رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هوامش حول مبادرات سيئة السمعة

امينة النقاش

الجمعة, 13 سبتمبر 2013 22:26
بقلم أميـنة النـقـاش

فى أسبوع واحد، ظهرت مبادرتان للمصالحة بين جماعة الإخوان وبين الإدارة المصرية الحالية، صدرت الأولى عن الدكتور «حمزة زوبع» الذى وصف بأنه المتحدث الإعلامى باسم الجماعة، ونسبت الثانية للدكتور «عمرو دراج» القيادى فى الجماعة..

وفى الأسبوع نفسه قال الدكتور «حازم الببلاوى» رئيس الوزراء فى حديثه للمصرى اليوم: إن مفهوم المصالحة أصبح مصطلحاً سيئ السمعة، لأنه لم يكن فى ذهن الحكومة، فى أى وقت من الأوقات، أن تتصالح مع من ارتكب العنف أو تلوثت أياديهم بالدماء، كما أن حزب الحرية والعدالة لم يبد أى مؤشرات على أنه جاد فى هذا الأمر، وأن حديث المصالحة مع الجماعة، لم يكن منتظماً، وكان يجرى عبر وسطاء بينهم شخصيات عامة وأجانب، أو عبر أجهزة الأمن، ولم يسمع منهم عن مبادرة جادة تعلن أن ما حدث فى 30 يونية كان ثورة شعبية لها مبررها، بعد حالة الاحتقان الشديد داخل المجتمع.
وتكشف مبادرتا الإخوان المسلمين، سواء من حيث المضمون، أو من حيث ردود الأفعال عليها التى تدفقت بكثافة فى أعقاب إعلان مبادرة الدكتور «زوبع» - وهو ما سوف يلحق بطبيعة الحال بمبادرة «دراج» - وما أحاط بهما من زوابع داخل جماعة الإخوان وخارجها، عن أن هناك خلافاً بين جناحين داخل الجماعة، حول الموقف من المصالحة الوطنية، ومدى الاستعداد للقبول بالمشاركة فى خارطة المستقبل.
وفى مبادرته أعلن الدكتور «زوبع» عن اعتراف الإخوان بما وقعوا فيه من أخطاء الانفراد بالحكم، ليس لأنهم يسعون إلى الهيمنة تنفيذا لمشروعهم لبناء دولة الخلافة، ولكن لأن الآخرين - كما يقول - تركوهم بمفردهم، لكن هذا الاعتراف مرهون باعتراف «الانقلاب» الذى أيده الصهاينة كما يقول، بأخطائه الدامية، وبما يسميه جرائم ضد الانسانية، ليس من بينها بطبيعة الحال الجرائم التى ارتكبها الإخوان وأعوانهم فى رابعة والنهضة وفى المدن والمحافظات، وفى ربوع سيناء، التى لم تجف فيها دماء المصريين، منذ تسلمت الجماعة السلطة، وبعد عزلها عنها، وحتى الآن. وبشروط أخرى يدعو الدكتور «زوبع» إلى عقد مؤتمر للمصالحة على أن يضم الجميع سواء كان سياسياً أو اجتماعياً، كى تغمره أغلبية من النقابات والجمعيات التى تسيطر عليها الجماعة.
تحفل مبادرة «زوبع» بالتناقضات، وبالمطالب والدعوات والكلمات وعكسها، فهى

تدعو لتشكيل لجنة تحقيق تستعين بخبرات دولية، وتعلن فى نفس الوقت رفضها للتدخل الخارجى، وتطالب بإطلاق حرية المنافسة السياسية وتثتسنى قيادة الجيش منها، وتدعوها للعودة للثكنات كأن الأمر ليس كذلك، وتشترط أن تفرج الدولة عن الرئيس المعزول وأقطاب الجماعة وأعضائها الذين تصفهم بالمعتقلين، بينما يجرى التحقيق معهم فى جرائم جنائية، أمام النيابة العامة، وصدرت بحق بعضهم قرارات بالحبس الاحتياطى، بما لايجوز معه وصفه بالاعتقال!
وتتناقض كمية الشروط الهائلة التى تنطوى عليها مبادرة «زوبع» مع إقراره باستعداد الجماعة للاعتراف بالأخطاء التى وقعت فيها، وإلا كيف ينسجم ذلك مع مطابته بالإفراج عن قيادات متهمة بالتحريض العلنى على استخدام العنف، وبالمسئولية عن جرائم بشعة من نوع حرق الكنائس وأقسام الشرطة وقتل الضباط والتمثيل بجثثهم، وإطلاق الرصاص الحى من فوق أسطح المآذن والمنازل، وحيازة أسلحة وذخائر، وتعطيل المواصلات العامة وقطع الطرق والكبارى، وغيرها من الأعمال الإرهابية التى وقعت فى القاهرة وعدد من المحافظات.. ألم يكن من المنطقى أن يكتفى بالإسراع بإنهاء التحقيقات، والإفراج عن العناصر التى لم يثبت وجود أدلة اتهام بحقها، وهو ما حدث بالفعل مع السفير رفاعة الطهطاوى رئيس ديوان رئيس الجمهورية المعزول، لعدم وجود قرائن على صلته بالجرائم التى ارتكبها الإخوان أثناء اعتصام قصر الاتحادية فى نوفمبر الماضى.
ومشكلة الشروط التى وضعها «زوبع» هى أنه يطلب ثمناً غير متكافئ لمصالحة لا يوجد ما يدل على أن أحداً يؤيده عليها داخل الجماعة، فعمرو دراج يرفض وصف ما قاله زوبع بأنها مبادرة، واعتبرها مجرد مقالة يعبر فيها كاتبها عن رأيه الشخصى، كما نفى هو ومحمد على بشر الأنباء التى نشرت عن قبولهما معاً توسط السلفيين بين الجماعة والحكومة لبحث هذه المبادرة، وهو ما يبدو متناقضاً مع الحديث الذى أدلى به «دراج» لشبكة «سى إن إن» الأمريكية والذى اعترف فيه أن الحكومة المصرية رفضت وساطة من أوربيين وأمريكيين
لإجراء مصالحة مع الجماعة تقوم على ما سماه اتخاذ تدابير لبناء الثقة بينها الإفراج عن قيادات الجماعة، وإعادة فتح القنوات التليفزيونية الدينية التى تم غلقها ووقف الحلات الإعلامية ضد الجماعة ووقف الحلات الأمنية ضد أعضائها!
وهكذا تبدو مبادرة «زوبع» وكأنها صفقة خاسرة من جميع النواحى، فلا هو قادر - ولا راغب - على إيقاف محاولات الإخوان للإخلال بالأمن العام، أو وقف تهديداتهم بالقيام بأعمال عنف وإرهاب تصل حتى تفجير القطارات وقع الطرق والتخطيط لاحتلال الميادين، ولا هو يملك تفويضاً من الجماعة، بأن ينوب عنها منفرداً أو مع غيره لتنفيذ تعهداته بوقف العنف وإدانته، هذا بالإضافة إلى أن ما قدمه يلقى معارضة من جموع المواطنين، ومن الفصائل السياسية التى ترى أن ما جرى هو معركة سياسية هزم فيها الإخوان، وأن ما يعرضونه هو شروط المنتصر وليس المهزوم الذى تخلت عنه الجماهير التى عانت من السياسات الهوجاء التى قادوا إليها البلاد.
وكما أثارت مبادرة «زوبع» رفضاً شعبياً وإعلامياً وحزبياً، أثارت كذلك رفضاً من داخل الجماعة، إذ ما كادت تنشر حتى بادر نائب رئيس حزب الحرية والعدالة الدكتور «عصام العريان» بالرد غير المباشر عليها، بمقال نقلته صحيفة الحزب من الفيس بوك دعا فيه الشعب المصرى للعصيان المدنى العام، حتى يسقط الانقلاب وتعود الشرعية ممثلة فى عودة الدستور المجمد والرئيس المعزول ومجلسى الشعب والشورى، موصياً جماهيره بمواصلة العمل فى ميادين الإعلام فى الداخل والخارج!
ما يلفت النظر أن الشروط التى طرحها «زوبع» و«دراج» لإجراء مصالحة، لم يرد فيها ذكر لعودة الرئيس المعزول إلى منصبه كما دعا «العريان» مما يؤكد تناقض مواقف قادة الجماعة بشأنها، ويهدم كل البنيان الذى ظلت جماعة الإخوان تشحن بسببه جمهورها فى اعتصامات رابعة والنهضة، وتعتبره مع مطالب أخرى جوهر الشرعية، وهى مطالب اختفت من مظاهرات الإخوان الأخيرة التى اتسمت بقلة المشاركين فيها واختفت منها صور الرئيس المعزول، والشعارات التى تطالب بعودته.
على جماعة الإخوان أن تكف على التوهم بأن ترويع المواطنين وأجهزة الدولة، يمكن أن يخيف أحد، أو يشجع أحداً على الحوار معهم، وأن أى حكومة تقبل الحوار معهم فى ظل التهديدات التى يقومون بها للأمن العام لن تجد أى ظهير شعبى يؤيد هذا الحوار، أو يقبل بالنتائج التى تسفر عنه، وأن على الجماعة أن تعترف أن المعارك التى خاضوها كانت مع الشعب المصرى، ولم تكن مع الإدارة القائمة أو مع أجهزة الأمن أو مع الجيش، وأن هذه المؤسسات كلها كانت تنفذ إرادة شعبية غلابة، هى التى ينبغى أن يسعى الإخوان بسلوكهم وتصريحاتهم إلى الاستجابة لرؤيتها، والسعى لاسترضائها، والدفاع عن نفسهم أمامها، والاعتراف بأنهم أخطأوا فى حقها، إلى أن يحدث ذلك، فستظل الدعوة للمصالحة كما قال رئيس الوزراء: «دعوة سيئة السمعة»!