الـجمهـورية الـبرلمـانيـة هـي الـخيـار الأفـضـل

امينة النقاش

الجمعة, 04 مارس 2011 20:44
بقلم: أمينة النقاش

الاتجاه العام في المناقشات التي تدور الآن حول التعديلات الدستورية،يطالب بإلغاء دستور 1971، وليس تعديله،ليحل محله دستور جديد يأخذ بصيغة النظام الجمهوري البرلماني، بدلا من النظام شبه الرئاسي القائم ،الذي يجمع بين الجمهورية الرئاسية، والجمهورية البرلمانية،الذي يقوم عليه دستور 1971، والذي كشفت التجربة علي امتداد اكثر من اربعين عاما من تطبيقه،انه دستور جري تفصيله، وما ادخل عليه من تعديلات، لكي يكون كما قال الدكتور محمد نور فرحات، دستورا غير دستوري يقنن الاستبداد. والاتجاه لالغاء الدستور وليس تعديله، وبجمهورية برلمانية، لا جمهورية رئاسية مختلطة، يلقي تأييدا من معظم، ان لم يكن كل الاطياف السياسية، بما في ذلك الاحزاب السياسية، وجماعة الاخوان المسلمين، والحركات الاحتجاجية التي قادت ثورة شباب التحرير.

ونظرة عابرة علي دستور 1971 تكشف عن انه دستور سلطوي، يدمج كل السلطات في السلطة التنفيذية، ويدمج هذه السلطة في شخص رئيس الجمهورية. ووفقا لنصوص هذا الدستور، يتولي رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية ويمارسها، ويشترك مع مجلس الوزراء في رسم السياسية العامة للدولة وتنفيذها، ويرأس جلسات مجلس الوزراء التي يشارك في حضورها، ويحق له طلب تقارير من الوزراء، ويعين الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين، ويعزلهم، ويصدر اللوائح والقوانين، وله ان يفوض غيره في اصدارها، ويصدر لوائح الضبط، والقرارات اللازمة لإنشاء وتنظيم المرافق والمصالح العامة. ويحق لرئيس الجمهورية طبقا للدستور ان يصدر قرارات لها قوة القانون في غيبة مجلس الشعب، كما يحق له اصدار القوانين او الاعتراض عليها وتعديل مادة او اكثر من مواد الدستور وحل مجلس الشعب، وهو الذي يعلن حالة الطوارئ، ويعلن حالة الحرب، ويبرم المعاهدات ويلغيها، ويستفتي الشعب في المسائل المهمة، وهو من يملك العفو عن العقوبة او تخفيفها، وهو القائد الاعلي للقوات المسلحة، ورئيس المجلس الاعلي للقوات المسلحة، والمجلس الاعلي للشرطة، والمجلس الاعلي للقضاء، وهو الذي  تتبع له المجالس القومية المتخصصة، وهو من يصدر قرارات اختصاصاتها، وهو الذي يحيل اية جريمة من الجرائم الارهابية الي اية جهة قضائية. تلك هي سلطات غير حصرية في دستور 1971 لرئيس الجمهورية، وعلي العكس من ذلك، فان الاخذ بصياغة الجمهورية البرلمانية، في المواد  الخاصة بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية فقط والتي يجري تعديلها الآن لن  يحقق هدف تحويل مصر الي مجتمع ديمقراطي حقيقي، لان الاحتفاظ بهذه السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية في نصوص نفس

الدستور الذي يجري  تعديل مواده، سوف تحول كل رئيس ننتخبه، حتي لو تم اختياره بانتخابات حرة نزيهة، تحت اشراف قضائي كامل، وحضور المراقبين الدوليين الي مستبد، لانه سوف يجد بمجرد توليه السلطة ان ما بين يديه من السلطات التي يكفلها  له الدستور ما يحوله الي ديكتاتور رغم انفه، حتي لو لم يكن يرغب في ان يكون كذلك.

والحل الوحيد لكي تحقق مصر جوهر  ثورة  25 يناير، هو ان يلغي هذا الدستور، وان يصرف النظر عن الصيغة التي بني علي أساسها وهي صيغة الجمهورية الرئاسية او الجمهورية المختلطة، لنأخذ بصيغة الجمهورية البرلمانية، التي ساهم الاخذ بها في دولة متعددة الاديان والاعراق والثقافات كالهند، في تقديم نموذج فريد في الديمقراطية والتنمية، ليس فحسب علي مستوي ما يسمي بالعالم الثالث، بل ايضا علي المستوي الدولي.

وفي النظام الجمهوري البرلماني يصبح رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة فقط، وليس رئيس السلطة التنفيذية كذلك كما هو الحال في دستور 1971، وفي هذا النظام لايمارس الرئيس سلطة إلا بتوقيع رئيس الوزراء، والوزير المختص، ويتولي السلطة التنفيذية مجلس وزراء من الاحزاب التي تفوز بالاغلبية في انتخابات حرة ونزيهة، ويكون مجلس الوزراء مسئولا مسئولية متضامنة عن السياسة العامة للدولة أمام ممثلي الامة، يضمن لكل المصريين، كافة الحقوق والحريات العامة.

وليس البحث عن هذه الصيغة صعبا ،كما انه لايحتاج الي زمن، فلدينا نموذج للدستور الذي كان يفترض ان يحل محل دستور 1923 بعد ان ألغته ثورة 1952 وهو مشروع دستور  1954 الذي صاغته لجنة الخمسين الي شكلها مجلس قيادة ثورة يوليو برئاسة علي ماهر باشا، وضمت ممثلين عن كل الاحزاب،وفقهاء في القانون الدستوري وقضاة، وضباط شرطة وجيش متقاعدين،واعضاء من لجنة الثلاثين التي وضعت دستور 1923 فضلا عن شيخ الازهر وبطريرك الاقباط هذا مع العلم بأن كل الدساتير المصرية  منذ دستور 1866 مرورا بدستور 1923 ودستور 1956  وصولا لدستور 1971 قد وضعتها لجنة خبراء غير منتخبة .ومن بين ألمع الشخصيات التي شاركت في اللجنة ومن

ثم في صياغة دستور عام 1954 كل من: ابراهيم شكري واحمد لطفي السيد ود. طه حسين وصالح عشماوي وعبد الرازق السنهوري وعبد الرحمن بدوي وعبد القادر عودة ومحمد صلاح الدين ومحمود عزمي وفكري اباظة ومكرم عبيد ومصطفي مرعي وزكي العرابي.

وإقرار هذا الدستور لا يحتاج الي جمعية  تأسيسية منتخبة، ولا تشكيل لجنة دستورية جديدة لوضعه، ولكن يمكن للجنة التي تعمل الان علي تعديل دستور 1971، بعد تطعيمها  بخبراء جدد، ان تراجع دستور 1954 لتحذف منه بعض ما تجاوزته الظروف، وتضيف اليه بعض ما تتطلبه الظروف، ولن يحتاج ذلك الي وقت كثير ، وقد لا يتجاوز الوقت الذي استغرقته اللجنة في ترقيع دستور، اصبح مليئا بالمواد المتناقضة، وبالرؤي المشوشة، والثغرات التي تفتح الباب للتحايل علي نصوصه، واستخدامها لإقامة استبداد جديد.

يأخذ دستور 1954 بمبدأ الجمهورية البرلمانية، التي تنطلق كما يقول المستشار"طارق البشري" من منزع ليبرالي صرف، يضمن للبرلمان، ان يكون مؤسسة الحكم الرئيسية التي تدور حولها كل سلطات الدولة "ويقف في وجه اية محاولة يقوم بها رئيس الدولة للتغلب علي سلطات الأمة ممثلة في مجلس النواب".

وبالاضافة الي ما ينطوي عليه دستور 1954 من نصوص قاطعة التحديد، تحفظ للمصريين الحقوق السياسية والاجتماعية والحريات الديمقراطية، وتضمن المساواة التامة فيما بينهم، وترفض التمييز بينهم بسبب الآراء السياسية والاجتماعية، كما يلزم الدولة بالتعويض عن اخطاء العدالة في تنفيذ عقوبة بناء علي حكم جنائي نهائي قد ثبت خطؤه، كما يحظر الدستور المحاكم  الاستثنائية اوالخاصة، ومحاكمة المدنيين امام محاكم عسكرية، ويكفل الدستور حرية الصحافة والطباعة، ويؤكد عدم جواز  تقييد اصدار الصحف والمطبوعات بترخيص، ولا فرض رقابة عليها، كما يحظر انذار الصحف او وقفها او الغاءها او مصادرتها بالطريق الاداري، كما انه يؤكد الحق في التظاهر، ويسمح دون سابق اخطار او استئذان بالحق في تأليف الجمعيات الاحزاب، ويوكل للمحكمة الدستورية العليا الاختصاص بالفصل في الطعون الخاصة بالاحزاب والجماعات السياسية، ويحظر علي غير المصريين تملك الاراضي الزراعية. ووفقا لهذا الدستور فان رئيس الجمهورية لاينتخب لاكثر من دورتين، ويجري انتخابه بالاقتراع السري من هيئة مكونة من  اعضاء البرلمان بمجلسيه النواب والشيوخ  ويحمل الدستور للمرة الاولي في الدساتير المصرية رئيس الجمهورية المسئولية الجنائية عن تهمة الخيانة العظمي وانتهاك حرمة الدستور واستغلال النفوذ، ويحقق معه بقرار من احد مجلسي البرلمان وتكون محاكمته امام المحكمة الدستورية العليا، فاذا حكم عليه اعفي من منصبه، مع عدم الاخلال بالعقوبات الاخري، كما حصر الدستور حق ابطال عضوية المجلسين واسقاط العضوية الي المحكمة الدستورية.

يدخل المجلس الاعلي للقوات المسلحة التاريخ من اوسع ابوابه، اذا ما اقتنع ان الخيار الافضل لمصر هو الجمهورية البرلمانية، وقبل به لانه بذلك يفتح افاق التطور الديمقراطي في مصر علي اوسع ابوابه، واذا ما التفت الي دستور 1954  الذي تحمل مادته الاولي نصا عبقريا لدولة مدنية حقا يقول "مصر دولة موحدة ذات سيادة، وهي حرة مستقلة، وحكومتها جمهورية برلمانية".