رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حلمى سالم .. مسافر زاده الخيال

امينة النقاش

الجمعة, 10 أغسطس 2012 22:46
بقلم - أمينة النقاش:

وكأن حلمى سالم (1951-2012) كان يكتب عن نفسه وهو يصدر كتابه «عم صباحا ايها الصقر المجنح» الذى جمع فيه القصائد المصرية والعربية التى كتبت عن الشاعر الراحل «أمل دنقل» بكلمة عنه للشاعر «أحمد عبدالمعطى حجازى» يقول فيها:كان السرطان يأخذ من جسده الناحل، فتزداد روحه تألقا وجبروتا حتى كان باستطاعة زواره وعائديه ان يروا صراعه مع الموت رأى العين..صراع بين متكافئين : الموت والشعر، وفى اللحظة التى وقع فيه الجسد بكامله بين مخالب الوحش، خرج «امل دنقل» من الصراع  منتصرا، لقد اصبح صوتا محضا، صوتا عظيما  سوف يتردد، أصفى وأنقى من اى وقت مضى.

فى الاشهر الاخيرة اصيب «حلمى سالم « بسرطان الرئة،كان قبلها بعام وأكثر قد اكتشف تلفا فى كليتيه، ربما نجم من آثار قديمة لمرض البلهارسيا الذى يحمله ابناء الريف عادة فى احشائهم، ويهجم عليهم كوحش كاسر مرة واحدة دون سابق انذار.ولد حلمى فى قرية «الراهب» الصغيرة  احدى قرى ريف المنوفية، ويقول حلمى انها سميت كذلك  لان احد معالم القرية هو مقام للشيخ على الراهبى.. قال له الاطباء سوف تتحملك كليتيك ثلاث سنوات قبل ان تحتاج الى غسيلهما اسبوعيا، فرح حلمى بهذه الهبة الإلهية، «ثلاث سنوات سوف أعيشها بلا منغصات ان هذا والله لوعد جميل» بعدها بستة اشهر هجم عليه وحش اخر هو السرطان ليجعل هذا الوعد أمرا مستحيلا. تألق حلمى سالم الشاعر والانسان  كما لم يحدث من قبل، قرر ان يصارع المرض الذى أذل كبرياءه واعتداده بنفسه، بالشعر الذى أحبه أكثر من اى شئ اخر فى الحياة ،بل اعتبره هى الحياة نفسها  فكتب ديوانه الاخير « معجزة التنفس» الذى هرب من المستشفى 

العسكرى الذى كان يعالج به، بعد ان كتب تعهدا على نفسه بتحمل مخاطر ذلك كى يلقى قصائد ديوانه الاخير على اصدقائه واحبائه  فى ليلة من الليالى الرائعة فى مقر حزب التجمع، يقول حلمى سالم «.. هناك قيمة ومعنى كبيران  لآن اكون  شاعرا الآن  وامس والغد،  هنا وهناك فى اى مكان وفى اللامكان، ذلك يرضينى ويمتعنى، ويجعلنى أشعر انى شخص لا بأس به، وهذه هى القيمة الكبرى  والاولى للشعر عندى أما أثر ذلك أو فائدته او جدواه فى بلدى أو فى البلاد العربية أو فى الكون كله ففى مستوى تال من الاهتمام. أنا أسعد وأفرح حين أكتب، لان كتابتى للشعر تصلحنى وتصالحنى مع نفسى».
أنتمى «حلمى سالم» الى  جيل السبعينيات من القرن الماضى الذى حطمته هزيمة يونيو عام 1967 فانفجر فى مظاهرات الطلبة فى عام 1968 التى طالبت بمحاكمة المسئولين عنها، وتصدى فى عقد السبعينيات للدفاع عما تبقى من منجزات ثورة يوليو الاجتماعية والوطنية وهو يرفع شعار «كل الحرية للشعب وكل التفانى للوطن» ولمعت فى هذا الجيل اسماء  أحمد عبدالله رذة، واحمد بهاء شعبان، وماجد ادريس وسهام صبرى وأروى صالح وحسام سعد الدين  ومجدى احمد حسين وغيرهم برز بينهم  حلمى سالم  ككاتب وشاعر ومؤسس لمدرسة مجلة «إضاءة 77»  الشعرية  التى بشرت بقصيدة النثر وتعد تمردا  على قصيدة التفعيلة، او تطويرا لها وفتح آفاق جديدة امامها، وامتدادا لخط قائم فى التراث العربى
الاسلامى القديم، منذ «أبوحيان التوحيدى» ينحو الى استخدام الايقاع والمجاز دون تفعيلة او قافية ،وفى هذا السياق يقول حلمى سالم «ليست قصيدة النثر فى ذاتها افضل من القصيدة السابقة لها لمجرد كونها نثرا،فلا فضل لنثرى على تفعيلى  الا بالشعر الحق، لان الاعتقاد بأن نثرية القصيدة فى ذاتها تعطيها الشرعية،هو اعتقاد متطرف مماثل لتطرف الاعتقاد الذى كان يرى ان مجرد الوزن  يعطى للقصيدة شرعيتها.. وفضلا عن اللاوزن احتوت قصيدة النثر على بعض الهموم البسيطة لا الكبيرة، كما ابتعدت عن الايديولوجيا السياسية  الساخنة الى كانت تملأ القلب والعين والسماء».
ابتعد «حلمى سالم»  عن التحريض السياسي المباشر أو الايديولوجيا  لكنه فى كتاباته النثرية والشعرية  التى نهلت كثيرا من كتب التراث العربى، مزج  بوضوح وبساطة بين انتمائه السياسى والاجتماعى لليسار وبين اختياراته الجمالية والفنية دون ان يطغى احدهما على الآخر، بهدف إبراز الحقيقة كما هى دون  تلوين، وخلق وعى جديد يكون من شأنه  إدراك البشر للاسباب التى تؤدى الى  بؤسهم وقهرهم وفقرهم وقبح حياتهم.
لم يكن «حلمى سالم» يهوى الشعارات الزاعقة  والاصوات الصاخبة  إلا حين مشاركته فى مظاهرة، أو حين القائه للشعر، حيث تنبض كل خلية فى جسده بالحياة، ويتمايل جسده طربا وافتتانا بالكلمات التى يلقيهان سواء فى ندوات القاهرة، أو فى حصار بيروت، أو فى المخيمات الفلسطينية» حيث عمل فى صفوف المقاومة الفلسطنية اثناء الغزو الاسرائيلى  للبنان  قبل عودته للعمل فى صحيفة «الأهالى» ومجلة «أدب ونقد» الذى رحل وهو رئيس لتحريرها قدم من خلالها للحياة الثقافية أجيالا جديدة من الشعراء والمبدعين والباحثين، من مصر والعالم العربى كاشفا بذلك عن جانب آخر من شخصيته الآسرة وهو الاحتفاء بالمواهب الشابة وتقديم كل ماهو ممكن من وسائل العون لها.
عاش «حلمى سالم» بمقياس الزمن عمرا قصيرا، فقد فارقنا وهولم يتجاوز 61 عاما، لكنه كبير بحجم الإنجاز الفكرى والفنى والثقافى والابداعى الذى خلفه، وبالنموذج الإنسانى الفذ الذى قدمه وانطوى على  تركيبة فريدة ومدهشة من الرقة والعذوبة  والقدرة غير المحدودة على المحبة والتسامح وبعث الأمل، واستنهاض الهمم الظلم والظلام ويبدو فى رحيله وكأنه «صرح من خيال هوى».