رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الإسلاميون يعزلون الشعب الليبى

امينة النقاش

الجمعة, 17 مايو 2013 23:31
بقلم - أمينة النقاش:

تشابه مخيف يسود بلدان ما يسمى دول الربيع العربى فى ساحاتها الرئيسية الثلاث تونس ومصر وليبيا، فقد انتهت الانتفاضات الشعبية فى كل منها، بإسقاط أنظمة حكم استبدادية، بواسطة الحركات الاحتجاجية الشبابية التلقائية التى نجحت فى الحشد عبر استخدام وسائل الاتصال الحديثة، ورفعت شعارات عامة تطالب بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، دون أن تمتلك أى إطار نظرى أو تنظيمى لعملها، فساهمت بقصد فى بعض الأحيان أو بدونه فى كثير منه فى أن يتمكن تيار الإسلام السياسى الأكثر تنظيما، من أن يحصد نتائج هذه التغيرات فى الانتخابات التشريعية والرئاسية، بالرغم من أنه لم يكن هو القوة الأساسية لإحداث هذا التغير، بل ربما كان هو السبب الأساسى فى تأجيل حدوثه.

شيء من ذلك حدث فى كل من تونس ومصر حين أوصلت الانتخابات حركة النهضة وجماعة الإخوان المسلمين إلى الهيمنة على مفاصل السلطة فى كلا البلدين، فدخل الاثنان فى مواجهات مع مؤسسات الدولة القائمة، وأثبتا فشلا فاضحا فى مواجهة أزمات البلدين، وأطلقا يد جماعات إرهابية ترفع شعارات دينية لتصول وتجول فى أنحاء البلدين خارج الأطر القانونية، بزعم تطبيق شرع الله وملاحقة النساء و المعارضين والإعلاميين وإغلاق الفضائيات وتشويه الخصوم السياسيين وحتى اغتيالهم مثلما جرى مع المناضل التونسى شكرى بالعيد، وتدريب ميليشيات خاصة لتحل محل قوى الأمن النظامى، وافتعال معارك وتسريب شائعات تبرر الاختراقات التى تحدث لمؤسسة القضاء والجيش والتعليم!
في ليبيا ساعد التدخل الخارجى لحلف الأطلنطى الثوار فى الإسراع بالإطاحة بنظام معمر القذافى فى أكتوبر 2011، لكن الانتخابات البرلمانية التى جرت قبل شهور فى يوليو 2012 أسفرت عن نتيجة مغايرة لما جرى فى مصر وتونس، فقد شكل تحالف القوى الوطنية بقيادة «محمود جبريل» الداعى لبناء دولة ديمقراطية حديثة داخل المؤتمر الوطنى «البرلمان» أكبر الكتل البرلمانية، وجاءت كتلة العدالة والبناء الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين فى ليبيا فى المرتبة الثانية، ومنذ تلك اللحظة بدأ

التخطيط لتغير تلك المعادلة باقصاء المنافسين من الساحة السياسية نهائيا تحت دعوى أنهم من «أزلام النظام السابق»، فانتشرت الجماعات الدينية المسلحة فى أرجاء البلاد، وعزلت بقوة السلاح عددا من المدن الليبية بينها بنغازى، وانتشرت تلك الميليشيات الخارجة على القانون والنظام العام فى أنحاء العاصمة طرابلس، وهو ما دفع رئيس الوزراء الليبى «على زيدان» لقيادة حملة لتطهير العاصمة من تلك الميليشيات وإجلائهم منها، فما كان من تلك الميليشيات المدججة برشاشات ومضادات للدبابات والصواريخ سوى محاصرة وزارتى العدل والخارجية لعدة أيام، وتشكيل لجنة تسمى تنسيقية العزل السياسى، للمطالبة بإسقاط الحكومة. وتحت التهديد المسلح لتلك الميليشيات أجاز البرلمان الليبى الأحد الماضى قانونا استثنائيا للعزل السياسى، وصفه «محمود جبريل» بأنه سيتسبب فى تفريغ الدولة من كوادرها، لأن عدد المسئولين المستهدفين منه يصل إلى أكثر من خمسمائة ألف شخص. أى نحو خمس الشعب الليبى. وينص قانون العزل السياسى الذى يستخدمه الإسلاميون فى ليبيا لمواجهة القوى الديمقراطية، على حرمان كل من  تولى مناصب قيادية أو مسئوليات إدارية أو وظيفية أو مالية فى كافة القطاعات والشركات والمؤسسات المدنية والأمنية والعسكرية وكل الهيئات الاعتبارية المملوكة للمجتمع أو من تأسيس الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدنى ومن عضويتها هى والاتحادات والروابط والنقابات والنوادى لمدة عشر سنوات كل من تقلد وظيفة فى عهد القذافى فى الفترة من أول سبتمبر عام 1969 وحتى سقوطه فى أكتوبر 2011، حرمانه من العمل السياسى والإدارى ومن الحق فى الترشح والترشيح فى الانتخابات التى ستجرى فى البلاد بمختلف أنواعها، وهو ما يعنى أن عددا ممن سوف يشملهم العزل السياسى طبقا لهذا القانون الذى تم استنساخه من
قانون اجتثاث البعث فى العراق ومشروع قانون العزل السياسى المصرى وقانون الغدر الذى صدر فى بدايات ثورة يوليو، هم قادة العمل الوطنى من ذوى الفرص المؤكدة لنيل الأغلبية فى أى انتخابات مقبلة وعلى رأسهم رئيس المجلس الوطنى الانتقالى« مصطفى عبد الجليل» ورئيس البرلمان الحالى «محمد المقريف» و«محمود جبريل» زعيم الائتلاف الوطنى، فكل هؤلاء ينطبق عليهم التعريف السابق الضيق والمفصل تفصيلا، والذى يصعب معه استثناء ليبى منه فى فترة حكم استمرت اثنين وأربعين عاما، وبدلا من أن يقتصر هذا القانون على من تعاون مع القذافى حتى الرمق الأخير ومن ارتكب جرائم تخضع للمساءلة الجنائية، امتد ليشمل كل من عمل فى أجهزة الدولة الليبية، وكل من انشق على القذافى وعارضه، لأنه لا يقبل بانفراد الإسلاميين بالسلطة، ويتمسك ببناء دولة وطنية حديثة!.
وكما فعل الإسلاميون فى مصر وتونس، فإن إسلاميى ليبيا يوظفون القانون للإطاحة بالمنافسين السياسيين، ويستخدمون الديمقراطية كى تصلهم إلى السلطة، ثم يغلقون نهائيا كل الطرق الممكنة أمام تداولها، ليعاد إنتاج النظام الذى سقط لكن هذه المرة بعمامة ومسبحة وجلابية!
والإقصاء السياسى هو سلاح الأنظمة الاستبدادية التى تعجز عن منافسة معارضيها فتشرع لهم القوانين الاستثنائية. هكذا فعل قانون الغدر الذى صدر فى أواخر عام 1952 للمحاسبة على الجرائم السياسية التى لا تخضع للمساءلة البرلمانية أو الجنائية طبقا لقانون العقوبات مثل تهم إفساد الحياة السياسية، والحصول على مزايا شخصية من سلطة عامة، واستخدام المنصب السياسى للتأثير فى أحكام القضاء، والتأثير فى الأوراق المالية المقيدة فى البورصة للحصول على فائدة شخصية، وغيرها من الجرائم المشابهة، وكان هذا القانون بداية تيار القوانين الاستثنائية والمحاكم الاستثنائية التى سار عليها النظام المصرى فى كل العهود، من محاكم الثورة ومحاكم الشعب، إلى محاكم أمن الدولة ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وهى إجراءات انتقلت من مصر إلى الدول العربية الثورية وصدرت قوانين مناظرة لها فى سوريا والعراق وليبيا، حيث حولت كل هذه الأنظمة القانون من أداة لممارسة الحرية إلى وسيلة للقهر والقمع باسم القانون، وحولت كل خلاف فى الرأى إلى جريمة يعاقب عليها بأبشع العقوبات وأكثرها تشددا، بالاستغراق فى تصفية الحسابات مع الماضى، بدلا من الاجتهاد من أجل بناء المستقبل.
ولأن القوانين الاستثنائية لم توفر الأمن للأنظمة فى كل من تونس ومصر وسوريا والعراق، فهذا هو الدرس الذى يتعين على الإسلاميين الليبيين استيعابه قبل أن يواصلوا حرب الإقصاء والاستحواذ على الحكم.