في تونس.. أعراض سودانية!

امينة النقاش

الجمعة, 21 يناير 2011 14:29
بقلم -أمينة النقاش

ليس صحيحاً ما راج في الإعلام العربي من أن انتفاضة الشعب التونسي الجسورة للإطاحة بنظام »زين العابدين بن علي« هي الحدث العربي الأول من نوعه، فقد خاض الشعب السوداني تجربتين فريدتين في القرن العشرين لإسقاط ديكتاتورين عسكريين عبر العصيان المدني العام خلال نحو عقدين فقط من الزمان.. وكما كان »محمد بوعزيزي« هو الرمز الذي أشعل انتفاضة يناير التونسية، فقد كان الطالب الجامعي »أحمد القرشي« الذي قتلته الشرطة السودانية، في أعقاب مواجهات عنيفة مع الاحتجاجات الطلابية داخل جامعة الخرطوم، هو الشرارة التي أشعلت ثورة اكتوبر في عام 1964 وأطاحت بنظام الجنرال »إبراهيم عبود« الاستبدادي الذي دام ستة أعوام، عبر نموذج جديد للتغيير لم يكن معهوداً في الدول العربية والأفريقية، وربما علي المستوي الدولي وهو الإضراب السياسي السلمي والعصيان المدني العام، الذي ربما كان ملهماً فيما بعد للثورة الخومينية في إيران عام 1979.. وفي تلك الثورة تمكن تحالف واسع من الطلاب ومهنيين من المحامين والمهندسين والاطباء والأساتذة الجامعيين، وما يطلق عليهم في السودان بالقوي الحديثة - تميزا لهم عن القوي الحزبية التقليدية ذات الأصول الطائفية التي هيمنت  علي الحياة السياسية السودانية كحزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي - من تهيئة الأجواء لوضع ميثاق ثورة أكتوبر موضع التنفيذ، الذي كان ينطوي علي مطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وإطلاق الحريات العامة، والحفاظ علي استقلال القضاء والجامعات، وانتهاج سياسة خارجية معادية للاستعمار ورافضة للأحلاف، وتشكيل حكومة مدنية انتقالية تحكم طبقا لدستور 1956 وتجري انتخابات خلال خمسة أشهر لتشكيل جمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً.

بعد واحد وعشرين عاماً من ثورة أكتوير كرر الشعب السوداني النموذج  الذي ابتدعه بانتفاضة أبريل عام 1985 التي أطاحات بالنظام الديكتاتوري العسكري لجعفر نميري الذي استمر ستة عشر عاماً، عبر العصيان المدني العام، فقد خلق السخط الشعبي والتدهور الشامل في أحوال السودانيين ورفضهم التام لسياسات نميري ظروفاً هيأت لاندلاع الانتفاضة، وكما هو الحال الآن في تونس، فقد حدثت الانتفاضة والأحزاب السودانية لم تكن علي مستواها من حيث القدرة علي التنظيم والحشد، بعد

أكثر من ستة عشر عاماً من حصارها وملاحقة أعضائها والتشجيع علي الانشقاقات بين صفوفها واعتقال وقتل قيادتها، فقد كان من الطبيعي مع تلك الظروف التي مرت بها الأحزاب السياسية أن يغطي دور النقابات العمالية والمهنية علي دورها سواء في توجيه الانتفاضة، أو في التأثير في المشاورات السياسية لرسم صور المستقبل، أو في تشكيل الهيئة التي قادتها وهي »تجمع القوي الوطنية لإنقاذ الوطن« التي باتت تعرف الآن بـ »التجمع الوطني الديمقراطي«.. وفي السودان كما هو الحال الآن في تونس احتفظت النقابات المهنية والعمالية بكيانها التنظيمي سليماً إلي حد بعيد من تشوهات الحكم السلطوي، ولم يكن يخلو عملها من السياسة بحكم أنها تضم كل التيارات السياسية، وتمثل الكتل الرئيسية من العاملين الذين يعانون مباشرة من نتائج السياسات الاقتصادية التي تمليها مؤسسات المال العالمية، التي ينتجها اقتصاد الخدمات  والرأسمالية الاحتكارية من فوارق اجتماعية حادة، تسفر عن مجتمع تحظي فيه قلة بمعظم ثروات البلاد، بينما تعاني الأغلبية من الفقر والبطالة ونقص الخدمات الأساسية، وفي ظروف ارتفاع التحرك الجماهيري التلقائي لمدي يفوق قدرة الأحزاب القائمة، كان من الطبيعي أن تنتهي الانتفاضة بأن يتسلم الجيش السلطة في الخرطوم لفترة انتقالية لحين إعادة القوي السياسية ترتيب صفوفها وتضميد الجراح وتعويض الخسائر التي لحقت بها من الحكم الاستبدادي، وكانت تلك بداية الطريق نحو إجهاض أهداف الانتفاضة.

كنت في الخرطوم إبان انتفاضة 1985 وفي حوار معه حول رؤيته لكيف توقفت الانتفاضة، قال لي وزير الدفاع آنذاك العميد »عثمان عبدالله« بالحرف الواحد: »وصلت الانتفاضة في الأسبوع الأخير منها حداً يصعب السيطرة عليه، فقد تحولت إلي إضراب سياسي شامل، شل جميع المرافق الاستراتيجية في الدولة، لانقطاع الكهرباء، وتوقف عمال المطار، وإضراب عمال وزارة الدفاع«.. وحاول »عمر الطيب« النائب الأول لنميري الضغط علينا لإعلان حالة

الطوارئ، لإقحام الجيش في الصدام مع الشارع، لكننا رفضنا بالإجماع، وقلت له: إن المسألة لم تعد أزمة أمنية بل هي أزمة سياسية، يجب أن تحل في إطار سياسي، وأجمع قادة وضباط منطقة الخرطوم، علي أن الحل الوحيد الممكن هو الوقوف بجانب الشعب، واستبدال النظام القائم بنظام ديمقراطي، وعندئذ قررت قيادة الجيش تنحية نميري، وفرض الفريق أول »عبدالرحمن سوار الذهب« بواسطة هيئة القيادة وقادة المناطق، لتولي السلطة، وإدارة البلاد عبر مجلس عسكري، حتي تتم  مرحلة التحول العسكري!

بعض الذي رواه العميد عبدالله حدث في تونس، فقد سقط »بن علي« حين رفض قائد الجيش »راشد عمار« طلباً للتصدي للمتظاهرين الذين كانوا يعانقون جنوده وضباطه في الشوارع والساحات، ولا تزال بعض الأعراض السودانية مرشحة أن تحدث في الساحة التونسية، فخلال أربعة أعوام من الحكم الذي خلفه انتصار ثورة أكتوبر، أخفقت النخب الحاكمة في الاستفادة من ثمارها، فاندلع الصراع بين القوي الإسلامية الداعية لدولة ذات دستور إسلامي، وبين دعاة الدولة الديمقراطية العلمانية التي تحفظ حقوق المواطنة، فتسارعت علي أصداء هذا الصراع الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، الذي تم نقض ما وعد به في مؤتمر المائدة المستديرة من حكم فيدرالي، ومورست سياسة الإقصاء علي المخالفين في الرأي، فتم حل الحزب الشيوعي السوداني الذي  كان ممثلاً في البرلمان ويعد واحداً من أكبر الأحزاب اليسارية في أفريقيا آنذاك، وعجزت تلك النخب عن ترسيخ ثقافة الحوار والديمقراطية ببناء قاعدة راسخة لدولة الحق والعدل والقانون، تستمدها من دستور ديمقرطي ومن التداول السلمي للسلطة.

أربع سنوات من حكم انتفاضة أبريل 1985 بددتها النخب الحاكمة في سياسات الثأر من الماضي، الذي يخدم مصالح شخصية لا عامة، وفي المكايدات الحزبية حول اكتساب مغانم السلطة ومكاسبها، وفي المزايدة بين أحزابها حول التوجه الإسلامي للدولة الذي دفع الحرب الأهلية إلي ذري غير مسبوقة، وانتهي بانقلاب الجبهة الإسلامية القومية في يونيو 1989 الذي كان من المنطقي أن يفضي إلي إلغاء الحياة السياسية، ومن ثم فصل الجنوب!

بعض من هذه الأعراض السودانية يحدث الآن في الساحة التونسية، ولكي لا يكون الجنرال »راشد عمار« هو الحل، فإن مستقبل الانتفاضة التونسية، بات مرهوناً بمدي قدرة القوي السياسية والحزبية في أن تعيد ترتيب صفوفها، وأن تستعيد صلتها بالجماهير، وأن تتوصل إلي برامج سياسية تستجيب لمطالب الشعب التونسي، وأن تتمسك بالعمل المشترك لتحافظ علي قوة الدفع التي صنعت الانتفاضة العفوية، وأن ترتب بهدوء لفترة انتقالية تمهد لانتخابات حرة، تمثل تمثلاً حقيقياً من صنعوا الانتفاضة وتحافظ علي مكتسبات الدولة المدنية، كي لا يتحقق قول نجيب محفوظ: إن الثورات يخطط لها الدهاة، وينفذها الشجعان، ويكسبها الجبناء!