العدالة في خطر

امينة النقاش

الجمعة, 27 مايو 2011 16:32
بقلم: أمينة النقاش

 

تطبيق القانون لا يؤدي دائماً إلي إحقاق الحق وتحقيق العدالة، ولا يفضي إلي إنصاف من يقعون تحت طائلة الظلم، في كل الحالات، وقد يرجع ذلك إلي فساد القانون ذاته وعدم مشروعيته وعدالته، وصدوره لأسباب سياسية، لا تمت للقانون والعدالة بصلة، أو التحايل عليه بتفسيرات منحازة، أو تطبيقه بتعسف تحت وطأة ضغوط عارمة، ولعل المثل الشعبي الذائع »ياما في الحبس مظاليم« خير تفسير لذلك المعني.. والقضاة بطبيعة الحال ملزمون بتطبيق القانون، وفقاً لأدلة وقرائن تقود إلي تحديد المتهمين، وتكييف التهم الموجهة إليهم. ومن المعروف أنه في كثير من الحالات، يضبط الجاني متلبساً بجريمة القتل علي سبيل المثال، ويبرئه القضاء، لخطأ شكلي في الإجراءات، أو لأن الأدلة والقرائن التي تعرض علي القاضي تكون مضللة، أو مصطنعة، أو أن شهادات الشهود كانت كاذبة.

قبل سنوات تداولت الصحف بتوسع قضية الممثلة »حبيبة« التي كانت قد اتهمت بقتل رجل أعمال قطري، والاستيلاء علي أمواله، وحكمت عليها المحكمة بالسجن عشر سنوات، حتي جاءت مصادفة بحتة، لتفتح ملفات القضية من جديد، وتعاد المحاكمة مرة أخري.. فبعد أن أمضت »حبيبة« خمس سنوات في السجن، ألقت الشرطة القبض علي مواطن يبيع ساعة ذهبية ثمينة في أحد محلات الصاغة، تبين أنها ساعة رجل الأعمال القطري الذي تم قتله، وبالقبض علي المواطن الذي كان قد أبلغ عنه الصائغ نفسه، بعد شكه فيه، اعترف علي نفسه، وعلي اثنين آخرين شريكين له بقتل القطري وسرقته، فقرر النائب العام آنذاك، الإفراج عن حبيبة، وإعادة القضية للمحكمة، بعد أن ضم إلي قائمة المتهمين فيها، الضابط الذي اتهمته »حبيبة« بنيل اعترافات منها بتهم لم ترتكبها، تحت وطأة التعذيب.

ولتصحيح مثل تلك الأخطاء التي قد تقع فيها العدالة، جاءت حكمة التشريع في تعدد درجات التقاضي، أمام محكمة أول درجة، ثم أمام محكمة

الاستئناف، ثم محكمة النقض، التي درج العرف أن تلغي أحكاماً لبعض القضايا في كثير من الأحيان.. وتأتي أهمية تعدد درجات التقاضي للتسليم بوجود مساحة تقديرية واسعة لسلطة القاضي في إصدار أحكام في قضايا الجنايات.. وفي كثير من الحالات قد يجري الطعن علي قضية أمام محكمة النقض، فيكون حكمها هو إعادة القضية إلي دائرة أخري، وهذا هو بالضبط ما جري قبل سنوات في قضية ممرضة الإسكندرية الشهيرة »عايدة« التي حولها المبدع الراحل السيناريست الشاب »أسامة غازي« - الذي توفي في حادث سير عبثي - إلي واحد من أجمل أعمال الدراما التيفزيونية هومسلسل »أوبرا عايدة« وقام ببطولته الفنان الكبير يحيي الفخراني »في أحد أجمل أدواره الفنية«.. وكانت الممرضة عايدة، قد اتهمت بأنها تقتل المرضي مع سبق الإصرار والترصد، وبعد إعادة المحاكمة مرة أخري، تم تكييف القضية باعتبارها إهمالاً أدي إلي الموت، والفرق بين الحكمين الأول والثاني، هو الفرق بين الموت والحياة.

تأملت هذه القضايا وغيرها، علي ضوء الحكم الصادر الأسبوع الماضي، من محكمة جنايات القاهرة، بإحالة أوراق أمين شرطة هارب إلي المفتي بعد اتهامه بقتل ثمانية عشر من المتظاهرين ممن حاولوا اقتحام قسم الزاوية الحمراء.

أصدر القاضي حكمه وسط أجواء محمومة، أحاط فيها أسر الضحايا بقاعة المحكمة ورفعوا لافتات تطالب بالثأر والقصاص، وتهتف للعدالة بعد صدور الحكم، وحين احتجت أسرة المتهم استناداً إلي أنه كان ينفذ الأوامر الصادرة إليه من رؤسائه ويدافع عن نفسه ويحمي مقر عمله، أومأ إليهم أحد قضاة المحكمة أن يتركوا الناس تفرح!

أسئلة كثيرة يطرحها صدور هذا الحكم،

أكثرها احتياجاً إلي يقظة الضمير قبل الحس السليم والبحث عن حقوق المجتمع، هو هل كل من قتل في ثورة 25 يناير كان شهيداً؟.. أم أن بينهم مجرمين وبلطجية ومأجورين اقتحموا البنوك والمنشآت العامة، وأقسام الشرطة، والسجون وحرروا فضلاً عن  متهمين سياسيين عرب مجرمين عتاة أيضاً، يجري الآن البحث عنهم لإعادتهم إلي السجن، بعد أن ساهموا في ارتفاع جرائم النهب والسرقة والبلطجة؟.. ألم يمنح القانون الشرطي والمواطن الحق في استخدام السلاح دفاعاً عن النفس؟.. أوليس اقتحام أقسام الشرطة عدواناً علي أرواح موظفين عموميين وعلي المال العام؟.. ألم يعترف الفريق سامي عنان رئيس الأركان لعدد من شباب الثورة قبل عدة أسابيع أن أوامر رئاسية صدرت للجيش بسحق المتظاهرين، وتسوية ميدان التحرير بالأرض، ولكن الجيش كما هو متوقع  رفض تنفيذها، وهو ما يعني أن أوامر مماثلة قد صدرت للداخلية، وهو ما أكدته شهادة مدير المخابرات العامة السابق اللواء عمر سليمان التي كشف فيها أن الرئيس السابق كان لديه علم بكل رصاصة أطلقت علي المتظاهرين، وبتحركات وزارة الداخلية للتصدي لهم باستخدام الرصاص الحي؟!

هذه الأسئلة وغيرها مطروحة علي القانونيين والقضاة والسلطة الحاكمة والثوار، وهي تحتاج إلي مناقشة هادئة وعقل منصف، كي لا تتحول أخطاء  العدالة إلي مقصلة تجرف في طريقها تحت وطأة صيحات المطالبة بالثأر والقصاص والانتقام، والخشية من الاتهام بالخيانة والتخاذل، بعض المظلومين وبعض المدانين الأبرياء، وقبلهم حقوق المجتمع.

العدالة في خطر إذا ما استمر الحال علي ما هو عليه الآن: مظاهرات تحاصر المحاكم أثناء نظر القضايا في محاولات مقصودة للتأثير علي سير العمل بها وتوجيه الأحكام التي سوف تصدر عنها، وأحكام تصدر تحت تأثير ضغوط جمهور ثائر، واعتداء علي قضاة إذا ما جاء الحكم، علي غير رغبة أطراف القضية، ومحاولات أخري لتحطيم محتويات قاعة المحكمة، وهو ما يتطلب إجراءات حاسمة، قد يكون بينها منع الجمهور نهائياً من حضور جلسات تلك المحاكمات، والاكتفاء بهيئات الدفاع فقط، وهو قرار في يد القضاة أنفسهم لكي نتلاشي أخطاء العدالة، أو تأجيل النظر في هذا اللون من القضايا لحين تهدأ نزعات الثأر والغضب، وحتي يستبين الخيط الأبيض من الأسود، ويطمئن الجميع إلي أن الأحكام حين تصدر تكون طبقاً للقانون ولشروط العدالة، ولا شبهة سياسية بها، وهو قرار في يد المجلس العسكري.