهذه اللجنة أن يكون لها وجود دائم،‮ ‬وتكون لها صلاحيات تنفيذية تعتمد بموجبها توكيلات المندوبين والمراقبين،‮ ‬طبقا لاجراءات ميسرة معروفة ومعلنة للجميع‮. ‬وكما هو معروف فقد اجريت الانتخابات في اكثر من‮ ‬44‭ ‬الف لجنة فرعية،‮ ‬تم تقسيمها إلي‮ ‬9‭ ‬آلاف لجنة عامة،‮ ‬وهو ما يعني أنه أصبح بالإمكان وجود قاض في كل لجنة عامة،‮ ‬وبهذا المعني يصبح هؤلاء القضاة تابعين مباشرة للجنة العليا للانتخابات،‮ ‬ويمارسون مهامهم تحت إشرافها،‮ ‬لوقف

كل الشكوك والتلاعبات والتدخلات الإدارية في الفرز وفي النتائج‮.‬

أثبتت كوتة الـ‮ ‬64‭ ‬مقعدا للمرأة الشكوك التي أحاطت بأهدافها،‮ ‬بعد أن فاز بكل مقاعدها إلا قليلا،‮ ‬الحزب الوطني الحاكم،‮ ‬وبصرف النظر عن ذلك فقد اثبتت التجربة انها ظلمت المرأة بدلا من انصافها،‮ ‬بعد أن اصبحت الدائرة التي تنافس عليها متسعة بحجم المحافظة كلها،مما يجعل النظام السابق الذي تم تطبيقه عام‮ ‬1979‭ ‬في تحديد دوائر بعينها للمرأة في نفس الدوائر التي يتنافس فيها الآخرون،‮ ‬والتي كانت تتركز في دوائر محددة في‮ ‬المدن وعواصم المحافظات‮. ‬ولعل دوائر الكوتة هي واحدة من أقوي الأدلة علي عمليات التسديد الواسعة التي جرت في الانتخابات الأخيرة،‮ ‬والتي تشكك في النتائج برمتها‮.‬

أظهرت تلك الانتخابات بشكل مكثف العيوب الخطيرة في نظام الانتخاب الفردي،‮ ‬الذي راكم معظم المشاكل السابقة،‮ ‬ففي ظله استخدم المال السياسي بشكل مخيف،‮ ‬وراهن من حازوا علي الأغلبية المطلقة علي العصبيات والعائلات والقبائل،‮ ‬وعززوا منطق التصويت علي اسس تقليدية،‮ ‬وأهدروا مايقرب من‮ ‬49٪‭ ‬من أصوات الناخبين التي ذهبت لأحزاب المعارضة،‮ ‬لتصبح النتيجة مجلساً‮ ‬مختلاً‮ ‬لا يعبر تعبيرا حقيقيا عن توجهات الرأي العام،‮ ‬فضلا عن أن نظام الانتخاب الفردي في التجربة الديمقراطية المشوهة القائمة لا يسمح بتقوية الاحزاب،‮ ‬فالانتخابات التي جرت لم تكن انتخابا لحزب سياسي دون حزب آخر،‮ ‬ولا الحزب الوطني فاز فيها بالأغلبية،‮ ‬اللهم إذا اعتبر أن أغلبية أقل من‮ ‬20٪‮ ‬من أصوات الناخبين هي أغلبية كاسحة،‮ ‬ولا أحزاب المعارضة التي قاطعت او التي شاركت،‮ ‬خالية من المؤيدين والمناصرين في الرأي العام،‮ ‬ولكن هناك نظاماً‮ ‬انتخابياً‮ ‬قائماً‮ ‬ويجري التمسك به لينتهي بنا الي تلك النتائج التي تغلق إمكانيات التغيير،‮ ‬وبالتالي هناك ضرورة للعودة الي نظام القائمة النسبية،‮ ‬شرط أن تكون مفتوحة وغير مشروطة،‮ ‬والتي من شأنها ان تحل اشكاليات تمثيل النساء والأقباط،‮ ‬كما أنها لا تهدر اصواتا للناخبين،‮ ‬وأهم من هذا وذاك انها سوف تجعل المعارك الانتخابية تدورعلي مبادئ سياسية وأفكار لا اشخاص،‮ ‬وتقوي الاحزاب لتصبح صاحبة الرأي الاساسي في اختيار المرشحين وترتيبهم داخل القائمة،‮ ‬لتنمية ثقافة الالتزام الحزبي لدي اعضائها،‮ ‬وتقلل من ظواهر المنشقين عن أحزابهم والمستقلين،‮ ‬وفكرة الترشيح المزدوج التي لجأ إليها الحزب الوطني،وتواجه عوامل البلطجة والمال السياسي والتدخل الإداري وغيرها من العوامل التقليدية لتكون أقرب إلي الشفافية‮.‬

وإذا كان الحزب الوطني يعنيه حقا مستقبل التطور السلمي الديمقراطي في هذا الوطن،‮ ‬فليساند داخل البرلمان وخارجه كل مشروع قانون يفضي الي ذلك،‮ ‬وإلا فعليه ان يتحمل العواقب الوخيمة للتلكؤ في اتخاذ الخطوة الاولي نحو ذلك‮!‬