رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبرة.. لمن يريد أن يعتبر

امينة النقاش

الجمعة, 25 نوفمبر 2011 23:27
بقلم – أمينة النقاش

القلق العميق على الحاضر، والخوف من المستقبل من المشاعر السائدة التى تهيمن على كثير من المصريين فى اللحظات الراهنة، التى تحفل بأسئلة كثيرة، تحمل الإجابة وعكسها، قراءات ملتبسة يجرى ترويجها لما جرى يوم الجمعة الماضى، بشكل عمدى، يستهدف إبعاد الأنظار عن المتهم الأول فى تفجير تلك الأحداث،

فالتسلسل الواقعى للأحداث يشير إلى مظاهرة الجمعة التى دعا إليها الإخوان المسلمون والسلفيون وحركة 6 أبريل، بهدف الاحتشاد ضد وثيقة «المبادئ الأساسية لدستور الدولة المصرية الحديثة» التى عرفت إعلامياً باسم «وثيقة الدكتور السلمى»، ودعا المتظاهرون إلى إسقاط هذه الوثيقة بالقوة، وطالبوا برحيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيسه بخطاب استفزازى يتجاوز قدرة التقاليد العسكرية الصارمة على الاحتمال، ويتجاهل عن عمد أن إضعاف سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى هذه اللحظات المضطربة، هو إضعاف لسلطة الدولة، وإنهاك لقواها، وبعث للفوضى العارمة وإجهاض لكل محاولات إصلاح مؤسسات الدولة التى قاربت على الانهيار، وترويع لأركان المجتمع المصرى، برفع أعلام طالبان والسعودية والدعوة لإقامة الدولة الإسلامية وتطبيق شرع الله فى التو واللحظة، وما أن حل ليل الجمعة وأخذت جموع من المتظاهرين بالانصراف حتى دعاهم المرشح المحتمل للرئاسة الشيخ «حازم صلاح أبوإسماعيل» للبقاء والاعتصام فى الميدان إلى أن تتحقق مطالب المظاهرة، ثم غادر الميدان بعد أن ترك فيه أنصاره، ومن هنا بدأت الكارثة فى الأيام التالية، حالة غير مبررة من العنف الهائج المنفلت العيار من قوات الأمن والشرطة العسكرية ضد المعتصمين بالميدان، وبينهم أهالى الشهداء والمصابين الذين عجزوا طوال الأشهر الماضية عن الحصول على حقهم فى العلاج والمعاملة الإنسانية العادلة، فجاءوا إلى الميدان قبل المظاهرة بأيام لإسماع شكواهم لمن يعنيه الأمر عبر الفضائيات التى كانت تملأ المكان، وكان من المتوقع أن يسفر هذا العنف المنفلت الذى لم يستطع أحد أن يفسره، فضلاً عن أن يقبله شهداء وقتلى ومصابين بعاهات مستديمة، وخلف جروحاً غائرة فى قلوب ونفوس كل المصريين، الذين أعيتهم الحيلة عن فهم الأسباب وراء كل هذا الخراب الذى يحدث، وأعجزتهم السبل عن صد هذا البلاء والأذى الذى يلحق ببلدهم، وعاد شباب الثورة إلى الميدان، رفضاً للقتل والسحل والترويع الذى سرعان ما زادت وتيرته، مع ازدياد التوتر بين أفراد الشرطة وأعداد من الشباب لاتزال حتى كتابة هذا المقال تصر على اقتحام مبنى وزارة الداخلية، وعدم السماح لأى من ممثلى الأحزاب والقوى السياسية بدخول الميدان، وبينهم ممثلو الإخوان والجماعات السلفية والأسئلة التى عجز كثيرون عن الإجابة عنها، إذا لم يكن للثائرين فى ميدان التحرير علاقة بالأحزاب والقوى السياسية بمختلف تياراتها، فمن يمثلون؟ ولماذا تحركوا قبل نحو أسبوع واحد من موعد إجراء الانتخابات العامة؟ وكيف يمكن للحكومة الجديدة التى طالبوا بتشكيلها أن تفى باستحقاقات العملية الانتخابية فى ظرف تستنزف فيه قوى الأمن المنوط بها حفظ المقار الانتخابية، وبمن سيرضون رئيساً للحكومة بعد اعتراضهم على حكومة الدكتور عصام شرف، الذى أتى به الثوار أنفسهم من ميدان التحرير؟ أليس من الإنصاف

القول إن حكومة شرف لم تأخذ فرصة حقيقية لأداء مهامها؟ أو ليست حكومة انتقالية سينتهى دورها بعد عدة أسابيع مع الخطوات النهائية للانتخابات؟ وهل بوسع حكومة جديدة أن تهيئ الأوضاع لإجراء الانتخابات فى هذه المدة القصيرة؟ وفى رقبة من سوف يعلق قرار تأجيل الانتخابات إذا ما رأى المجلس العسكرى ذلك، بناء على الأوضاع الأمنية المهتزة؟
لقد تعهد القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مجلسها العسكرى المشير طنطاوى، فى خطابه الذى أعقب تلك الأحداث أن الانتخابات العامة ستجرى فى موعدها، كما استجاب لمطالب المتظاهرين بتحديد منتصف يونيو المقبل موعداً للانتخابات الرئاسية، ورهن مطلب التحرير برحيل المجلس العسكرى أو بقائه كسلطة للسيادة، بإجراء استفتاء شعبى، كما أحال المجلس العسكرى ملف الأحداث برمتها إلى النيابة العامة للتحقيق فيه وإظهار جميع الحقائق، وبوسع المجلس القومى لحقوق الإنسان أن يشكل لجنة مستقلة للقيام بتحقيق مماثل، كما قدم اثنان من أعضاء المجلس العسكرى اعتذاراً عن أحداث الأيام الماضية، وهو ما ينطوى على استجابة أخرى لمطالب الثائرين، الذين يتحدث جناح منهم عن أن تظاهرهم هو اعتراض على التصور الذى يرسمه التيار الإسلامى للمستقبل الذى يريدون فيه مصر دولة مدنية لا هى دينية ولا هى عسكرية، لكن العنف والقوة المفرطة التى استخدمت من قبل قوات الأمن، قد غطت على هذا الهدف، وصرفت الأنظار عنه.
المجلس العسكرى مطالب الآن بحث جهات التحقيق على الانتهاء منه بأسرع وقت ممكن، والكشف عن كل الحقائق، لاسيما بعد أن أعلن وزير الداخلية أن الشرطة لم تطلق الرصاص، وأن قناصة مجهولى الهوية هم من فعلوا ذلك من فوق أسطح العمارات المطلة على الميدان، والتى لم تتمكن قوات الشرطة من اقتحامها، كما أنه مطالب بتعويض أسر الشهداء الجدد والقدامى ممن اعتصموا مؤخراً فى الميدان وعلاج كل المصابين على نفقة الدولة، وفتح حوار واسع بين الثائرين فى الميدان والمجلس العسكرى، لوضع حد للخسائر فى الأرواح والممتلكات العامة والخاصة.
من جانب آخر، لم يعد مقبولاً الصمت على مشعلى الحرائق الأصليين الذين أهاجوا الدنيا على وثيقة الدكتور السلمى، بدعوى اعتراضهم على المادتين التاسعة والعاشرة اللتين تمنحان الجيش وضعاً خاصاً فى تحديد هوية الدولة المصرية الجديدة، ثم تبين بعد ذلك أنهم يعترضون على المادة الأولى من الوثيقة التى تحدد مصر دولة مدنية، ولم يستريحوا إلا بعد حذفها تماماً، ويصر تيار الإسلام السياسى بكل فصائله على إجراء الانتخابات فى موعدها، ويلوحون بمليونية قندهار الثالثة إذا ما اقتضت الظروف الراهنة تأجيلها، والسبب وراء ذلك معروف وواضح، فهو يستعجل القفز إلى السلطة أياً كانت النتائج، بعد
أن بات لديه اعتقاد راسخ بأن أغلبيته فى البرلمان المقبل صارت من المسلمات وأنه ليس فى حاجة إلى توافق وطنى حول أى شىء بشأن إجراءات المستقبل ودستور المستقبل، ودولة المستقبل التى لن تكون شيئاً مغايراً عن دولة دينية تمييز بين المسلمين وغير المسلمين، وبين الرجال والنساء، وتقدم رؤيتها لمجتمع لا تحترم فيه الحريات الفردية وحقوق الدولة والمجتمع تماماً، كما فعلت جبهة الإنقاذ الإسلامية فى الجزائر.
فى شهر يونيو عام 1990 فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ فى الجزائر فوزاً ساحقاً فى الانتخابات البلدية حيث حصلت على 54.25٪ من المقاعد، بينما حصل الحزب الحاكم ـ آنذاك ـ جبهة التحرير على 28.13٪، وفى أعقاب فوزها أعلن زعيمها «عباس مدنى» أن البلدية هى اللبنة الأولى فى صرح الدولة الإسلامية، وقال الرجل الثانى فى الجبهة «على بلحاج» إن الجزائريين لم يصوتوا للديمقراطية فى انتخابات البلديات، بل صوتوا للإسلام، ووصف عباس مدنى جبهته بعد أن أصبحت حزباً طبقاً لقانون التعدد الحزبى بأنها «ظل الله على الأرض، وأن برنامجها وفقاً لما قاله هو القرآن الكريم وإقامة الدولة الإسلامية»، وانحصر كل نشاط جبهة الإنقاذ الإسلامية فى البلديات التى سيطرت عليها فى وقف بيع المشروبات الكحولية ومنع النساء من السباحة مع الرجال على الشواطئ، وعقدت المحاكمات الليلية فى المساجد للنساء غير المحجبات وفصل الشباب عن الفتيات فى المدارس والجامعات وإلغاء الاختلاط فى المواصلات العامة، ومنع الحفلات الموسيقية والغنائية لموسيقى «الراى» وتعديهم على شواهد القبور باعتبارها بدعة.
وفى صيف عام 1991 وقبيل ثلاثة أسابيع فقط من موعد إجراء أول انتخابات تشريعية عامة فى ظل نظام التعدد الحزبى فى الجزائر منذ استقلالها، دعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى إضراب مفتوح إلى أجل غير مسمى لتغيير القوانين المنظمة للانتخابات، التى نصت ضمن بنود أخرى على منع استخدام دور العبادة والعلم فى الدعاية الانتخابية وفرض قيود على الاقتراع بالتوكيلات، واشترط أن يكون التصويت شخصياً وفردياً، مما اعتبرته الجبهة موجهاً ضدها، مما يجعل هزيمتها فى الانتخابات العامة احتمالاً وارداً، فقررت قلب المائدة على أطراف اللعبة الديمقراطية، ورفض الاحتكام لقواعد النظام أو لصناديق الاقتراع، ونقلت المعركة إلى الشارع للمطالبة بإلغاء القانون الانتخابى، وإجراء الانتخابات الرئاسية بالتزامن مع الانتخابات العامة، ودعت إلى إقالة رئيس الجمهورية «الشاذلى بن جديد» فوراً، وهدد زعيمها «عباس مدنى» بإقالته بالقوة حين لوح بإنزال جيش إسلامى إلى الشوارع، ثم أفصح عن هدف الإضراب العام حين قال: «إعلان دولة إسلامية فوراً فى الجزائر دون تصويت، أى دون الاحتكام للقواعد الديمقراطية تمهيداً لإقامة دولة الخلافة التى تنقذ العالم العربى والإسلامى، بل تنقذ العالم كله» كما يؤكد زعيم الجبهة عباس مدنى.
استمرت المواجهات بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ وبين الدولة الجزائرية على امتداد نحو عقدين من الزمان، وأخذت المواجهة شكل الصراع الدموى الذى كاد يقود الجزائر إلى حرب أهلية شاملة.
وفى صيف عام 1995 اقترحت الحكومة الجزائرية ما عرف إعلامياً باسم «وثيقة المبادئ» التى توصلت إليها بهدف وقف أعمال العنف الدموى مع زعيم الجبهة «عباس مدنى» وانطوت على عدة مبادئ من بينها رفض العنف وسيلة للوصول إلى الحكم أو البقاء فيه، وحظر استخدام العنف كوسيلة للتعبير فى العمل السياسى، واحترام الدستور وقوانين الجمهورية وحماية الطابع الجمهورى والديمقراطى من أى تسلط فردى أو جماعى أو مؤسسى واحترام الإسلام بصفته دين الدولة الجزائرية، واحترام حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية والتعددية السياسية، قبلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ الوثيقة، ثم عادت ورفضتها وقدمت وثيقة بديلة لا حديث فيها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام الحريات الفردية والجماعية، ولا إشارة من قريب أو بعيد إلى رفض العنف وسيلة للوصول إلى السلطة، واستمر الصراع الدموى بين الطرفين.
لماذا أذكر تلك التجربة، أقولها كموعظة لمن يريد أن يعتبر!