رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نذر الحرب بين الشمال والجنوب تخيم على السودان

امينة النقاش

السبت, 18 فبراير 2012 00:06
بقلم: أمينة النقاش

أصبحت الحرب هى الخيار الأسهل الذى يجرى التلويح به لمواجهة المشاكل التى تراكمت فى السودان بعد أن انقسم إلى دولتين إحداهما فى الشمال والأخرى فى الجنوب، تم الإعلان الرسمى عن استقلالها فى التاسع من يناير من العام الماضى، تنفيذاً لاتفاق «نيفاشا» عام 2005.

وبالإضافة إلى الحرب التى تخوضها الحكومة السودانية جواً وبراً ضد معارضيها فى منطقتى جنوب كردفان والنيل الأزرق، فإن نذر حرب أخرى تلوح الآن فى الأفق بينها وبين حكومة جنوب السودان، بعد أن اتخذت الأخيرة قراراً فى العشرين من يناير الماضى، بوقف إنتاج البترول الذى كان يمر عبر شروط معينة فى «مصافى» تقع مجملها فى شمال السودان، أما سبب القرار الجنوبى فيرجعه «باقان أموم» الأمين العام للحركة الشعبية وكبير المفاوضين فى دولة الجنوب أو صاحب قرار وقف ضخ البترول عبر الأراضى السودانية، إلى اتهام الحكومة السودانية بمصادرة أكثر من ستة ملايين برميل من بترول الجنوب، تزيد قيمتها على 500 مليون دولار، وتطالب حكومة «جوبا» حكومة «الخرطوم» برد هذا المبلغ، الحكومة السودانية، ترد بدورها على هذا الاتهام، بأنها لم تتلق منذ إنشاء دولة الجنوب قبل أكثر من عام أى رسوم لنقل البترول عبر الأنابيب التى تمر بأراضيها، كما أن الوعود الدولية برفع العقوبات الاقتصادية وتخفيض الديون عنها، التى لازمت موافقتها على اتفاقية السلام التى انتهت بانفصال الجنوب لم تنفذ، مما أسهم فى رفع عجز ميزانيتها، لاسيما بعد أن ذهب نحو 95٪ من عائدات البترول إلى دولة الجنوب.
ومنذ ديسمبر الماضى، تصاعد النزاع بين دولتى الشمال والجنوب حول رسوم عبور صادرات البترول، وفى الوقت الذى حددت الحكومة السودانية 36 دولاراً للبرميل عند ضخ بترول الجنوب عبر أنابيب الشمال، عرضت حكومة الجنوب بضع عشرات فقط من البنسات للبرميل الواحد، معللة ذلك بأن عائدات النفط استخدمت طوال السنوات الماضية لتمويل الحرب على أهالى وسكان الجنوب، والشمال ظل ينهب نفط الجنوب الذى يمر عبر أراضيه، كما أن كثيراً من الآبار التى يستخرج منها النفط لم تسجل بطريقة رسمية، بينها نحو 300 بئر، ولوحت حكومة الجنوب باللجوء إلى القضاء

الدولى، ووجهت اتهاماً مباشراً إلى الرئيس السودانى وبعض أقاربه وبعض مسئوليه بنهب نفط الجنوب من الباطن.
وبرغم أن اللجنة العليا للاتحاد الأفريقى اقترحت الشهر الماضى مسودة اتفاق ينص على استمرار ضخ البترول من الجنوب، ومساعدة الشمال على مواجهة أزماته المالية ووقف التصرف المنفرد من قبل الحكومة السودانية فى بترول الجنوب، إلا أن هذا الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ، ولم تتم الإشارة إليه فى الاتفاق الذى وقع الجمعة الماضى، فى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا تحت رعاية الاتحاد الأفريقى، بين الحكومة السودانية وحكومة جنوب السودان وينص على أن يلتزم الطرفان باحترام سيادة وسلامة أراضى كل منهما، والامتناع عن شن أى هجوم أو عمليات قصف على طول الحدود المتنازع عليها بين الطرفين.
«باقان أموم» كبير مفاوضى دولة الجنوب يؤكد أن دولته لن تستأنف تصدير النفط قبل أن تحصل على تأكيدات بأن بترول الجنوب، سيمر بأمان، دون أن يتعرض للقرصنة، كما اتهم «أموم» الخرطوم باستمرار محاولاتها زعزعة الاستقرار فى الحدود بالقصف الجوى لمناطقه.
الرئيس السودانى البشير قال إن الجنوب يسعى للحرب وقبلها قال أحد جنرالات الجيش السودانى إن إغلاق آبار البترول سيضر بنا، لكننا سنقتلهم، وفى حرب التصريحات المتصاعدة بين الطرفين، قال «سلفاكير» رئيس حكومة الجنوب إنه إذا ما اندلعت الحرب فسوف يرسل أبناءه الأربعة للمشاركة فيها، ودعا الرئيس السودانى إلى أن يسلم نفسه إلى المحكمة الجنائية الدولى، بعد أن اعترض على قول «البشير» إن دولاً أجنبية هى التى حرضت الجنوب على وقف تصدير نفطه، قائلاً إن هذا القول يعد استخفافاً بعقول الجنوبيين واتهاماً لهم بأنهم لا يحسنون إدارة مصالحهم.
ويأتى هذا التصعيد بين الطرفين الذى يلوح فيه بإمكانية اندلاع حرب بينهما، كعرض من أعراض فشل التوصل خلال أكثر من عام بعد إعلان «استقلال الجنوب» إلى حل للقضايا الرئيسية المتنازع
عليها، فالنزاع المسلح بين الطرفين حول تبعية منطقة «ابيى» مازال مستمراً، مما دفع مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية فى مجلس الأمن إلى التلويح، بإمكانية استخدام قوات دولية فى المنطقة ضد حكومة الخرطوم وفقاً للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة بعد سيطرة الجيش السودانى على مناطق شاسعة فى الإقليم، وماتزال قضايا الحدود بين البلدين عالقة دون حسم ـ كما ترفض الحركة الشعبية تحمل أى أعباء مالية خاصة بقضية الديون الخارجية، لأن الديون تراكمت من جراء الحرب على الجنوب وليس لتنميته.
اتجه الطرفان إلى إجراءات داخلية لمواجهة أزمة وقف تصدير البترول، الحكومة السودانية تسعى لإجراءات شكلية تريح المجتمع وتخطب ود معارضيها، بينها إلغاء ما يسميه إسلاميو حكومة الإنقاذ بسياسة التمكين فى وظائف الخدمة المدنية بعد أكثر من عشرين عاماً من تطبيقها والتى استندت إلى توظيف وتقريب أهل الثقة والولاء وليس أهل الخبرة والكفاءة، وهى السياسة التى دمرت أجهزة الخدمة المدنية التى تم بسببها، كما قام الرئيس السودانى بإدخال بعض عناصر من المعارضة فى حكومته بينهم «عبدالرحمن الصادق المهدى»، نجل زعيم حزب الأمة القومى.
ولأن النفط يشكل 97٪ من ميزانية دولة الجنوب فقد اتجهت حكومته إلى سياسة تقشف شديدة لم تعلن عنها، كما تبحث حكومة الجنوب العرض الذى تقدمت به شركة أمريكية، لإنشاء خط أنابيب بترول جديد، يمتد من جنوب السودان إلى ميناء «لامو» فى كينيا، وتتفاوض مع إثيوبيا لبناء خط أنابيب آخر يمر عبر جيبوتى لكن تنفيذ هذه المشروعات يحتاج إلى شهور وسنوات، ولا يستطيع الجنوب الذى يسكنه ثمانية ملايين نسمة، ويفتقد إلى كثير من الموارد، وتتحمل دولته خسارة قدرها 650 مليون دولار شهرياً يدرها تدفق آبار النفط، أن يواصل سياسته بإغلاق تلك الآبار لفترة طويلة، لكن المراهنة على هذا الجانب وحده لا تكفى لدرء مخاطر نشوب حرب بين البلدين، بل عليهما معاً، بعد أن تأكد خسارة الطرفين من هذا التصعيد الذى لم يكسب منه سوى دعاة الحرب فى الجانبين، أن يقبلا بمساعدة من الجامعة العربية، مبادرة الاتحاد الأفريقى، وأن يوقف كل منهما التدخل فى شئون الطرف الآخر، خاصة بعد أن تبادل كل منهما الاتهام بتسليح الجماعات المسلحة فى الأقاليم التى تندلع بها حرب أهلية وتمتد من دارفور إلى جبال النوبة والنيل الأزرق، وأن تحمل الجامعة العربية على وجه السرعة، مشروعاً لحل القضية محل الخلاف الآن وهى قضية نقل وتصدير البترول يستند إلى ما تقره القوانين والاتفاقات الدولية التى تضع قواعد سلمية لحل مثل هذه الخلافات، لأن حرباً بين الطرفين ستفتت السودان من دولتين إلى خمس دول، ولن ينجو من شظاياها وآثارها الكارثية لا الإقليم ولا الجيران!