طيور الظلام

امينة النقاش

الجمعة, 27 أبريل 2012 23:57
بقلم: أمينة النقاش

فى المشهد الأخير من فيلم «طيور الظلام» عام 1995 للثلاثى الفنى الرائع والمتميز وحيد حامد وشريف عرفة وعادل إمام، يجمع ملعب كرة القدم بالسجن بين المحامى الفاسد والانتهازى والمحامى المتشدد الدينى، ولدى كل منهما ثقة مطلقة أنه سيغادر السجن وسيعود إلى حياته السابقة، الأول مديراً لمكتب أحد الوزراء الفاسدين، والثانى محامياً بالحق والباطل عن الجماعات الإرهابية المسلحة، ويشترك الاثنان فى قذف كرة القدم فتطير بقوة فى الهواء لتحطم شاشة العرض، فى إشارة فنية بالغة الدلالة إلى الكارثة التى سوف يجلبها إلى البلاد تحالف الفساد مع التيارات الدينية المتطرفة والإرهابية.

تذكرت هذا المشهد وأنا أقرأ خبر تأييد محكمة جنح الهرم حكمها السابق بحبس الفنان عادل إمام لمدة 3 أشهر، وكفالة مائة جنيه لإيقاف تنفيذ الحكم لحين البت فى الاستئناف لاتهامه بالإساءة للدين الإسلامى وازدرائه طبقاً للدعوى التى حركها أحد المحامين المغمورين ضده متهماً أعماله الفنية بتحقير الزى الإسلامى وإطلاق اللحى، وكانت المحكمة قد أصدرت فى السابق حكماً غيابياً بحق الفنان الكبير، قضى بحبسه ثلاثة أشهر، وهو الحكم الذى أيدته هذه المرة بعد رفضها معارضة فريق دفاعه، ليصبح هناك درجتان أخريان للتقاضى متاحتان أمام «عادل إمام» إحداهما فى محكمة الجنح المستأنفة، والثانية فى محكمة النقض.
كنت أظن مع كثيرين غيرى، أن الأوان قد آن لكى تمنح الدولة المصرية قلادة النيل إلى الفنان عادل إمام، تقديراً للدور الاستثنائى الذى لعبه فى حياتنا على امتداد نحو خمسين عاماً> أشاع فيها البهجة والفرحة والدعابة والبسمة، التى تنطوى على ألم

ووجع وذكاء خاطف لماح، تترقرق فيه دموع ملايين من عشاقه ومحبى فنه، من فرط السخرية من مشاكلهم وآلامهم، بعد أن تكون معظم أعماله، قد بعثت الوعى الحقيقى بأسبابها، لكن ظنى خاب، وها هو الفنان الكبير تنصب له محاكم التفتيش ويواجه خطر الحبس، بدلاً من أن تقام له مراسم التكريم!
قدم «عادل إمام» خلال معظم أعماله التى بلغت نحو 114 عملاً مسرحياً وسينمائياً وتليفزيونياً، شخصية «الفرفور المصرى» بصورة فنية راقية، اتسمت بحساسية مرهفة للوضع الاجتماعى الذى ينتج الفقر بما يحمله من قهر للإنسان وطمس لروحه وكسر لإرادته، ذلك «الفرفور» الذى ينسى صناع السياسات حقوقه وأمانيه وأشواقه، مهما صغرت أو تواضعت ويقصر إدراكه عن فهم طبيعة محنته وأسباب فقره وضياعه، برغم أنه مواطن صالح يؤدى ما عليه من التزامات، استغل «عادل إمام» نجوميته التى انطلقت كالبرق منذ بداية الثمانينيات وحتى الآن، لتخليق شخصية هذا «الفرفور، وكشف ما بداخله من قيم إيجابية طيبة، وقدرة على السخرية، وذكاء لماح، ومهارة فى التغلب على الظروف الصعبة التى يواجهها، والوحوش الكاسرة التى كان يتصدى لها، سواء كانت تتمثل فى أبنية حكم استبادية، أو فى رموز رأسمالية متوحشة، أو إرهاب فاشى باسم الدين، أو فساد يتفشى فى مفاصل المجتمع، وملك «عادل إمام» فى كل هذه الأحوال القدرة العالية، والموهبة
الفذة، على التقمص، والأداء الذى يجمع بين الكوميديا والتراجيديا والمغامرات، فقدم فرجة تدعو للمتعة والفرح فى كل هذه الأصعدة، فضلاً عن أن أفلامه كانت فى الأغلب الأعم رسالة اجتماعية راقية تصدت للفساد الأمنى والسياسى، وقدمت نقداً لاذعاً للديمقراطية المزيفة، وكشفت بطريقة فنية بارعة الإرهاب الذى يندثر زوراً باسم الدين، وسخرت من التحالف بينه وبين الفساد ومن التلاعب بالقانون، وانتصرت دوماً للفرافير وصعاليك المدن والهامشيين الذين يتحايلون على المعايش، وينحتون فى الصخر لتحقيق أحلام بسيطة، وربما ساعدته نشأته فى أسرة شعبية من الطبقة المتوسطة الصغيرة، أن يكتسب منها مواهبه، من مراقبته لتناقضاتها والتقاطه بذكاء ورهافة فنية رفيعة المستوى، تناقضات الحياة الاجتماعية وتعقيدات النفس البشرية وبؤسها.
الذى لا شك فيه أن حكم محكمة الجنح السابق الإشارة إليه قد صدر على شخص عادل إمام، وليس على وقائع أعماله الفنية، ومن الأرجح أنه سيلغى فى محكمة الجنح المستأنفة أو محكمة النقض، وهو حكم يفتقد للحيثيات القانونية الكافية لتبريره، وأنه يستند إلى وقائع حتى لو صحت فقد سقطت بالتقادم، فضلاً عن أن المحكمة التى أصدرته لم تشاهد الأفلام محل موضوع الاتهام، وهو قبل هذا وبعده حكم يبدو خارجاً على السياق العام لأحكام القضاء المصرى، التى تبنت دوماً الدفاع عن حريات الرأى والإبداع والتعبير، ودافعت على امتداد عقود عن حريات المصريين جميعاً، وهو ما يتطلب التضامن الواسع مع «عادل إمام»، وتشكيل هيئة دفاع قومية من ألمع رجال القانون للتطوع للدفاع عنه فى محكمة الجنح المستأنفة، كما يستدعى أن يحرص جميع الفنانين على متابعة جلسات المحاكمة فى إشارة منهم إلى أن القضية عامة لا تخص شخصاً بل تمس المجتمع بأكمله، وهى قضية لا علاقة لها بتحفظ البعض على مواقف عادل إمام السياسية، إذ هى قضية ديمقراطية عامة، لا يجوز أن يكون الخلاف فى الرؤى السياسية سبباً فى نكوص البعض عن الدفاع عن الحرية، وإنقاذها من براثن «طيور الظلام»!