رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قانون الأحزاب.. خطوة للأمام وخطوتان للوراء

امينة النقاش

السبت, 02 أبريل 2011 09:11
بقلم :أمينة النقاش

 

المشهد السياسي في مصر يغلب عليه الارتباك بشكل ملحوظ، قد يكون طبيعياً، إذا ما أخذنا في الاعتبار، أن رحيل رأس النظام لم يكد يمضي عليه سوي أقل من شهرين، وأن الأعباء التي ينوء بها كاهل المجلس العسكري الحاكم، تفوق كل احتمال، وأن قائمة الأولويات العاجلة أمامه أطول مما نتخيل، لاسيما وقد كشفت ثورة 25 يناير مدي الخراب والنهب والفساد الذي حل بمؤسسات الدولة والحكم، وحولها إلي بؤر لإدارة شبكات المصالح الخاصة والفردية، علي حساب مصالح الشعب والوطن. لكن هذه الأعباء الجسيمة لا تعفي المجلس العسكري الحاكم من المسئولية عن اتساع حجم الانتقادات المجتمعية، للطريقة التي يصدر بها القوانين والمراسيم التي تتحكم في رسم خارطة مستقبل مصر السياسي، في الفترة الانتقالية وما بعدها، والتي تتسم بالتعجل، وعدم الرغبة في إشراك الجماعات السياسية المعنية بتلك القوانين، في مناقشتها، أو تأمل مشاريع القوانين التي سبق للأحزاب والقوي السياسية والمنظمات الحقوقية أن أعدتها للاستفادة منها، إذا كان الهدف من تعديل تلك القوانين، هو السير في اتجاه ترسيخ الحريات الديمقراطية، وليس تقييدها!

قامت ثورة ٥٢ يناير لتقوض حكما احترف التعالي علي مواطنيه، وتعامل معهم بغطرسة واستعلاء، فضلاً عن العناد والإقصاء، وإعادة إنتاج هذا الواقع انسياقاً وراء نصائح مستشارين يقتلهم الطموح الشخصي، وتتنازعهم المصالح الخاصة، والتقلبات السياسية، وتنقصهم النزاهة الفكرية، والاستقامة الشخصية، هو أمر يهدد باتساع فجوة عدم الثقة بين المجلس العسكري الحاكم، والمواطنين من جهة، وبينه وبين المجتمع السياسي من جهة أخري، ويجعل شعار الثورة »الجيش والشعب يد واحدة« محلاً للمساءلة!

أخل المجلس العسكري بوعده، بطرح مشاريع القوانين للنقاش المجتمعي، فأصدر التعديلات الدستورية دون مشاورة، وأسرع في إجراء الاستفتاء عليها، فتعززت الروح الطائفية التي أحاطت بالتصويت علي مواده، وبدلاً من أن ينظم حق التظاهر ويحدد شروطه، أصدر قانوناً يجرمه ويغلظ عقوباته وغرامته التي وصلت إلي نصف مليون جنيه، بينما البحث عن بدائل وخيارات تعزز الحق في التظاهر، دون الإخلال بالمصالح العامة كان ممكناً، بإشراك الرأي

العام في الحوار حول نصوص القانون قبل إصداره، وهو المصير نفسه الذي لحق بصدور قانون الأحزاب الجديد، الذي لو حرص من أصدروه علي طرحه للنقاش لربما تلافوا أوجه النقد التي وجهت إلي بعض بنوده.

ومن دواعي الإنصاف القول: إن المرسوم بقانون رقم ٢١ لسنة ١١٠٢ بتعديل بعض أحكام القانون ٠٤ لسنة ٧٧٩١ الخاص بنظام الأحزاب السياسية، ينطوي علي بعض الإيجابيات، التي تجعله خطوة للأمام، قياساً لما كان قائماً، بينها أن القانون الجديد نسف فكرة سيطرة الحزب الحاكم علي التصريح أو عدم التصريح، بتشكيل الأحزاب، وذلك عن طريق إلغاء رئاسة رئيس مجلس الشوري للجنة الأحزاب، لكي يكون الرئيس الجديد لها هو نائب رئيس محكمة النقض بحكم موقعه، كما أقر القانون الجديد تشكيل اللجنة كلها من قضاة بحكم مواقعهم، أو باختيار الجمعيات العمومية للمحاكم التي ينتمون إليها، وإلغاء عضوية وزراء الداخلية والعدل ووزير شئون مجلسي الشعب والشوري، المنتمين للسلطة التنفيذية، ولحكومة الحزب الحاكم، وإلغاء عضوية الشخصيات العامة منها، والتي كان للحزب الحاكم الدور الرئيسي في اختيارها، وبذلك أصبحت لجنة الأحزاب لجنة قضائية محايدة ومستقلة. من جانب آخر أغلق القانون الجديد باب التسويف في النظر في طلبات تشكيل الأحزاب، وأصبحت اللجنة القضائية الجديدة، مطالبة بأن تبت في طلب الحزب الجديد خلال شهر سواء بالإيجاب أو بالصمت، فيعتبر الحزب قائماً، في اليوم الحادي والثلاثين لتقديم الطلب، أو بالرفض، فيحتكم مقدمو طلبه إلي المحكمة الإدارية العليا.

تركزت عيوب القانون الجديد في عدد من الملاحظات بينها: غموض النص في فقرة في البند الثامن منه تشير إلي حق اللجنة في سبيل مباشرة اختصاصها، في طلب المستندات والأوراق والبيانات والملاحظات التي تري لزومها من ذوي الشأن، في المواعيد

التي تحددها لذلك، ويكمن الغموض في أن المشرع لم يحدد موعداً لاستيفاء الأوراق والبيانات، ولم يبن هل مدة الاستيفاء تدخل في مهلة الشهر أو قبله، مما يفتح الباب للتسويف في نظر الطلب، ويبطل مدة الشهر التي منحها في نص آخر للموافقة أو عدم الموافقة علي الحزب، وبالتالي فالمادة تحتاج إلي إعادة صياغة، بحيث تطلب اللجنة بياناً بالأوراق التي تريدها مرة واحدة، وتحدد شهراً أو أربعين يوماً لفحصها، ويعتبر تقديم هذا الطلب من تاريخ تقديم تلك الأوراق.

ومن بين عيوب القانون الجديد أيضاً رفع عدد المؤسسين للحزب من خمسين في القانون ٠٤ لسنة ٧٧٩١ ثم ألف في التعديلات التي أدخلت عليه في القانون ٧٧١ لسنة ٥٠٠٢ إلي خمسة آلاف عضو بنسبة زيادة ٠٠٥٪ مرة واحدة، وهو يمكن أن يشكل عقبة أمام إنشاء الأحزاب التي يفترض أن تبدأ صغيرة ثم تنمو بعد ذلك، فضلاً عن أن حملات التشكيك التي طالت الحياة الحزبية في المراحل السابقة، قد نجحت في إفقاد المواطنين الثقة في فكرة الحزبية نفسها وفي جدواها، بعد الركود الذي لحق بها عمداً في السنوات السابقة، وإذا كنا ننتقل الآن إلي مرحلة إعادة صياغة مستقبل بلدنا السياسي، فمن المفيد أن يعدل هذا الرقم ويقلل ليتراوح بين ألفين وألفين وخمسمائة من المؤسسين.

يشترط القانون، إعلان أسماء مؤسسي الحزب الجديد، في صحيفتين ذائعتي الانتشار، فإذا ما علمنا أن صفحة الإعلان في مثل تلك الصحف، تتجاوز ثلثمائة ألف جنيه، وأن نشر خمسمائة ألف اسم يحتاج إلي صفحتين علي الأقل، فإن معني ذلك أن طالبي إشهار الحزب مطالبون بدفع أكثر من مليون جنيه، قبل أن يبدأوا أي نشاط أو أي يجمعوا أي اشتراكات، وهو ما يتطلب تيسيراً علي الأحزاب تغيير هذا النص إلي نشر أسماء المؤسسين علي موقع علي النت، أو نشره في الجريدة الرسمية، بحيث يلتزم الحزب بنشر إعلان صغير في الصحف المذكورة، علي المواقع الإلكترونية التي نشرت أسماء مؤسسيه، أو رقم عدد الجريدة الرسمية.

يبقي أخيراً أن إلغاء الدعم الذي خصصته المادة ٨١ من القانون ٧٧١ للأحزاب، يتطلب المراجعة، فالفكرة الأساسية وراء الدعم الحكومي للأحزاب في عدد ليس قليلا من الدول الأوروبية، تقوم علي الإدارة السياسية التي ترمي إلي ترسيخ الحياة الديمقراطية من جهة، ومن جهة أخري السماح للأحزاب الصغيرة والفقيرة بالقدرة علي المنافسة، والحيلولة دون تلقي الأحزاب لتمويل أجنبي، وبقاء هذا النص مع غيره يفتح الباب لتشكيل الأحزاب أمام الأثرياء ورجال الأعمال وحدهم، وعلي الفقراء أن يمتنعوا عن ذلك!