خطر داهم علي مصر المدنية

امينة النقاش

الجمعة, 29 أبريل 2011 21:17
بقلم - أمينة النقاش

 

أبدت الصحفية الشابة اندهاشها، حين أجبت علي سؤالها عن رأيي في حل الحزب الوطني، بقرار قضائي، بأن تمنيت أن يكون الحكم متوافقاً مع القانون وليس حكماً سياسياً، وأضفت أنه من حق كل من انتسب إلي الحزب الوطني لأسباب سياسية أن يشكل حزباً جديداً، وأنني أعترض علي دعوات الإقصاء والعزل السياسي، التي تستشري كالوباء في الصحافة المصرية، وهي ترتدي أثواباً ثورية، فيما هي تتعارض بشكل قطعي مع الحريات الديمقراطية، التي تمنح جمهور المصوتين وحدهم الحق في قبول أو رفض الحزب الوطني الجديد، أو أي حزب آخر، في صناديق الاقتراع، وأن أحد أهداف ثورة 25 يناير كان إلغاء سياسات الإبعاد والإقصاء والتجاهل، وأننا إذا قبلنا الآن بسياسات العزل السياسي لأعضاء الحزب الوطني فسوف يمتد هذا العزل في أزمان أخري ليشمل الجميع، وأن الخطر الداهم الآن علي مستقبل التوجه الديمقراطي في مصر، هو الظهور البارز للتيارات الدينية المناهضة للديمقراطية وللتوجهات المدنية للدولة المصرية. قالت لي الصحفية الشابة رداً علي إجابتي، إنني ذهبت إلي عكس ما ذهب كل الآخرين، وعاجلتني صديقتي الإعلامية المخضرمة التي كانت تتابع الحديث، قائلة ليس هناك خطر علي مدنية الدولة في مصر، وأن مخاوفي مبالغ فيها، حتي لو استندت إلي تفاصيل عدة، وجزئيات متناثرة هنا وهناك، وحتي لو تجاوزت تلك التفاصيل الدعوات المطلبية إلي استخدام العنف والبلطجة!

أقامت صديقتي الإعلامية رأيها، استناداً إلي أن الشعب المصري، يمتلك من الوعي، ما سوف يجنبه الاختيارات الخاطئة في الانتخابات البرلمانية القادمة، وأنه قادر علي التفرقة في اختياراته، بين من يعملون لخدمة مصالحه ومن يسعون لخدمة مصالحهم الانتخابية بخلط الدين بالسياسة. تمنيت أن أصدق تفسير صديقتي، لكن الواقع يحفل بتفاصيل تقول عكس ذلك، لن يكون آخرها ما جري في قنا، حين ألغي متظاهرون يرفعون الأعلام السعودية، ويقودهم سلفيون وأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين،

الدولة وتمردوا علي قرارها بتعيين محافظ مسيحي، بأساليب مستحدثة، فقطعوا الطرق، وعطلوا مرافق الخدمات، وهددوا بقطع المياه والكهرباء عن محافظات مجاورة وأجبروا الموظفين علي مغادرة أماكن عملهم، وأعلنوا قنا إمارة إسلامية، يجري الآن اختيار أمير لقيادتها، وهم يهتفون: »نريده مسلم«، فلما اعترض مثقفون من المحافظة علي المظاهرة وشعاراتها التي تؤجج الفتن الطائفية، انطلق فريق من الكتاب والصحفيين في القاهرة كي يخرج المتظاهرين من المأزق الطائفي القبيح الذي أوقعوا أنفسهم فيه، بسرد مبررات ثورية للمترددين، بينها أنهم يعترضون علي شخص المحافظ لا ديانته، لأنه من فلول النظام السابق، وعمل في مباحث أمن الدولة، وبينما المبررات »الثورية« تملأ الفضاء التليفزيوني والصحفي، كانت أصوات المتظاهرين علي »تويتر« والفيس بوك ترتفع »نريده مسلم« وجري عن عمد تجاهل أن اللواء عادل لبيب، الذي يطالب المتظاهرون بعودته إلي قنا محافظاً، كان من أعوان النظام السابق، كما عمل أيضاً لسنوات في جهاز مباحث أمن الدولة، لتخيب محاولات كل من سعي لإبعاد الطابع الطائفي عن أحداث قنا.

ومما زاد قلق كثيرين، أن الحكومة بدت عاجزة تماماً عن التصرف، وحين تصرفت، رفعت شعار داوني بالتي كانت هي الداء، فأرسلت إلي المحافظة وفداً، يضم صحفياً كان برنامجه الفضائي هو أول من أطلق شرارة الأحداث، قبل أن يبدأ التظاهر، حين أعلن أن شعب قنا يرفض المحافظ الجديد، والشيخ محمد حسان أحد أبرز شيوخ السلفية، الذي ذهب إلي قنا، فصدق علي حق المتظاهرين في التمرد علي سلطة الدولة والحكومة، ورفض المحافظ المسيحي!

المشكلة لاتزال قائمة، وقرار الحكومة، بتجميد عمل المحافظ عماد ميخائيل، وتولي السكرتير

العام للمحافظة لمهامه، يقدم حلاً مؤقتاً لها، ويؤجل مواجهتها.

ويشكل الظهور الواسع النطاق للسلفيين الآن في المجتمع المصري، في كل المدن والقري والأحياء، حقيقة واضحة، تقول إن أحداث قنا لن تكون الأخيرة، لاسيما مع التواطؤ بالصمت أو بالمشاركة من التيار الإسلامي بكل توجهاته، مع ممارستهم التي تتسم بالعنف والبلطجة، وتمتد لقطع الأذن والأيدي، وتعقب النساء والفتيات لمنعهن من السير دون حجاب، والتعرض لهن بالضرب والإهانة، حتي في أحياء المدن الكبري، ويترافق مع ذلك أن أصبح الإخوان الآن في واجهة كل تحرك، يقوض بنيان الدولة المدنية، التي تقوم علي مبادئ راسخة، تأخذ فيه حكوماتها موقفاً محايداً، مع اتباع الأديان، والمذاهب المختلفة من رعاياها، ولا تميز بين أحدهم والآخر بسبب دينه أو جنسه أو لونه، وتساوي بينهم جميعاً في الحقوق والواجبات، وفي إتاحة الفرص المتكافئة لهم في تولي الوظائف العامة، وأداء الشعائر، مع الحفاظ علي الآداب العامة، والنظام العام. وتقوم الدولة المدنية، علي مبدأ أن الأمة هي مصدر السلطات، وهي دولة تحكم فيها الأغلبية مع الحفاظ علي حقوق الأقلية، سواء كانت دينية أو مذهبية أو سياسية، وهي دولة لا تخلط بين ما هو ديني وما هو سياسي، ولا تستخدم شعاراً غامضاً، كذلك الذي يروج له الإخوان المسلمون، بدعوتهم لدولة دينية بمرجعية إسلامية، تدعو إلي دولة الخلافة، وتطبق الحدود وتفرض الجزية. وأصبح قادة جماعة الإخوان يتحدثون علناً في أجهزة الإعلام المختلفة عن طبيعة الدولة التي سيحكمون بها، لاسيما بعد أن كشفت السياسة الأمريكية عن عمد ممانعتها في التعامل مع حكم إسلامي في مصر، وتسليمها بأن سيطرة الإخوان علي مقاليد السلطة في مصر أمر بات ممكناً، بالتفاهم معهم بما يحفظ مصالحهم في ضمان أمن إسرائيل، واستمرار تدفق البترول العربي، ومواجهة تيارات العنف الديني المسلح مثل تنظيم القاعدة!

الهجمة الدينية السلفية، علي المجتمع المصري، تهدد ثقافته التعددية المتنوعة في الصميم، وتذهب به إلي حيث مجتمعات القاعدة وطالبان، وهو ما يحتاج من كل القوي الديمقراطية، أن توحد جهودها، في سياق إجماع وطني فعال، لمواجهتها والتصدي لشططها، وتشكيل جبهة من القوي المدنية لخوض الانتخابات القادمة، إذا كنا نسعي إلي بناء دولة حديثة تلحق بركاب العصر، ولا تجر قسراً وبغياً وطغياناً إلي غياهب الظلمات، بأيدي من يهتفون في المساجد والمظاهرات، والندوات: إسلامية.. إسلامية لا علمانية ولا عسكرية!