رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وجه آخر لعبدالرحمن سوار الدهب

امينة النقاش

السبت, 11 ديسمبر 2010 10:54
بقلم‮: ‬أمينة النقاش

توقفت طويلا في الحوار المهم الذي اجراه الزميل‮ »‬محمد الجداوي‮« ‬مع المشير‮ »‬عبدالرحمن سوار الدهب‮« ‬رئيس المجلس العسكري الانتقالي الاسبق في السودان‮ - ‬المصري اليوم‮ ‬20‮ ‬نوفمبر‮ - ‬أمام قوله‮: »‬إن الديمقراطية في السودان تكاد تكون عادت بنسبة‮ ‬99٪‮ ‬وان الشريعة الاسلامية،‮ ‬ليست مفروضة علي كل الولايات السودانية،‮ ‬فلكل ولاية وفقا للدستور الحق في تطبيق ما تراه مناسبا،‮ ‬وان الولايات العشر الجنوبية لا تطبق الشريعة،‮ ‬وانه حتي في شمال السودان،‮ ‬لا يوجد تطبيق واسع للشريعة،‮ ‬سوي في عدم وجود محال للمشروبات الكحولية،‮ ‬وبعض الاشياء المخالفة للشرع‮«‬،‮ ‬ومعني الكلام ان تطبيق الشريعة،‮ ‬كما اضاف لم يؤثر علي الجنوبيين في أي شيء،‮ ‬وليس سبباً‮ ‬فيما يسعون إليه الآن كي يسفر الاستفتاء علي حقهم في تقرير المصير في التاسع من يناير المقبل‮ - ‬بعد اقل من شهر‮ - ‬علي انفصالهم عن الشمال في دولة مستقلة‮.. ‬يقول المشير سوار الدهب ذلك رغم اعترافه في الحديث نفسه ان الجنوبيين قد اعتبروا انفسهم مواطنين من الدرجة الثانية،‮ ‬عندما اصدر الرئيس الراحل‮ »‬نميري‮« ‬قوانين سبتمبر عام‮ ‬1983‮ ‬التي عرفت باسم‮ »‬قوانين الشريعة‮«‬،‮ ‬ورفضه لهذا التصور،‮ ‬مستشهدا بأن نائب رئيس الجمهورية الآن في السودان مسيحي،‮ ‬وهو سلفا كير رئيس حكومة الجنوب،‮ ‬ومؤكدا عدم اعتراضه علي ان يكون رئيس الجمهورية السودانية‮ »‬مسيحياً،‮ ‬مادامت بلادنا ستبقي موحدة‮«.‬

لعب‮ »‬سوار الدهب‮« ‬دورا مهما في تاريخ السودان المعاصر،‮ ‬فقد كان قائدا عسكريا لحامية مدينة الابيض التي ولدبها عام‮ ‬1935‮ ‬حين قام الرائد هاشم العطا بانقلابه اليساري الشهير،‮ ‬فرفض ان يسلم له الحامية،‮ ‬حتي استطاع نميري ان يسيطر علي مقاليد السلطة،‮ ‬ويجري محاكمات هزلية لقادة الحزب الشيوعي السوداني انتهت بإعدامهم جميعا،‮ ‬برغم ان معظمهم لم يكن مؤيداً‮ ‬للانقلاب،‮ ‬ولم يحفظ له نميري هذا الدور الذي ربما مكنه من إفشال انقلاب هاشم العطا،‮ ‬وأبعده تعسفيا عن الجيش في عام‮ ‬1972‮ ‬فغادر

الي قطر حيث أسس هناك الجيش والشرطة القطريين،‮ ‬لكنه حين أشتدت أزمات نظامه أعاده في مارس‮ ‬1985‮ ‬قائدا أعلي للقوات المسلحة،‮ ‬قبيل نحو شهر من العصيان المدني العام الذي قامت به النقابات والاحزاب السودانية،‮ ‬الذي تبلور في انتفاضة شعبية،‮ ‬نجحت في إسقاط نظام نميري،‮ ‬حين انحاز الجيش اليها بقيادة سوار الدهب،‮ ‬حيث عاد نميري من الولايات المتحدة الامريكية الي القاهرة لاجئا سياسيا بها،‮ ‬وتولي سوار الدهب رئاسة المجلس العسكري الانتقالي،‮ ‬الذي شكل بدوره حكومة مدنية انتقالية برئاسة الدكتور‮ »‬الجزولي دفع الله‮« ‬طبيب مناظير الجهاز الهضمي اللامع التي هيأت خلال عام الاجواء لإجراء انتخابات عامة،‮ ‬اتسمت بالنزاهة والشفافية،‮ ‬لنقل السلطة الي حكومة مدنية منتخبة،‮ ‬ولعلي كنت واحدة من صحفيين عرب قلائل كنا شهودا علي أحداث الانتفاضة،‮ ‬وعلي نزاهة الانتخابات التي جرت بعد انقضاء العام الانتقالي‮.‬

وفي صباح‮ ‬26‮ ‬أبريل عام‮ ‬1986‮ ‬كنت وغيري من الصحفيين،‮ ‬أزاحم جماهير سودانية‮ ‬غفيرة،‮ ‬أحاطت بقاعة الشعب،‮ ‬في العاصمة السودانية الخرطوم،‮ ‬كي انفذ الي داخلها،‮ ‬لمتابعة حدث عربي هو الاول من نوعه،‮ ‬فأعضاء الجمعية التأسيسية المنتخبة،‮ ‬يتوافدون الي صحن القاعة،‮ ‬تترامي الي أسماعهم،‮ ‬أصوات الجماهير التي تحيط بالمبني،‮ ‬الذي شيدته رومانيا في طراز معماري يتسم بالجمال والبساطة،‮ ‬وهي تردد أناشيد الانتفاضة وترفع شعاراتها وتدعو نواب الشعب الي المضي قدما نحو تحقيق اهدافها‮.. ‬وفي لحظة اختلطت فيها المشاعر،‮ ‬تحلقت انظار الجميع بالفريق أول عبدالرحمن سوار الدهب رئيس المجلس العسكري الانتقالي،‮ ‬وهو يعترف في خطابه ان الحكم الانتقالي لم تتوفر له الاسباب لإنجاز ما كان يجب إنجازه،‮ ‬ويدعو جون قرنق إلي إلقاء السلاح والمشاركة في بناء

السودان والتمسك بالديمقراطية نهجا وممارسة،‮ ‬ثم وهو يقف كي يسلم رئيس الجلسة ـ أكبر الاعضاء سناً‮ ‬ـ قراري حل المجلسين العسكري والوزاري،‮ ‬ليكون السودان هو البلد الاول الذي سلم فيه العسكريون السلطة،‮ ‬لا لحكم عسكري بديل،‮ ‬بل لممثلي الشعب،‮ ‬ولحكامه من المدنيين الذين تم انتخابهم بحرية ونزاهة‮.‬

في العام الانتقالي كان سوار الدهب قد وعد بإلغاء قوانين سبتمبر التي نسبت زوراً‮ ‬إلي الشريعة وكانت سباباً‮ ‬من اسباب تصاعد حدة المواجهة مع الجنوبيين،‮ ‬والتي عجلت بانتفاضة أبريل،‮ ‬لكنه تراجع عن هذا الوعد،‮ ‬بعد ان تصاعدت حملة الإخوان المسلمين بقيادة د‮. ‬حسن الترابي للدفاع عن بقائها،‮ ‬وتهديد الذين يطالبون بإلغائها واعتبارها مكسباً‮ ‬شعبياً‮ ‬لا سبيل للتراجع عنه‮.. ‬وردا علي سؤالي في الحوار الذي اجريته معه في العام الانتقالي،‮ ‬هل سيلغي قوانين سبتمبر؟‮.. ‬أجاب سوار الذهب‮: »‬إن الشريعة الاسلامية،‮ ‬يدين بها معضم سكان السودان،‮ ‬وإن كانت هناك من مراجعة،‮ ‬فربما تكون لبعض الفقرات التي لم يحسن القائمون بوضع تلك القوانين صياغتها،‮ ‬بطريقة تتماشي مع روح الاسلام،‮ ‬وربما تكون هناك مراجعة لبعض الفقرات الخاصة ببعض القوانين وعقوباتها‮«.. ‬سلم سوار الذهب السلطة لحكم مدني،‮ ‬اصبحت قوانين الشريعة،‮ ‬هي أهم مشاكله وأداة من أدوات الايتزاز والصراع السياسي علي امتداد السنوات الثلاث لحكم الديمقراطية الثالثة في السودان،‮ ‬لتزداد الفرقة بين الشمال والجنوب ويتسع نطاق الحرب الاهلية،‮ ‬بعد أن اعلن الصادق المهدي زعيم حزب الامة،‮ ‬بعد فوز حزبه بالاغلبية في الانتخابات،‮ ‬ان نتائجها قد حسمت انحياز الشعب السوداني الي نهج الصحوة الاسلامي الذي طرحه حزبه آنذاك،‮ ‬بينما دعا الحزب الاتحادي الي تجميد قوانين سبتمبر لا إلغائها،‮ ‬وتشكيل جمهورية إسلامية،‮ ‬كما دعا الإخوان المسلمون الذين اصبح اسمهم الجبهة الاسلامية الي الإبقاء علي تلك القوانين والمطالبة بدستور إسلامي‮.. ‬لم يقدم سوار الدهب علي الخطوة التي كان من شأنها،‮ ‬ان تنقذ حكم الانتفاضة من الانهيار بإلغاء قوانين سبتمبر،‮ ‬التي بقيت موضوعا للسجال الحزبي والمناورات السياسية،‮ ‬والتي ادخلت في روع الجنوبيين مخاوف من حكم ديني يسلبهم حقوق المواطنة،‮ ‬وهي مخاوف سرعان ما تحققت بانقلاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ في يونيو عام‮ ‬1989‮ ‬الذي سانده وعمل في ظله سوار الدهب‮.‬

وحين يقول المشير سوار الذهب اليوم إنه يرضي برئيس جمهورية مسيحي يحكم السودان،‮ ‬مشترطاً‮ ‬أن يؤدي ذلك إلي الوحدة،‮ ‬فما هو الأساس الموضعي الذي يمكن أن يقود إلي ذلك،‮ ‬ولماذا يفترض أن نصدقه؟‮!‬