رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بدلاً من الانقسام حول دستور جديد

امينة النقاش

الجمعة, 26 أكتوبر 2012 22:14
بقلم: أمينة النقاش

فى نفس الأسبوع الذى صدر فيه حكم محكمة القضاء الإدارى بإحالة الطعون التى تشكك فى مدى دستورية القانون 79 لسنة 2012 الخاص بتشكيل الجمعية التأسيسية للدستور ومعايير انتخاب اعضائها الى المحكمة الدستورية العليا الذى وصفته المحكمة بأنه ينطوى على شبهة اساءة استعمال سلطة التشريع والانحراف بها،

تلقت ما وصف بأنه المسودة الاولى من الدستور موجة هائلة من الاعتراضات من داخل الجمعية التأسيسية ومن خارجها، حيث ينطوى الارتباك الذى يسيطر على عمل الجمعية التأسيسية والتصريحات المتناقضة الصادرة عن بعض أعضائها على تأكيد أن مشكلة التأسيسية ليست كما قيل من خارجها لكن أساسا من داخلها، بداية من ضمها عددًا من الاعضاء لم يوضع الحد الادنى من الكفاءة والخبرة القانونية والدستورية فى اختيار بعضهم، فتصرفوا وكأنهم فى سبيلهم الى اختراع العجلة، وانه لا مرجعية لهم فى صياغة نصوص الدستور، وكأن مصر لم تضع من قبل تسعة دساتير يرجع أولها الى عام 1882، فكان من الطبيعى والحال هكذا ان تتسم النصوص الواردة بالمسودة بالعمومية الشديدة وتفتقر الى التحديد، وتمتلئ بالصياغات المكررة والغامضة والركيكة، ولم يعرف حتى هذه اللحظة هل تم اقرارها من كل اعضاء لجنة المائة ام هى مجرد مسودة طرحتها احدى لجان الجمعية التأسيسية هى لجنة الحوار والتواصل المجتمعى التى يرأسها الدكتور محمد البلتاجى، فضلا عما احتوته من قيود على الحريات العامة.
اصطفاف غير مسبوق من الاحزاب والقوى السياسية لرفض مسودة الدستور، وسجال حاد بين موقفين متعارضين تستحيل امكانية التقريب بينهما بين من يطالبون بامكانية تعديل المسودة المطروحة، ومن يعترض من الاصل على طبيعة الهيئة التى تقوم بوضع الدستور، وهى اشكالية يصعب معها التوافق الوطنى بشأن نصوصه. وشكلت مجموعة الـ"17" ابرز تحرك من داخل الجمعية التأسيسية لرفض مسودة الدستور والتى تصدرها "عمرو موسى" وايمن نور" "ووحيد عبد المجيد" و"عبد الجليل مصطفى"، وضمت مجموعة مهمة

من الخبراء والمتخصصين بينهم الدكاترة "جابر نصار" "وسعاد كامل" و"رفعت لقوشة"، بالاضافة الى ممثلى حزب الوفد "فؤاد بدراوى" "وبهاء ابو شقة" و"كاميليا شكرى". وفى بيانها اوضحت مجموعة الـ "17" ان مسودة الدستور تضمنت نصوصًا لم توافق على عدد كبير منها، وانها احتوت على نصوص مؤقتة وافكار لم تصل بعد الى مرحلة التوافق العام بشأنها داخل الجمعية، فضلا عن ان بها نصوصا تخرج على انماط الدساتير ورصانة صياغتها، ومواد يتعين الغاؤها بالكامل.
وفى مفاجأة لم تكن متوقعة من قوى محسوبة بتحالفها مع جماعة الاخوان المسلمين، أعلنت حركة 6 ابريل جناح" احمد ماهر" انضمامها الى مجموعة الـ 17 برفض مسودة الدستور، لاعتراضها على بقاء مجلس الشورى ولما تقول انه ترسيخ للوصاية العسكرية على الحياة المدنية بالنص على عدم فرض رقابة على ميزانية القوات المسلحة ، وعلى أن رأى مجلس الدفاع الوطنى المشكل من اغلبية عسكرية وجوبى، واعطاء رئيس الجمهورية منفردًا الحق فى تعيين الموظفين العسكريين، وعدم وضوح باب نظام الحكم وإدخال تشكيل الحكومة فى متاهات بين رئيس الدولة والبرلمان،وترسيخ مبدأ ثيوقراطية الدولة بما يؤدى الى هيمنة رجال الدين على الحياة العامة، بالنص على ان النظام الديمقراطى يبنى على الشورى، وتقييد مبادئ الشريعة بأحكامها، و وضع الحركات والكيانات السياسية فى سياق المواد الخاصة بالاحزاب بما يخضعها لرقابة الشئون الاجتماعية ، وتضمين مواد الحقوق والحريات عبارة " بما لا يخالف شرع الله" مما يدفع بالتفسيرات المتشددة فيما يتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة، والعدول عن الاتفاق المبدئى بأن تكون حرية الاعتقاد مطلقة، بحيث لا تقتصر حرية العبادة على الديانات
السماوية، هذا بالاضافة الى تأكيد رئيس الحركة "أحمد ماهر" ان غياب التوازن فى التمثيل السياسى والمجتمعى داخل الجمعية التأسيسية، وهيمنة تيار سياسى معين على تشكيلها،هو السبسب فى رأيه وراء هذا الترهل فى مسودة الدستور، فضلا عن الصراع السياسى داخل الجمعية وغياب روح المناقشة المتخصصة!
ومن داخل الجمعية الـتأسيسية اعترض ممثلو التيار السلفى الذى يصادف ان يكون عددهم 17 ايضا على مسودة الدستور، دعوا الى مليونية الجمعة القادم الثانى من نوفمبر لرفض الدستور والمطالبة فورا بدستور يطبق احكام الشريعة لا مبادئها كما تنص المادة الثانية بمسودة الدستور، ويرفض كل نصوص تشير الى المساواة بين الرجل والمرأة، وإعادة النظر فى المعاملات الاقتصادية التى تجيز الربا المحرم اسلاميا. ومن خارج الجمعية الـتأسيسية اعترض حزب التجمع منذ البداية على التشكيل الذى آلت اليه الجمعية التأسيسية وطالب بحلها وإعادة تشكيلها بتوافق وطنى عام.
اتسع نطاق الاصطفاف السياسى لرفض الجمعية التأسيسية للدستور بتشكيلها الحالى ورفض كل ما ينتج عنها لتشمل أكثر من عشرين حزبا وائتلافا وحركة سياسية بينهم حزب الدستور بقيادة الدكتور "محمد البرادعى" والتيار الشعبى بقيادة "حمدين صباحى" والحزب المصرى الديمقراطى والمصريين الاحرار وجبهة نساء مصر واتحاد العمال المستقل، الذين وصفوا مسودة الدستور فى بيان مشترك بالتغول على الدستور، ومنح الرئيس صلاحيات تساهم فى خلق فرعون جديد.كما رفض مسودة الدستور حزب مصر القوية بقيادة الدكتور "عبد المنعم ابو الفتوح"، وفى مذكرة ارسلها نادى القضاة الى الجمعية التأسيسية، رفض النادى المسودة الاولى للدستور واكد انه لن يسمح بتمرير نصوص تتعارض مع استقلال القضاء ، وتحدث خللا فى فى منظومة العدالة لانها لا تعبر عن جموع القضاة واعضاء النيابة العامة.
معنى ما سبق ان التوافق بشأن الدستور الجديد فى قلب هذه الانقسامات الحادة والاعتراضات الواسعة أمر غير ممكن، وبات واجبا وطنيا البحث عن مخرج من هذه الازمة المحتدة إما بالابقاء على الاعلان الدستورى قائما لمدة ثلاث او اربع سنوات، او تضاف التعديلات الدستورية التى جرت فى مارس من العام الماضى الى دستور 1971 مع احداث بعض التعديلات المحدودة اليه ليعمل به كدستور مؤقت، فى الفترة نفسها، حتى يكون الوضع الاقتصادى والاجتماعى المثقل بالازمات المتراكمة قد استقر،والفتنا جميعا للبحث عن حلول عقلانية لتلك الازمات التى يبدو انها باتت مفتوحة على كل الاحتمالات، وحينها يمكن التوصل لتوافق وطنى عام لكتابة دستور جديد.