رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الزعيم في المنفى: "مالطا" عدن.. سيشل.. جبل طارق"

حزب الوفد

الثلاثاء, 21 أبريل 2015 07:43
الزعيم في المنفى: مالطا عدن.. سيشل.. جبل طارق

فى 1919 اعتقلت السلطة العسكرية سعد زغلول باشا وأصحابه الثلاثة: محمد محمود باشا وإسماعيل صدقى باشا وحمد الباسل باشا، نفتهم إلي مالطة لأنهم أبوا إلا أن يستمروا فى حركتهم الوطنية بعد ما أنذرتهم الحكومة البر يطانية بالسوء على يد الجنرال وطسون إن لم يوقفوا هذه الحركة ويلزموا الهدوء والسكينة.

ولما ذاع نبأ وصولهم إلى الجزيرة هرع إليهم المنفيون فيها من قبل من أسرى الأتراك والمصريين ورحبوا بهم وعرضوا عليهم أن يكونوا فى خدمتهم فشكروهم على عواطفهم.,فى أول يوم نزل فيه سعد باشا مع أصحابه جزيرة مالطة أرسل البرقية الخالدة الآتية إلى مستر لويد جورج رئيس الحكومة الانجليزية فى ذلك الوقت:

«ان شرف الممالك يقدر بمقدار احترام ساستها ورجالها للمعاهدات السياسية التى يبرمونها، والتصريحات الرسمية التى يفوه بها رجال تلك الحكومة الرسميون وإذا كانت انجلترا فى معاهدة لندن عام 1840 ضمنت استقلال مصر. كما أقسمت المرحومة الملكة فيكتوريا والبرلمان بالتاج والشرف عام 1882، إن الاحتلال لن يكون إلا وقتيا.

وأعلن جلادستون عام 1887: «آن أوان الجلاء عن مصر» ولما كنتم جنابكم الرئيس الممثل لحكومة جلالة ملك بريطانيا والمدافع عن كرامة بلاده وشرف الأمة الانجليزية الحرة. فإنى أطالب جناب الرئيس المبجل برفع الحماية التى أعلنتها حكومتكم على بلادنا قسرا لمقتضيات الحرب وجلاء الجنود البريطانية عن وادى النيل احتراما للمعاهدات والتصريحات التى ذكرناها وصيانة لشرف أمة أنت على رأس حكومتها وليأذن جناب الرئيس بأن أذكر أن سياسة العنف والإرهاق التى اتبعت معنا لا تزيدنا نحن والمصريين كافة إلا تمسكا بمطالبنا وثباتا فى موقفنا وأنه خير لانجلترا أن تكون لمصر صديقة وهناك نستطيع أن نقطع على أنفسنا عهدا بأن نصون مصالحكم فى بلادنا ونروج تجارتكم.

ولقد كان لهذه البرقية تأثيرها فى نفوس كثير من النواب الأحرار الإنجليز حتى أن أحدهم خطب فى مجلس العموم فقال «أتعلمون من هو زغلول فى مصر، هو هذا الجالس فينا (مشيرا إلى رئيس مجلس النواب الإنجليزي) وهل لو قبض على هذا الرئيس لأنه يطالب بحق لنا

أجمعنا عليه نلام  أن نحن غضبنا ؟ إنما يمحو المصريون بقومتهم عارا لحقناه بهم وهو القبض على زغلول وأصحابه وما كان أجدرنا بأن نصغي إليهم ونحفل بمطالبهم».

وقد وضع الزعيم الخالد الذكر لنفسه ولأصحابه المنفيين معه فى مالطة برنامجا لحياتهم اليومية فخصص بعض ساعات النهار للدرس والمذاكرة وخصص ساعات أخرى للمطالعة والمحادثة وخصص ما بقى من ساعات اليوم للرياضة والمسامرة ولقد التقى سعادة (حمد الباسل) باشا فى مالطة برجل ألماني من أسري الحرب وكان قد عرفه فى الفيوم وتلقى عليه دروسا فى اللغة الإنجليزية فلما عرف ذلك المغفور له سعد باشا أخذ يتلقي منه دروس تلك اللغة.

 

فى عدن يبتسم للمجهول

في صبيحة ذلك اليوم الذى أذيع فيه تصريح 28 فبراير فى مصر كان المغفور له سعد باشا وصحبه جالسين فى القلعة التى اعتقلوا بها فى (عدن) يتناولون طعام الإفطار فدخل عليهم وكيل الحاكم العام وأبلغ سعدا أنه سينتقل وحده من عدن إلى جهة اخري غير معلومة وأن أمامه نصف ساعة فقط ليستعد فيها للسفر ثم يؤخذ إلى السفينة الحربية التى ستقله إلى المنفى الجديد وقد قابل سعد باشا هذا النبأ برباطة جأش عظيم بينما أثار أصحابه عدم السماح لهم بالانتقال معه إلى هذا المكان المجهول.

وبعد نصف ساعة ذهب سعد باشا إلي المرفأ ليركب السفينة ورافقه أصحابه إليها وهم يبكون وينتحبون وقد حاول رحمه الله أن يهدئ من روعهم ويزودهم بالنصائح وهو رابط الجأش حتى إذا حلت ساعة الفراق ودعهم وأنشد بصوت مؤثر: وقد يجمع الله الشتيتين  بعد ما يظنان كل الظن ألا تلاقيا.

وما كاد أصحاب سعد يعودون إلي القلعة حتى أرسل الحاكم العام ينبئهم بأن الحكومة الانجليزية أذنت ان يصحب أحدهم سعدا فى منفاه الجديد

فسروا لذلك ووقع اختيارهم على معالي الاستاذ (مكرم عبيد باشا ).

 

فى سيشل يبكيه اللقاء ولا يبكيه الفراق:

وبعد يومين أقلعت السفينة إلى ذلك المنفى المجهول ولم يعلم سعد وصحابه أنهما ذاهبان إلي (سيشل) إلا بعد أن قضيا ثلاثة أيام بين أمواج المحيط ولما وصل إلى (ماهى) عاصمة سيشل هرع الأهالي لاستقبالهما وكانوا يحيون سعد باشا باحترام إكبارا لما سمعوا من أنباء بطولته.

وكان الزعيم الخالد الذكر يقطع الوقت هناك فى التريض ومجاذبة صديقه وأنيسه أطراف الحديث ولما استكشف أن للاستاذ مكرم صوتا شجيا وجد فى إنشاده ما كان يذهب ملله ويرضى نفسه وقد أكمل دولته تعلم اللغة الانجليزية على الاستاذ مكرم فى سيشل وكان إذ ذاك يدرسها فى كتاب وضعه مستر رمزى مكدونلد عن الاشتراكية.

وبعد أيام قلائل من نقل سعد إلي سيشل أصدرت السلطات البريطانية أمرها بنقل أصحابه إلي الجزيرة نفسها وقد انهمرت الدموع من عيني سعد العظيم وهو يستقبلهم عند وصلهم إلي (ماهى) عاصمة سيشل وقال: إن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن أفارق هذه الحياة وانا بعيد عن أولادى.

 

فى جبل طارق

لم يمض وقت طويل على اجتماع سعد بأصحابه من جديد حتى قرر الانجليز نقله إلى جبل طارق ولم يسمح له باصطحاب أحد سوي تابعه الأمين (عبدالله أفندى محمود) فلما كان فى منتصف الطريق أعتلت صحته فضوعفت العناية به ولما وصل سعد إلى جبل طارق استقبله على ظهر الباخرة سكرتير الحاكم العام وبعض كبار رجال الحكومة الملكية والعسكريين استقبالا رقيقا واختاروا لإقامته منزلا رحبا ذا حديقة كبيرة فوق ربوة عالية فى نفس المكان الذي يضم مساكنهم ومعسكرات الجند والمستشفيات.

وكان أول عمل قام به سعد باشا بعد وصوله إلى جبل طارق أن أرسل الخطاب الآتي إلى الحاكم العام:

جناب حاكم جبل طارق.. أشعر بأن الواجب يفرض على أن أحيطكم علما بحالة أصدقائى الذين تركتهم فى سيشل راجيا أن تتفضلوا بتوجيه هذه الرغبة الودية إلى الحكومة الإنجليزية.. أن المناخ فى سيشل ردئ جدا بالنسبة لأبناء بلادى وجميعهم هناك يعانون كثيرا من تأثيره وان صحتهم لفى خطر. لذلك أرجو ان ينقل أصحابى من سيشل إلى مكان آخر يتفق مناخه وأحوالهم الصحية ويسهل الاتصال بطبيب واتخاذ الاحتياجات الضرورية التى هم فى أشد الحاجة إليها «.

وقبل أن ينقل سعد باشا من سيشل إلي جبل طارق أخذ معه صورة جمعت رفقاءه فى المنفي وهو يتوسطهم فكان لا يفتأ وهو فى جبل طارق ان ينظر إلى هذه الصورة ويضمها إلى قلبه وهو يقول: «هؤلاء هم اولادى فليحرسهم الله».