رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رسالة إلى واشنطن.. للضغـط حدود

امينة النقاش

الجمعة, 15 نوفمبر 2013 22:57
بقلم - أمينة النقاش:

تشكل زيارة وزيرى دفاع وخارجية روسيا الاتحادية «سيرجى شويجو» و«سيرجى لافروف» إلى القاهرة، التى استمرت يومين، وانتهت أمس الجمعة، مرحلة تبدو جديدة، تعيد لسياسة مصر الخارجية بعض التوازن فى علاقتها الدولية.

وتأتى زيارة المسئولين الروسيين فى وقت تشهد فيه مصر مرحلة بالغة الحساسية، سواء فى أوضاعها الداخلية أو فى علاقاتها الخارجية التى تصدرتها الضغوط المبالغ فيها، التى مارستها الولايات المتحدة الأمريكية على صناع القرار فى مصر، خاصة بعد ثورتى 25 يناير و30 يونية، لصالح تحالفها الوثيق مع جماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسى، ولتمرير مخططها الشرق أوسطى لتفتيت دول المنطقة، وإنهاء القضية الفلسطينية بتوطين الفلسطينيين فى الأردن وقطاع غزة وامتدادته فى شبه جزيرة سيناء!
وتبدو الضغوط التى تمارسها واشنطن على السياسة المصرية الآن أكبر مدى من تلك التى كانت تمارسها على الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» الذى توثقت فى عهده العلاقات مع روسيا الاتحادية، وكانت مصر من أوائل الدول التى تبادلت معها العلاقات الدبلوماسية، فى أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتى عام 1991، وقام «مبارك» بزيارتها نحو أربع مرات انتهت بأن يصل التبادل التجارى بين البلدين إلى أكثر من 2 مليار دولار، فضلاً عن توقيع اتفاقيات لمساهمة الشركات الروسية فى عمليات استخراج وإنتاج الغاز والتنقيب عن النفط وصناعة السيارات وتجميعها، وتطوير التبادل السياحى، وفى مجال التعاون من أجل الاستخدام السلمى للطاقة الذرية.. وفى أواخر عام 2005 دفعت القاهرة فى اتجاه دعم قرار جامعة الدول العربية الأول من نوعه، باعتماد السفير الروسى فى مصر سفيراً مفوضاً لدى الجامعة.
كانت مصر وعدد من الدول الصغيرة قد أخذت فى رسم سياستها الخارجية على أساس الاستفادة من التناقض والصراع بين القوى الكبرى فى العالم سعياً لتجنب ما يجرى فى بحر السياسة الدولية الملىء بالحيتان، هذا ما

فعله «محمد على» حين سعى لبناء مشروعه للدولة المصرية الحديثة باستغلال التناقض بين القوتين الاستعماريتين إنجلترا وفرنسا، وهو ما واصل فعله زعماء الحركة الوطنية «أحمد عرابى» و«مصطفى كامل» و«محمد فريد».
وفى أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، استفادت الحركة الوطنية المصرية من التناقض الذى نشأ داخل الدول العظمى، ما بين ألمانيا وحلفائها من جانب، وبين الدول الأوروبية المعادية لها من جانب آخر، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار أوروبا الاستعمارية بدأت هذه السياسة اللعب على التناقض بين أمريكا وتلك الدول، وفى فترة المد القومى فى العهد الناصرى انتقل هذا التناقض إلى ما بات يعرف فى عصر الحرب الباردة بالعالم الحر وبين المعسكر الاشتراكى.
وبرغم أن الرئيس «عبدالناصر» استطاع أن يحقق أعظم الفوائد من جراء سياسة الاستفادة من التناقضات بين القوى العظمى، حيث بنى السد العالى، وأقام صرح النهضة الصناعية الكبرى التى ساهمت فى خطط التنمية، فضلاً عن السلاح الذى حقق به الجيش المصرى فيما بعد نصر أكتوبر العظيم، بالإضافة إلى دعم حركات التحرر الوطنى فى العالم الثالث، والكتلة الثالثة التى تكونت منها فيما كان يعرف بدول عدم الانحياز والحياد الإيجابى، إلا أن قصور هذه السياسة تجلى فيما بعد، فى المبالغة فى الاعتماد عليها، دون امتلاك القدرة، وربما الإرادة، على بناء قوى ذاتية داخلية تحقق للدولة قدرات فائقة فى مقاومة مختلف الضغوط، التى يمكن أن تهدد قرارها السيادى.
فى عهد الرئيس «السادات» اتجهت مصر ومعظم الدول العربية إلى المراهنة على معسكر واحد، عندما أعلن
«السادات» أن 99% من أوراق اللعب فى يد الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما سقط الاتحاد السوفيتى وانهار المعسكر الاشتراكى، وانتهت سياسة الحرب الباردة، ودخلنا إلى عصر القطب الأمريكى الواحد وجد العرب، ومصر معهم بطبيعة الحال، أنفسهم وظهرهم للحائط، وبدأت مصر فى عصر القطبية الواحدة التوجه نحو خلق علاقات مع دول الاتحاد الأوروبى، واليابان ثم الصين، بما يؤدى إلى موازنة العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، التى تلقت سياستها الخارجية فى عهد «أوباما» اقوى ضربة لها، بسقوط جماعة الإخوان من سدة الحكم فى مصر، وتأثير ذلك على مستقبل تيار الإسلام السياسى المتحالف مع إدارته، فيما يسمى بدول الربيع العربى، كما منيت إدارته بمشاعر عداء شعبى آخذ فى الاتساع، بعد أن عجزت عن تنفيذ أى وعود منحتها للعرب، وانحياز سياستها القائمة على التسوية بين صاحب الحق ومغتصبه فى القضية الفلسطينية، وهى السياسة التى تدفع مصر للبحث عن بدائل وأوراق ضغط لموازنة تلك الضغوط.
وتكتسب زيارة المسئولين الروسيين لمصر أهمية بالغة فى هذا السياق، لاسيما أنها تمهد لزيارة قادمة للرئيس الروسى «بوتين» الذى أكد وزير خارجيته فى القاهرة، أن من مصلحة روسيا بقاء مصر قوية سياسياً واقتصادياً، مضيفاً بالنص: «أن روسيا مستعدة لتقديم كل المساعدات لمصر فى جميع المجالات»، مكذباً بذلك تقارير عدد من الصحف الغربية التى يمولها التنظيم الدولى للإخوان، بأن مجالات الدعم الروسى لا تتضمن صفقات أسلحة لضعف قدرات مصر المالية على تمويلها.
لكن دروس التاريخ تعلمنا أن اللعب على التناقضات الدولية لاختلاف الموقفين الروسى والأمريكى مما يجرى فى مصر وسوريا وإيران، يمكن أن يكون مفيداً بشروط، بينها عدم الاعتماد عليها بمفردها، ولكن ببناء القوة الذاتية، التى تساعد علي الاستفادة من تلك التناقضات، وتكون هى السلاح الأساسى لمواجهة الضغوط الدولية التى تستهدف إهدار الحقوق، وفرض المصالح التى لا تحقق المصلحة المصرية، ومن هنا علينا أن نقيم هذا التطور المهم فى العلاقات المصرية – الروسية دون تهوين من شأنه، أو إضفاء أية مبالغات عليه تعلق عليه آمالاً أكثر مما تتحمله المرحلة، أو تتجاهله طبيعة التحالفات الجديدة لروسيا الاتحادية، برغم كونه يبقى رسالة لإدارة الديمقراطيين فى واشنطن، أن للضغوط على مصر فى عهدها الجديد حدوداً، ليس مسموحاً لأحد تخطيها.