ثـورات الـعرب.. كيـف؟.. ولمـاذا؟.. وإلي أين؟

امينة النقاش

الجمعة, 06 مايو 2011 16:42
بقلم - أمـينة النـقاش

 

تشهد السنوات التي تسبق الثورات، سيلا من الاحتجاجات، ضد طغيان الحكومة، وأكداسا من الكتيبات، والمسرحيات، والخطب، وتفجرا في نشاط الجماعات الضاغطة صاحبة المصلحة، ولاتستطع الحكومة أن ترتفع إلي المستوي، الذي يطالب به خصومها، وتفشل محاولاتها الطاغية لكبت المعارضة الثائرة، لأن تلك المعارضة، علي درجة كبيرة من القوة، ومزودة بالمعلومات والفضائل، أو لأن تلك المحاولات، تنفذ دون حماس، ودون اقتدار من جانب أعوان الحكومة، الذين تنجح المعارضة في أغلب الأحوال في أن تكسبهم إلي صفوفها. هكذا يرصد المؤرخ الأمريكي "كرين برنتون" المشهد السياسي الذي يمهد لقيام الثورات، في كتابه الرائد "دراسات تحليلية للثورات" الذي أحسنت هيئة قصور الثقافة، فأعادت طبعه وإصداره قبل أسابيع. ولعل هذا المشهد هو العامل المشترك ضمن عوامل أخري لكل الثورات العربية التي نجحت، والأخري التي في طريقها نحو النجاح، بدءا من تونس وانتهاء بسوريا، مرورا بمصر واليمن وليبيا.

تتسم الثورات العربية بعدد من المشتركات، التي تجمع بين البلاد التي اندلعت فيها، ففي مصر وتونس واليمن وسوريا، ساد علي المستوي السياسي نظام تعددي شكلي، لا فرق فيه بين حزب المؤتمر الشعبي العام الذي أسسه الرئيس اليمني علي عبدالله صالح عام 1982 ويرأسه، وبين التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم الذي كان يرأسه زين العابدين بن علي في تونس منذ عام 1988، وبين الحزب الوطني الحاكم في مصر، الذي تولي "مبارك" رئاسته منذ تقلده السلطة عام 1981، فيما عرفت سوريا، صيغة ما سمي، بالجبهة الوطنية التقدمية، التي يقودها حزب قائد هو حزب البعث. وفي كل تلك الحالات، كانت أحزاب المعارضة يتم التضييق عليها، ومحاصرتها،والتدخل في نشاطها، علي نحو جعل التعددية الحزبية في تلك البلاد مجرد شكل يخلو من أي مضمون، لاسيما بعد الدمج بين الحزب الحاكم وبين الدولة،واحتكار قادة الحزب للحياة السياسية والإدارية والتنفيذية، والسيطرة علي كل أجهزة الإعلام، التي أصبحت منحازة بشكل كلي للحزب وقياداته وزعيمه. فضلا عن سطوة أجهزة الامن، التي انتشر نفوذها وتمدد ليصبح لها الرأي النهائي في تولي الوظائف العامة، والتدخل في حرية المواطنين في التعبير عن الرأي وفي حق

التنقل والسفر، وممارسة الاعتقالات العشوائية للمعارضين، وممارسة الحكم بالقوانين الاستثنائية وأحكام الطوارئ!

وشهدت مصر وتونس واليمن انتخابات رئاسية تعددية، كانت شكلية بدورها، إذ جرت بين أكثر من منافس، مع وضع شروط تعجيزية، تجعل المنافسة غير متكافئة، وتسفر عن نتيجة معروفة سلفا. كما جري تفصيل الدساتير والقوانين علي أشخاص، حدث ذلك في تونس، حيث كان يجري الإعداد لتمديد فترة الرئاسة من ثلاث مدد وإطلاقها إلي ما لانهاية، وفي سوريا، تم تخفيض سن المرشح لرئاسة الجمهورية، بحيث يتواءم مع عمر بشار الأسد، عندما توفي والده، من أربعين إلي ستة وثلاثين، وهو عمر بشار عند وفاة والده المفاجئ، وفي مصر تم تفصيل المادة 76، وتعديلها لأهداف معروفة للمصريين جميعا، ولحصر الترشيح بين الرئيس مبارك، وعدد محدود من المرشحين، واستبعاد المستقلين من الحق في الترشح. وكان من الطبيعي مع كل هذه الأوضاع الشائهة، أن تغيب أي فرص لتداول السلطة.

اشتركت هذه الأنظمة بدرجات متفاوتة، في رفع شعارات العدل الاجتماعي، ثم ما لبثت أن أخذت بشكل تدريجي، بسياسة الانفتاح الاقتصادي، وتخلت عمليا عن تلك الشعارات، علي نحو أدي إلي التزاوج بين السلطة والمال، مما خلق طبقة من الفاسدين، تشمل رجال أعمال، ورجالا في الحكم، تدعم هذه الأنظمة وتساندها وتستفيد منها في مراكمة ثرواتها، في الوقت الذي أخذت أحوال الطبقات الشعبية في التدهور المستمر، ولذلك كانت مصر وتونس واليمن، من أكثر الدول تصديرا للعمالة إلي دول النفط، وفي قلب هذه الأوضاع الاقتصادية، تشكلت شرائح من الطبقة الوسطي، التي تعلمت واستقرت أوضاعها، وكانت وقودا للثورات في هذه البلاد.

تعقدت الاوضاع في تلك الدول مع استمرار أنظمتها الاستبدادية الفاسدة، مع صعود التيارات الإسلامية وبروزها كبديل، ومع رفض هذه الأنظمة الاستماع إلي مطالب معارضيها، بادخال اصلاحات في النظم السياسية، تضمن تداول السلطة، وحدا

أدني من العدالة للطبقات الشعبية، وإصرارها علي المناورة، بالسماح بمساحة من الحريات، ضمن خطة تموه بها علي الشعوب، وتوحي لحلفائها الغربيين، بأنها تستجيب لنصائحهم، بتوسيع نطاق الحريات، فيما عوامل السخط والغضب تتراكم لتشمل الطبقات الوسطي والفقيرة.

اعتمدت مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا علي الدعم الأجنبي المباشر وغير المباشر، لما ظنته تهديداً لاستقرارها، ضد خطر الجماعات الإسلامية. ففي مصر اعتمد النظام بدرجة كبيرة علي الدعم الأمريكي والاوروبي، في مقابل محافظته علي الاستقرار في المنطقة، واعتمد النظام التونسي علي الدعم الأوروبي، والفرنسي بشكل خاص، باعتباره أحد أعمدة الاستقرار في المغرب العربي، بينما اتجه النظام السوري إلي التحالف مع إيران، بعد أن تعقدت علاقاته مع الغرب، واضطرت ليبيا إلي تقديم شواهد علي عودتها الي الخيمة الغربية، بعد سنوات من الحصار الأمريكي والغربي عليها، بتفكيك ترسانتها النووية، ودفع تعويضات لضحايا لوكربي، وتعاون النظام اليمني، مع الولايات المتحدة، بعد ان تحولت الجبال اليمنية إلي مناطق تمركز لفلول الأفغان العرب.

وفي قلب هذه التعقيدات تشكلت الظاهرة التي لم يلتفت إليها أحد، وهي استخدام الجيل الجديد من الشباب العربي لوسائل الاتصال الحديثة، لخلق نوع من التواصل، عجزت أجهزة الأمن السياسي التقليدية، عن ملاحقته، وهونت من شأن قدراته، في تكوين حشود يمكن أن تهدد الاستقرار. فضلا عن الدور المهم الذي لعبته الأحزاب والمنظمات الحقوقية، في فضح الانتهاكات التي تقوم بها الأنظمة، والضغوط التي مارستها المنظمات الحقوقية الدولية في هذا المجال.

وفي الحالتين التونسية والمصرية، كان حياد الجيش ودعمه وتخليه عن النظام هو العامل الحاسم، كي تحقق الثورة أهدافها في زمن قصير، ولكن الأمر ليس كذلك في الحالات اليمنية والسورية والليبية، حيث يلعب الجانب القبلي والطائفي دورا في الصراع بما يجعل من الممكن القول إن النموذج الذي يعود الفضل فيه إلي الشعب التونسي، غير قابل للتكرار، إلا في جانبه الحركي الذي نبه الشعوب العربية إلي أنها لو نزلت الي الشوارع بأعداد كبيرة، فسوف تحمي نفسها من أشكال العنف السلطوي، وتربك أجهزة الامن وتشلها عن التصدي لها، وهو ما كشفت عنه التجربة في الحالتين المصرية والتونسية، حين تبين أن تلك الأجهزة ما هي إلا نمر من ورق، وأنها ليست بالقوة التي كانت تشيعها عن نفسها!

الشيء المؤكد أن هذه الثورات، ستؤدي إلي تغيير طبيعة السلطة في العالم العربي، وسوف تفتح الباب أمام انتقال نظم الحكم العربية إلي درجة أرقي من الممارسة الديقراطية، لكن ذلك يبقي رهين أن يستكمل التطور الديمقراطي  خطواته، ويقيم في الدول التي نجحت بها تلك الثورات، أنظمة ديمقراطية، مدنية، وعصرية، عادلة وقادرة أن تسد ينابيع الفساد، وأن تحقق الحياة الكريمة لشعوبها.