رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

متي تكون الشرطة في خدمة الشعب؟

امينة النقاش

الجمعة, 18 فبراير 2011 20:16
بقلم: أمينة النقاش

ربما كان ما حدث في 28 يناير 2011  تاريخا فاصلا في سيرة جهاز الشرطة المصري، ففي هذا اليوم، انكسر هذا الجهاز، وتبددت قوته امام مئات الآلاف من المتظاهرين، الذين كانوا قد خرجوا في يوم الغضب، وفي خلال  ساعات، كانت القاهرة ومدن المحافظات الكبري، قد خلت من اقسام الشرطة، بعد ان هاجم المتظاهرون القوات التي داهمتهم، وقاومت مظاهرتهم السلمية بالرصاص المطاطي والحي، وبالقنابل المسيلة للدموع، ودهست بعضهم بالسيارات المجهولة الهوية. وفي هذه المعركة بين الشعب الاعزل، الذي لايملك سلاحا إلا قطعا من الطوب للدفاع عن النفس، انهزم جهاز الشرطة الذي يبلغ عدده نحو 750 الفا ،واختفت جحافله، منذ عصر ذلك اليوم، وخلت جميع المدن المصرية من اي ظل لأي شرطي، سواء كان في المرور او في حراسة المنشآت العامة او كان يعمل في الدوريات الراكبة، وفي وقت واحد اذ بجحافل المتظاهرين تهجم علي  اقسام الشرطة في انحاء القطر، وتحاصرها، وتجبر رجال الشرطة علي مغادرتها، وتضرم النار في مبانيها، حتي وصل عدد اقسام الشرطة التي شملتها الاعتداءات 99 قسما علي مستوي الجمهورية، وشهدت تلك الاقسام معارك ضارية، لإحراق مباني وملفات مباحث امن الدولة، واقتحام عدد من السجون، وتحرير المسجونين بها، حيث بلغ عدد السجون التي تم اقتحامها 6سجون ـ حتي الآن ـ من بين 42 سجنا، وبلغ عدد المسجونين الفارين نحو 13 الف هارب، لم يعد منهم، سوي المسجونين، الذين لم يعد يتبقي من مدد حكمهم إلا شهور قليلة.

تلك صفحة سوداء في تاريخ الشرطة المصرية، وتاريخ علاقتها بالشعب، تتطلب وقفة من كل الاطراف، لاعادة صياغة العلاقة بينهما علي نحو صحيح مهما قيل في تبريرات ذلك، فلاشك ان مئات الآلاف الذين اشتركوا في الحرب ضد اقسام الشرطة، كانوا يثأرون من معاملة غير انسانية وغير قانونية، من الجهاز الذي يفترض انه يحمي أمنهم، ويصون حريتهم وكرامتهم وممتلكاتهم.

وما يتوجب علينا الآن جميعا، ان نشترك  في حوار واسع  يشمل القانونيين والسياسيين والخبراء الحزبيين ومنظمات المجتمع المدني، لرصد أخطاء الشرطة التي يبدو انها كانت اوسع مدي مما يقدر الجميع، وتشمل حملات التأديب الجماعية والعقاب الجماعي، والقتل خارج القانون، وتلقي الآتاوات والرشاوي، واستخدام مراكز الشرطة لتأديب غير قانوني لاصحاب الجاه والنفوذ، والتوحش في قمع المظاهرات، والمسيرات العامة،

وتحويل السجون الي مسالخ بشرية، ومعاملة الخصوم السياسيين معاملة وحشية، والانتهاك المنظم لحقوق الانسان والعمل الدائم خارج سلطة القانون، من دون مساءلة أو مراجعة، أو رقابة سياسية أو برلمانية أو شعبية!

أول ما ينبغي للمجلس الاعلي للقوات المسلحة ان يساهم فيه، هو تغيير مناهج التعليم والتدريب والتأهيل التي يتلقاها العاملون في جهاز الشرطة، بحيث يجري اعدادهم علي اساس ان مهمتهم هي حماية امن المواطنين لا ترويعهم، وتطبيق القانون لا انتهاكه، والمسئولية امام القضاء، وليس التحايل عليه  بترتيب الملفات وتستيف الاوراق، بما ينتهي بافلات الجلاد ومعاقبة الضحية!

حان الآوان لكي يعد كل من يعمل في مؤسسة الشرطة طبقا لمنهج وعقيدة  وسياسة واضحة مضمونها انه يعمل لخدمة أمن الوطن وحماية حقوق المواطنين من الخارجين علي القانون، وليس في خدمة رئيس او وزير او طبقة او صاحب ثروة، انه علي العكس من ذلك مطالب بان يحمي حقوق الشعب وحرياته من اي انتهاك، وان هناك فارقا بين ممارسة حقوق مثل التظاهر السلمي والاضراب وحريات مثل الرأي والتعبير، وبين جرائم مثل السرقة والتزوير والرشوة واختلاس المال العام، التي انشئت هيئة الشرطة لكي تقاومها. فمهمة الشرطة هي ان تحمي المتظاهرين لا ان تضربهم بخراطيم المياه والرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع، وان تقبض علي الفاسدين والبلطجية لا ان تحميهم وتسهل لهم ركوب الخيول والبغال والجمال لكي يدهسوا اجساد المواطنين بحوافرهم.

حان الأوان لبناء جهاز شرطة جديد، يختفي منه ما اسماه المفكر الراحل محمد السيد سعيد بالضابط الفتوة الذي يمارس دوره بافراط في العنف والقوة والاستهتار بالقانون في الضبط والتحري باعتبارها وسائل لا بديل لها لفرض الامن، والتوصل للنتائج التي يريد إثباتها. حان الآوان بل لعله تأخر كثيرا ـ ان يقوم الامن السياسي في جهاز الشرطة علي منطق حماية امن الدولة من جماعات الارهاب، وجماعات الجريمة المنظمة، ومستوردي السلع الفاسدة والمضاربين بأقوات الناس، وانه ليس من حقها ان تعمل لحساب حاكم، او تتلصص علي الاحزاب

السياسية المعارضة، وتتنصت علي هواتف قادتها، ورسائلهم البريدية، وكل وسائل اتصالاتهم، وان تحصر همها في مواجهة المخاطر التي تستهدف هز الاستقرار الداخلي لحساب دول اجنبية، او جماعات ارهابية.

آن الأوان لكي يعامل المواطن في اقسام الشرطة معاملة تليق، بدافع الضرائب، الذي يدفع من قوته مرتبات العاملين في الجهاز الاداري للدولة،و من بينهم العاملون بهيئة الشرطة، فيعامل باحترام وتقدير، وينجز مصالحه المتعلقة بالشرطة دون رشاوي وبأسرع وقت ممكن، ودون تسويف، وان تؤخذ بلاغاته عن كل اهدار لحقوقه، بما في ذلك شكواه من جهاز الشرطة نفسه، مأخذ الجد، ليتشجع المواطن علي ان يبلغ  عن أي خروج علي القانون، ويساعد رجل الشرطة في ان يحافظ علي امن الوطن.

آن الاوان لكي يتخفف جهاز الشرطة من مسئوليات اقحمت عليه، واثقلت كاهله، وأوقعته في اخطاء شوهت سمعته لدي الشعب وعلي رأسها المشاركة في ادارة الانتخابات النيابية والرئاسية، بحيث تنقل تلك المهمة الي زارة العدل او وزارة الادارة المحلية، كما هو سائد في كثير من دول العالم، لكي يتولي القضاء او لجان محايدة ادارة العملية الانتخابية برمتها، بما في ذلك اعداد الجداول الانتخابية بعيدا عن ادارة الشرطة.

آن الأوان لأن يخضع كل شرطي يضرب المواطنين حتي لو كانوا مجرمين في مقتل بالرصاص الحي ـ إلا اذا ثبت ان ذلك كان ضروريا للدفاع عن النفس ـ لمحاكمة سريعة تلزم العاملين في الشرطة باحترام الحق في الحياة والالتزام  بالقانون.

آن الاوان لالغاء قوات الامن المركزي، وانشاء كليات ومدارس متخصصة، ليتخرج فيها العاملون في جهاز الشرطة، من الضباط الي امناء الشرطة الي عسكري الدورية.

آن الأوان لكي يعد كادر مالي اداري جديد، لكل العاملين في جهاز الشرطة يكفل لهم مرتبات مجزية، تتوازي مع ما يبذلونه من جهد شاق في حفظ الامن العام، ويضمن لهم حياة كريمة، تحميهم من غواية المال والرشوة وفرض الاتاوات، وتكفل لهم الهيبة التي يحوزها كل صاحب سلطة، لا يمد يده الي الناس، او يطلب منهم العطايا، وهو ما يستدعي ان يوكل للمجلس الاعلي وحده، دون حاجة للعرض علي الوزير، قضايا الترقيات وانهاء الخدمة، والتنقلات والاحالة للاحتياط، وتشكيل المجالس التأديبية.

آن الأوان لتحديث جهاز الشرطة، وتزويده بالأدوات التقنية والتكنولوجية، التي تمكنه من بسط سيطرته علي الامن العام ومن الكشف علي المجرمين، ومن التحقيق في الجرائم، دون اللجوء الي اساليب الضرب والتعذيب، كوسيلة وحيدة للحصول علي المعلومات وكشف الجرائم.

واذا كان من درس جديد خلفته ثورة 25 يناير، فهو ان التوسع في تفويض  وزارة الداخلية بالتصرف منفردة في قضايا الامن الداخلي دون مراقبة ومساءلة، كان سببا جوهريا في سقوط نظام "مبارك" وآن الاوان ايضا ـ ولعله قد تأخر ـ كي يعود الحال الي ما كان عليه قبل عام 1952 كي يتولي وزير سياسي لا شرطي موقع رئاسة وزارة الداخلية، كي تعود الشرطة مرة اخري لتكون في خدمة الشعب.