رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إنه التمادي في نقض المواثيق والعهود

امينة النقاش

السبت, 15 يناير 2011 07:28
بقلم: أمينة النقاش

اليوم السبت ينتهي أسبوع الاستفتاء علي حق تقرير المصير لجنوب السودان، والذي أصبح مؤكداً أن نسبة التصويت فيه سوف تتجاوز 60٪ وهي النسبة المطلوبة لإعلان نتيجته نهاية شهر يناير الجاري، سواء بالانفصال أو الوحدة، وأنه لن تكون هناك ضرورة لإعادة الاستفتاء مرة أخري بعد شهرين، كما تنص القواعد القانونية المنظمة لإجرائه لأن النسبة لن تقل عن ذلك، بل المؤكد أنها سوف تتجاوزها لصالح الحق في الانفصال، بعد أن بدا للعيان حجم الإقبال الهائل للجنوبيين علي مراكز الاقتراع، سواء في ولايات الجنوب العشر أو في دول المهجر، وتصويتهم شبه العلني أمام فضائيات العالم لصالح الانفصال حاسمين نتيجة الاستفتاء حتي قبل انتهاء عملية الاقتراع، ولا يبقي سوي الإعلان الرسمي عن دولة الجنوب في يوليو المقبل، وهو الموعد الذي سينتهي فيه أجل الدستور الانتقالي الذي أقر طبقاً لاتفاقية السلام بين الحكومة السودانية وبين الجنوبيين في عام 2005.

 

وفي يوليو المقبل، سوف تختفي خريطة السودان كما عهدناها بعد أن تنفصل عنه ثلث مساحته لتصبح دولة الجنوب الجديدة، التي تعد عنواناً علي فشل نصف قرن من عمر الاستقلال في السودان، في أن يبدد مخاوف الجنوبيين وشكوكهم ويرفع مظالمهم تحسباً لمثل هذا المآل، الذي استخفت بإمكانية حدوثه، الحكومات العسكرية والديمقراطية والإسلامية، التي وسعت جميعها الهوة بين الشمال والجنوب بمناورات سياسية وسياسات مغامرة، وأخري جهادية تضفي علي الصراع الأهلي صبغة دينية، مما وسع نطاقه وأشاع البؤس والفقر والموت والدمار، وبدد الموارد ولم يكن في الحسبان التغير الذي طرأ علي موازين القوي في السياسة الدولية، ليس فحسب بعد سقوط المنظومة الاشتراكية، ولكن أيضاً بعد زلزال الحادي عشر من سبتمبر، الذي جعل السودان كدولة، مدرجة علي لوائح الخارجية الأمريكية للدول التي ترعي الإرهاب، شأناً داخلياً أمريكيا، وهو ما قاد بعد ذلك إلي تحالف غربي

أمريكي لممارسة كل ألوان الضغوط وإطلاق الوعود للتوصل إلي اتفاق نيفاشا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 2005، لإنهاء الحرب الأهلية، ومنح الجنوبيين حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية تمتد لست سنوات، لم تنجح حكومة الإنقاذ الإسلامية في جعل خيار الوحدة خلالها جاذباً للجنوبيين، وليس صحيحاً، فيما أظن، أن الموت المفاجئ لزعيم الحركة الشعبية »جون قرنق« هو الذي سهل خيار الانفصال، بل سهله مشروع الدولة الدينية الذي تتمسك به حكومة الرئيس البشير، فضلاً عن أن معظم القيادات العسكرية في الحركة الشعبية كان ذا توجه انفصالي، فضلاً عن أن مشروع »جون قرنق« كان يسعي إلي تحرير السودان شماله وجنوبه من الفقر والتخلف والتهميش، في إطار دولة ديمقراطية علمانية، لم يكن يهئ الظروف لها اتفاق السلام في نيفاشا، وهو ما يعني أن إجراء الاستفتاء في حياته كان سينتهي أيضاً بالانفصال.

عوامل كثيرة تراكمت عبر عقود للوصول إلي تلك النتيجة، ولعلها هي نفسها التي دفعت المواطن الجنوبي »أنتوني جوزيف« إلي عدم النوم ليلة إجراء الاستفتاء علي حق تقرير المصير للجنوب، وإلي أن يقول بفخر للصحفيين أمام مراكز الاقتراع، جئت إلي هنا في الثانية صباحاً أنا صاحب قضية، وسأصوت للانفصال، ولاسترداد حريتي من الاستعمار الداخلي، انتظرنا هذا اليوم منذ عام 1956، ولا يمكنني التأخر، فهل رأيتم عريساً يتأخر عن عروسه؟! ما العوامل التي جعلت الانفصال عريساً لمعظم أهل الجنوب، فيلخصها القاضي والزعيم السياسي البارز »ابيل الير« فيما سماه سياسات »التمادي في نقض المواثيق والعهود« فمنذ مؤتمر جوبا عام 1947

طالب الجنوبيون بنظام حكم فيدرالي دون جدوي، وتم استخدام أصواتهم في البرلمان عام 1955 لتمرير قرار إعلان الاستقلال بالإجماع، مع وعد بإعطائهم نظام حكم فيدرالياً في الجنوب لم يتحقق، وفي عام 1958 رفض النواب الشماليون مناقشة هذا المطلب بل صوتوا لصالح دستور لدولة إسلامية، وفرض حكم عبود العسكري علي الجنوبيين يوم الجمعة، بدلاً من الأحد عطلة رسمية، فضلاً عن إنشاء مدارس وبعثات تبشير إسلامية، ومعاهد دعوية ترمي إلي فرض التعريب والإسلام قسراً علي إقليم متعدد الديانات والثقافات، فضلاً عن عمليات الاعتقال والتعذيب التي تعرضت لها في عهده القيادات الجنوبية، التي تمرد عدد منها علي قوات الجيش النظامي، وشكلوا ميليشيات الأنيانيا، بعد أن تعمقت العداوة بين الشماليين والجنوبيين، بشكل أوشك أن يبلغ نقطة اللاعودة، وفي مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد في مارس 1956 جدد الجنوبيون مطالبهم بضرورة أن يقدم الشمال ضمانات بالإسراع في التطوير الاجتماعي والاقتصادي للجنوب في مجالات التعليم والبنية التحتية والحفاظ علي الطابع الثقافي الخاص بالجنوب، ثم جاءت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 لتوقف الحرب الأهلية علي امتداد نحو ١١ عاماً، ثم سرعان ما ارتد عليها جعفر نميري معلناً قوانين الشريعة في عام 1983 ومعيداً تقسيم الجنوب إلي ولايات ثلاث بعد أن كانت الاتفاقية منحتهم حكماً ذاتياً. وفي عام 1988 توصل الحزب الاتحادي وعدد من الأحزاب السودانية لاتفاقية »سلام السودان« مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانت قد تأسست عام 1983، وأوشكت الأحزاب والقوي السياسية السودانية علي الالتفاف حول مطلبها، بتجميد تطبيق قوانين الشريعة، ومنح الجنوبيين حكماً ذاتياً بترتيبات لاقتسام الثروة والسلطة، داخل البرلمان، حتي عاجلهم انقلاب الجبهة الإسلامية القومية في بنيو عام 1989 فأجج نظام الإنقاذ الحرب مع الجنوبيين بعد أن كون ميليشيات جهادية لمواجهتهم!

يعقود من التمادي في نقض العهود والمواثيق للتنصل من منح الجنوبيين حقوقهم العادلة في ثروات بلادهم، وفي التعامل معهم وفقاً لحقوق المواطنة التي تضمنها كل مواثيق حقوق الإنسان الدولية، لكل هذا لا يحق لأحد أن يبدي دهشة من صيحات الفرح والبهجة التي تنتاب الجنوبيين الذين يشعرون بالخلاص من كابوس الاضطهاد الديني والعرقي والثقافي والاجتماعي الذي أوصلهم إلي تلك الحال، فاللوم لا ينبغي أن يقع إلا علي الذين نقضوا العهود وتنصلوا منها ويوشكوا أن يفصلوا دارفور وكردفان أيضاً.