عن «الفلول» أتحدث

امينة النقاش

الجمعة, 25 مايو 2012 23:32
بقلم - أمينة النقاش

عاش جيلنا عصرا بكامله كانت الأفلام المصرية القديمة التى تعرض على شاشة التليفزيون فى مصر تحتوى على كرة سوداء تتأرجح ذهابا وإيابا لكى تخفى صورة الملك «فاروق» التى تظهر فى مشاهد الفيلم المختلفة، هذه الكرة السوداء تم طبعها على شريط الفيلم

، إذا ما استعصى على «الرقيب» الفالح حذف المشهد بأكمله. كانت العقلية السائدة تظن أنها لكى تثبت أركان نظام الثورة الجمهورى، فلابد أن تمحو من ذاكرة المصريين فى المناهج الدراسية، والفنون المسموعة والمرئية كل ما يمت للعهد الملكى بصلة، ذلك الفصل من تاريخ مصر الذى أصبح يسمى بعد الثورة بالعهد البائد، بعد أن جردته الثورة من كل الفضائل، وألصقت به وبأحزابه وساسته كل التهم، ونسبت إليه ما ارتكبه وما لم يرتكبه من جرائم، وشتت  قيادات حزب الوفد بين السجون والمنافى وتحديد الإقامة، مع أنه كان الحزب الذى تصدى بمعارضته لنزعات الملك الاستبدادية ولفساد حاشيته، وحين توفى الزعيم مصطفى النحاس فى 23 اغسطس عام 1965 فوجئ واضعو سياسة الكرة الدوارة بجنازة شعبية مهولة تشيعه، بعد نحو ثلاثة عشر عاما من قيام الثورة، ونحو خمس سنوات من تطبيق تلك السياسة التى تكرست بظهور التليفزيون المصرى فى عام 1960. لم تفلح سياسية المنع والإقصاء والتشويه فى محو ذاكرة المصريين الوطنية. بل لعل يقظة هذه الذاكرة كانت وراء نسبة المشاهدة العالية والنجاح الكاسح لمسلسل الملك فاروق لمؤلفته الدكتورة «لميس جابر» الذى تم عرضه فى رمضان عام 2007. ومع الانتشار الواسع للفضاء التليفزيونى، الذى كان أحد تجليات ثورة الاتصالات الهائلة،سقطت

الكرة السوداء المتأرجحة تلقائيا، بعد أن بثت تلك الفضائيات الأفلام المصرية القديمة، دون حذف صور الملك فاروق أو أغنيات الأفلام التى تشدو له.
وكانت الأغانى التى تمجد فى الملك فاروق وعهده قد منعت من الإذاعة بدورها لمدة عقود، استنادا إلى سياسة «الكرة السوداء المتأرجحة»، وحتى عندما يسمح بإذاعتها، فإن الرقيب يحذف منها تلك المقاطع التى تغنى بها كبار المطربين وبينهم أسمهان وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وكتب كلماتها عدد من كبار الشعراء بينهم أحمد رامى، وبيرم التونسى وصالح جودت، وفى عيد ميلاد الملك غنت أم كلثوم من تأليف أحمد رامى وتلحين رياض السباطى أغنية «اجمعى يا مصر أزهار الأمانى، يوم ميلاد المليك، واهتفى من بعد تقديم التهانى، شعب مصر يفتديك»، ومن المعروف أن الملك «فاروق» قد منح السيدة أم كلثوم، وسام الكمال ولقب صاحبة العصمة، كما غنى له «محمد عبد الوهاب» واحدة من أجمل أغانيه هى أغنية الفن من تلحينه، وتأليف صالح جودت، وتقول كلماتها «والفن مين يعرفه إلا اللى عاش فى حماه، والفن مين يوصفه إلا اللى هام فى سماه، والفن مين أنصفه غير كلمة من مولاه، والفن مين شرفه غير الفاروق ورعاه، أنت اللى أكرمت الفنان ورعيت فنه، رديت له عزه بعد ما كان محروم منه، ورويت فؤاده بالألحان برضاك عنه، إحنا يا
تاج البلاد فى الجنة سكنها، وانت راعيها وحارسها ورضوانها».
وفى فيلم «قلبى دليلى» الذى أخرجه «أنور وجدى» عام 1947 وقام ببطولته مع «ليلى مراد» وهو من تأليف «أبو السعود الإبيارى» وبعد أن ينجح بطل الفيلم الضابط وحيد فى إلقاء القبض على العصابة، يقول له قائده، «أنا أحييك على نجاحك فى إلقاء القبض على هؤلاء الأشرار، فى ظل حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم،فاروق الأول» اختفت الكرة السوداء المتأرجحة، وتم عرض الفيلم بكامله بهذا المقطع الذى يمجد فى حاكم مصر،فلم يخدش ذلك محبتنا الغامرة وعشقنا اللا نهائى لنجومه وأبطاله وكتابه، ولم يقل أحد أن أنور وجدى وقائده هما من «الفلول» أو هما من أنصار العهد البائد، وأفرجت «إذاعة الأغانى» - التى تؤنس حياتنا - عن المقاطع المحذوفة من أغانى «عبد الوهاب» و«أم كلثوم»، ويستمع إليهما ملايين من الناس، ويتمتع بهما، دون أن يدرجهما أحد فى قائمة «الفلول» تماما كغيرهم من كبار الموسيقيين والشعراء، الذين تولى بعضهم مواقع تنفيذية فى عهد «عبد الناصر».
تتعسف الثقافة السياسية السائدة بعد ثورة 25 يناير فى استخدام مصطلح «الفلول» وتتوسع فى إطلاقه، إما بسبب السذاجة السياسية، أو الرغبة فى تصفية الحسابات، أو الثأر من سياسيات ظالمة للنظام السابق، أو التشهير بمنافسين سياسيين أو حزبيين أو مهنيين، وتفتقد هذه السياسة لروح الإنصاف والمسئولية والعقلانية، التى تقتضى ألا نتصرف بعقلية الرقيب الأحمق التافه مخترع سياسة الكرة السوداء المـتأرجحة، التى تدفن الرءوس فى الرمال، كى لا ترى الحقائق كما هى.
والحقائق تقول ان مصطلح «الفلول» لا ينبغى أن يشمل سوى العناصر التى ارتكبت جرائم فى عهد النظام السابق، سواء كانت جرائم خاصة بسرقة المال العام، أو ممارسة الإفساد المالى والسياسى أو قتل شهداء الثورة، والتى صدر ضدها أحكام قضائية، وغير ذلك من قوانين للعزل السياسى، والتشهير الدائم بالمختلفين، وغيرها من أساليب المكائد السياسية، ما هى إلا عنوان خوف دفين من المنافسة السياسية، وعدم اعتداد واجب بالأحكام القضائية.