رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الساعات الأخيرة في حياة "سعد" حبيب المصريين

حزب الوفد

الثلاثاء, 21 أبريل 2015 07:50
الساعات الأخيرة في حياة سعد حبيب المصريين

لاحظ الذين رافقوا الزعيم الخالد الذكر في أيامه الأخيرة في بساتين بركات ومسجد وصيف، أنه كان حريصاً علي توفير أسباب الراحة لهم، وما دروا أن ذلك سيكون آخر عهدهم به.

وقد تجلي عطف الزعيم ورقة قلبه في إحدي ليالي السمر مع صحبه ورفقائه وظل سعد يداعب الدكتور محجوب ثابت حتي انتصف الليل، وأشفق الحاضرون من أن يتأثر بالبرد ولكنهم لم يجرؤوا علي فض المجلس، إذ لاحظوا رغبته في البقاء واضحة في سروره وانشراحه.

ولكن صاحبة العصمة أم المصريين أرسلت اليه الوصيفة مدموازيل فريدا تخبره أن وقت راحته قد آن، وعندئذ آوى الرئيس إلى مخدعه بعد أن طلب من الحاضرين أن يستمروا في سمرهم مجتمعين بالقرب من شرفة حجرته حتي يستمع إلي أحاديثهم ويشاركهم سرورهم.

 

جملة توحي شعرا

وفي آخر يوم من أيام النزهة في بساتين بركات نزل سعد مبكراً إلى حديقة القصر وقد استعد الجميع للرحيل، وحضر عبدالفتاح أفندي المصور والتمس من الزعيم الراحل أن يسمح له بتصويره. وفي هذه اللحظة سطعت الشمس فبدا وجه سعد متهللاً مشرقاً ولكن عبدالفتاح أفندي لم يرتح لأشعة الشمس القوية وبقي يتملل وسعد يتململ. وأخيراً قال سعد: وبعدها. حنغيب لك الشمس والا إية؟

وكأن الأقدار جاءت بهذه الكلمة علي لسان سعد لتوحي بها إلي المرحوم أمير الشعراء شوقي في رثاء الزعيم الخالد يوم أن قال:

غيبوا الشمس ومالوا بضحاها وانحني الشرق عليها فبكاها وكانت هذه آخر صورة صورت لسعد!

اشتدت وطأة المرض علي سعد في مسجد وصيف. وحضر من القاهرة في يوم الخميس

18 أغسطس سنة 1927 الدكتور عبدالعزيز إسماعيل بك وسليم صابونجي بك واشترك معهما في فحص سعد الدكتور أحمد شفيق والدكتور حامد محمود.

وبرغم ما كان يبدو من انشراح سعد وهبوط درجة حرارته والتحسن في صحته فإن الأطباء قرروا ضرورة عودته إلي القاهرة.

وأذعن سعد لمشيئتهم وأرسل في طلب الأستاذ صبري أبوعلم فلما حضر سأله عن إخوانه وأخذ يحدثه عن مرضه وكان رحمه الله يعتقد أنه مصاب بالإكزيما لا الحمرة فقال:

«أني لأعجب لهذه الإكزيما وسرعة تنقلها كل يوم من جهة إلي أخري. لقد جاءت في وقت بدأت أشعر فيه بطعم الحياة من جديد، فصحتي كانت قد بدأت تتحسن وكنت فرحاً بمن يحيطون بي، بين قادم وزائر ومقيم ومسافر، ودار الضيافة عامرة بهم ونفسي مرتاحة إلي أحاديثهم، ولكن جاء هذا المرض فضايقني...».

 

دعوتي

وفي هذا اليوم تم الاتفاق بين صحبة سعد على أن يستقل رحمه الله الباخرة محاسن في الساعة السابعة من صباح اليوم الثاني (الجمعة 19 أغسطس سنة 1927) من امام مسجد وصيف. وأبلغوا الخبر إلى معالي وزير الأشغال ليصدر الأوامر بفتح الكباري، ورجوا منه أن يكتم الخبر حتي لا يتسرب إلي الجمهور مبالغة في المحافظة علي راحته.

وفي الساعة السابعة من صباح يوم الجمعة استقل سعد عربة عمدة مسجد وصيف إلى الشاطئ، وركب إلى جانبه الدكتور أحمد

شفيق وسار أمام العربة صحب سعد وقد سادهم الصمت واعتراهم الوجوم.

ولما وصلوا إلى الشاطئ، حاولوا أن يحملوا سعدا على كرسي أعد لهذا الغرض، فأبى وقال: «دعوني».

وسار يتوكأ على عصاه، وكان هذا آخر عهده بمسجد وصيف.

 

«أنا رايح.. أنا رايح»

اشتد المرض بعد وصوله القاهرة وساءت صحته في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ليلة 22 أغسطس سنة 1927.

وفي مساء اليوم التالي أظهر للسيدة الجليلة أم المصريين خوفه من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. فأخذت عصمتها ترفه عنه.

وأخذ رحمه الله ساعته ووضعها بجانبه وصار ينظر فيها بين حين وآخر، ويسجل الوقت بصوت مرتفع، وخشيت عصمة أم المصريين أن تحين الساعة الواحدة ويشتد المرض علي سعد فيؤثر الوهم علي صحته تأثيرا سيئا، فتناولت الساعة خلسة وجعلتها الثانية بدلاً من الثانية عشرة.

وفي الساعة الواحدة تماما، عاودته النوبة فتناول ساعته ونظر فيها ثم مر بيده علي وجهه وقال:

«أنا لا أزال أملك حواسي فمن المحال أن تكون الساعة الثالثة الآن».

ونظر إلى وجه صاحبة العصمة أم المصريين فلاحظ شحوبها ودهشتها فأدرك الحقيقة وتمتم قائلا: «أنا رايح.. أنا رايح».

 

أنا انتهيت

وفي الساعة التاسعة من مساء 23 أغسطس، اجتمع الأطباء للتشاور في حالته وفي أثناء الاجتماع انخفض نبضه فجأة وأسرع إليه الدكتور أحمد شفيق، ووجده في حالة النزع الأخير، فاستدعى المغفور له فتح الله بركات باشا من مكتب سعد فنهض مسرعاً وتبعه نجله بهي الدين بركات بك، وقد امتقع وجهاهما وبدت عليهما مظاهر الجزع وفي نحو الساعة العاشرة، أسلم الرئيس الروح.

و كان آخر ما تلفظ به عبارة:

«أنا انتهيت».

وفي الساعة العاشرة تماماً عاد فتح الله بركات باشا إلي حجرة المكتب، وكان المجتمعون فيها يجهلون ما حدث، فلاحظوا شدة امتقاع وجهه وقد وقف وسط الحجرة جامداً لا ينطق ببنت شفة. وفي هذه اللحظة سمعوا أصوات بكاء آتية من الشرفة الخارجية فأدركوا أن القضاء قد حم وأن الفقيد العظيم قد غادر الدنيا، فتعالت أصواتهم بالبكاء والنحيب.