حين تخرج الأغلبية الصامتة علي صمتها

امينة النقاش

الجمعة, 18 مارس 2011 16:07
بقلم :أمينة النقاش

من أبرز النتائج التي أسفرت عنها ثورة 25 يناير هي أنها أعادت رجل الشارع إلي السياسة، بعد أن أجبر علي اعتزالها علي امتداد نحو ستين عاماً لأسباب شتي، مرة حين تمت مقايضته علي أخذ حرياته الاجتماعية، في مقابل تخليه عن حرياته السياسية، ومرة ثانية حين سلبت منه حرياته الاجتماعية، في مقابل تحرر ديمقراطي شكلي، فهجر السياسة والوطن بحثا عن لقمة العيش، وأنهكته تلك المعادلة علي امتداد الأربعين عاما الأخيرة، وغيبته بحكم الضرورة، لا الرغبة، عن الاهتمام بالشأن العام، وعن المشاركة في آلياته السياسية، إلي أن أعادته ثورة يناير إلي الحلبة مرة أخري، لعلها أن تكون الأخيرة لتفكيك هذه المعادلة، التي كبدت الوطن خسائر فادحة بداية من هزيمة يونيو 1967، وليس انتهاء بالعجز الفاضح عن قيادة مشروع وطني للتنمية والتحديث، حين تم تخيير المواطنين بين الحرية وبين العدل الاجتماعي، أخرجت الثورة الأغلبية الصامتة عن صمتها، وفي القلب منها الشباب والأقباط، حيث لم تعد الكنيسة وحدها هي ملجأهم، كلما تعرضوا لما يعتبرونه انتقاصا من حقوق المواطنة، أو عدوانا علي ممارسة حقوقهم في العبادة. ولعل إحدي أهم نتائج الثورة، أن الأقباط بدأوا يربطون بين ما يتعرضون له، بالمطالب الديمقراطية العامة، وأخذوا في ممارسة الأساليب الديمقراطية في التعبير عن آرائهم، وعن مشاكلهم التي تراكمت بفعل القصد والإهمال والاستبداد، والمعالجات الأمنية الخبيثة، أدرك الأقباط بعد طول صمت وانكفاء علي الذات، والتجاء إلي الكنيسة أن مشاكلهم تحل في إطار سياسي عام، لا يقتصر عليهم وحدهم، بل يشمل بقية فئات الشعب، وهذا التطور المهم في المشهد السياسي، يطرح من جديد قضية دور المؤسسة الدينية الاسلامية والمسيحية في مصر، ومخاطر جمع هذا الدور بين الديني والسياسي.

وفي معظم مراحل التاريخ المصري، كان من الضروري والمشروع معا أن توظف  المشاعر الدينية التي تستخدم شعارات كل الأديان وتمزج بين الوطنية وبين الدين، ولا تضعهما موضع مواجهة، لحفز المواطنين علي المشاركة في الحروب الوطنية ومعارك التحرير والاستقلال، حدث هذا في الثورة العرابية، كما حدث في ثورة 1919، في مواجهة ادعاء سلطات الاحتلال البريطاني، بأنها لن ترفع الحماية عن مصر، من أجل حماية الأقليات الدينية، فارتفع شعار عاش الهلال مع الصليب، وخطب القسس في الجوامع، والمشايخ

في الكنائس، وتحدث المشكلة حين يتحول الدين الي وطن، فيصير دين المسلم هو وطنه، ويمسي وطن المسيحي هو كنيسته، وتصبح المؤسسة الدينية لكل منهما، هي الحزب السياسي، الذي يمثل أتباعه.

ومن الناحية الفعلية، فإن "الأزهر" هو معهد تعليمي أنشأه الفاطميون بعد فتح مصر، ليصبح رمزا للسيادة الروحية للدولة الفاطمية، ومنبرا للدعوة الشيعية، وتدريس تعليمها في الفقه والفلسفة والتوحيد، علي امتداد نحو قرنين من الزمن، حتي عصر صلاح الدين الأيوبي، الذي أعاد مصر إلي الفقه السني، وأوقف التعليم في الأزهر، وظل هذا التوقف ممتدا حتي انهيار الدولة الأيوبية واستيلاء المماليك علي حكم مصر، وعودة الأزهر ليمارس دوره كجامعة دينية تدرس المذاهب السنية الاربعة. وفي سعيهم لردم الهوة العميقة بينهم وبين المصريين، لجأ المماليك، بجانب ذلك، إلي دعم الأزهر كمؤسسة تلعب دورا سياسيا، لمساندة سلطتهم الحاكمة، ليصبح بذلك وسيطا بينهم وبين الشعب الذي كانوا يجهلون لغته!

هذه النظرة للأزهر كجامعة دينية، وكموسسة تلعب دورا سياسيا، استمرت منذ العصر المملوكي والعثماني، وحتي عصور التاريخ المصري الحديث والمعاصر، مع تفاوت في بروز أي من الدورين، التعليمي والسياسي، علي حساب الدور الاخر، وارتبط هذا التفاوت، بطبيعة النظم الأكمة، وبموازين القوي السائدة في المجتمع. ومع صدور القانون الذي ينظم عمله وشئونه في عام 1960، استقرت مؤسسة الأزهر بنص قانوني صريح، كمعهد لتعليم العلوم الدينية، ثم كجامعة لتدريس العلوم العصرية، ولم يكن له في اي وقت، أي سلطة فيما يتعلق بالشئون الدينية للمسلمين، وعلي سبيل المثال فإن وزارة الاوقاف هي التي ينيط بها القانون إنشاء المساجد، وإدارة الأوقاف الإسلامية.

الأمر اختلف فيما يتعلق بالكنيسة المصرية، فالمسيحيون المصريون ارتبطوا ارتباطا وثيقا بالكنيسة، بسبب تعرض الأوائل منهم إلي اضطهاد واسع النطاق، حين دخلت المسيحية مصر في القرن الأول الميلادي من ناحية، وحين انشقت الكنيسة الشرقية عن الكنيسة الغربية من ناحية اخري، هذا فضلا عن أن الارتباط الوثيق للمسيحيين بالكنيسة، يرجع في

الأساس من طبيعة الوظائف التي تؤديها في حياتهم العملية والدينية، مثل تنظيم حياة الرهبان والإشراف علي الأديرة، وحفظ سجلات الزواج التعميد والوفاة، ونظر مشاكل الاحوال الشخصية، بالإضافة لما تقوم به من أدوار ثقافية وتعليمية وفنية ورياضية وخدمات اجتماعية. باختصار كانت الكنيسة المصرية طوال تاريخها مؤسسة دينية، ينصب نشاطها الاساسي علي رعاية الجوانب الروحية في حياة الاقباط، الذين تنظم شئون حياتهم الدنيوية، ومعاملاتهم الحياتية، التشريعات الإسلامية باعتبارها القوانين المنظمة للمجتمع ككل، ولم تلعب دورا سياسيا في حياة الاقباط، الذين كانوا قد أدركوا منذ ثورة 1919، أهمية أن يندمجوا في الأحزاب السياسية القائمة، وتكتلت الاغلبية النشطة منهم في حزب الوفد، الذي قاد الثورة،وصاغ شعارتها الوطنية والديمقراطية والعلمانية.

وعلي امتداد فترات التاريخ المصري المختلفة، كانت الكنيسة تمارس دورها التقليدي في حياة المسحيين بعيدا عن السياسة، وكان الأزهر يؤدي مهمته  كمعهد تعليمي، وكمؤسسة للبحث والدعوة،برغم انغماس بعض مشايخه في الصراع السياسي الحزبي، حتي هزيمة يونيو 1967، التي شكلت مسارا مختلفا، في وظيفة كل منهما، في اتجاه الانغماس بصورة اكبر في القضايا الساسية، إذ ادت هزيمة المشروع القومي الي انتعاش خيارات التيارات الإسلامية الداعية الي قيام دولة دينية، وما لبثت دعوتهم نحو ذلك ان وجدت لها صدي لدي الجماهير، التي حطمت معنوياتهم صدمة الهزيمة، وقد أثار تصاعد الدعوة لدولة دينية، علي امتداد العقود الماضية ردود أفعال عنيفة تمثلت في العنف الطائفي منذ حادث الخانكة وحتي أحداث اطفيح والمقطم ومنشية ناصر، تبلورت حول عدد من الحقوق القانونية، بينها إلغاء المفروضة علي بناء وترميم الكنائس والاديرة، وإصدار قانون موحد لناء دور العبادة، وأدراج الاعياد الدينية للأقباط ضمن الأعياد التي يعطل فيها العمل في الدوائر الرسمية، ووقف التمييز ضدهم في تقلد المواقع القيادية، والترقي في وظائف الدولة الإدارية، وعدم نجاح مرشحيهم في الانتخابات العامة، لاتجاه التصويت فيها إلي أسس دينية، مما قلص فرصهم في التثيل داخل البرلمان إلا عبر التعيين، وفي مواجهة ضعف الحركة السياسية والحزبية، وانشغال النظام السابق بتحطيم الاحزاب، لكي يضمن لنفسه الأغلبية الدائمة في البرلمان، انسحب الأقباط من الحياة الحزبية والسياسية، واعتصموا بالكنيسة، كممثل سياسيي لهم، تدافع عما يتعرضون له من اضطهاد وتمييز، وتتفاوض باسمهم مع السلطات الرسمية، ولجأ المسلمون إلي المساجد والدعاة والمشايخ، ليلعبوا دوورا في حياة معظمهم البائسة.

وهكذا تحول المجتمع المصري من مجتمع سياسي في العهد الليبرالي، ينقسم فيه المصريون من كل الأديان الي تيارات سياسية، إلي مجتمع شبه طائفي ،يتوزع فيه المواطنون علي مؤسساتهم الدينية، للدفاع عن مصالحهم، بما يحمله ذلك من خطر يهدد استقرار الوطن ووحدته الوطنية، وتطوره الديموقراطي.

وعودة الأغلبية الصامتة من الشباب والأقباط بكثافة إلي الحلبة السياسية، من شأنه أن يلعب دورا مؤثرا في إبعاد المؤسسات الدينية عن السياسة، وإرجاعها للعمل في وظائفها الأساسية الدعوية والاجتماعية والتربوية.