نظام خائف من شعب خائف

بقلم المستشار‮: ‬مصطفي الطويل

هذا هو حالنا‮.. ‬نظام الحكم خائف من ثورة الشعب،‮ ‬والشعب خائف من بطش النظام‮. ‬كيف تسير الدولة وشعبها خائف من حكامها،‮ ‬وحكامها خائفون من شعبهم؟

هذا مع الأسف الشديد حال بلدنا‮.. ‬قال هذه العبارة وبحق الأستاذ الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الأمراض النفسية‮.. ‬وقد وجدت في هذا التعبير،‮ ‬أصدق وصف لحال بلدنا‮. ‬وهنا الخوف من أهم الأسباب التي أدت لما أصابنا من بلايا ونكبات وكوارث،‮ ‬بما في ذلك من ارهاب وتطرف أعمي‮ ‬غير مسبوق وفساد في الأرض‮.‬

خوف الشعب من الحاكم،‮ ‬جعل الناس يلتجئون إلي التطرف الديني،‮ ‬طلبًا للغوث وأملاً‮ ‬في الرحمة من الله سبحانه وتعالي‮. ‬أما الحكام فيخشون من الشعب ثورته،‮ ‬لما وصل إليه من فقر وجهل ومرض وفساد‮. ‬وأصبح كل ما يطلبه الحكام من هذا الشعب أن يظل علي خوفه وخضوعه وسكونه‮.. ‬وكل ما يتمنونه من هذا الشعب هو التصفيق والتهليل،‮ ‬حتي ولو كان تصفيقهم وتهليلهم نفاقًا أو خوفًا،‮ ‬المهم عندهم أن يظهروا أمام العالم وكأنهم فعلا أصحاب الأغلبية وأن الشعب ملتف من حولهم‮.‬

التشدد الديني الذي نعيشه ونشاهده في الشوارع،‮ ‬والتليفزيون وخاصة في الأماكن الشعبية،‮ ‬هو نتيجة حتمية للقهر والكبت الذي يعيشه شعبنا،‮ ‬طوال عشرات السنين الماضية‮.

‬والتشدد الديني الذي نعيشه،‮ ‬ليس مقصورًا علي المسلمين فحسب،‮ ‬وإنما أيضا يقابله تشدد مسيحي،‮ ‬كنتيجة طبيعية للتشدد الإسلامي‮. ‬لقد ترتب علي هذا التشدد من الطرفين ما حدث في السنوات الماضية من قتل واحتكاكات عديدة،‮ ‬سواء في صعيد مصر،‮ ‬كما حدث في قرية الكشح وقرية نجع حمادي،‮ ‬فضلا عن مذبحة الأقصر الشهيرة،‮ ‬أما في الوجه البحري،‮ ‬فقد حدث في الإسكندرية تحديدًا العديد من الاحتكاكات،‮ ‬منها ما حدث في كنائس منطقة محرم بك،‮ ‬كما حدث أيضًا في كنائس منطقة سيدي بشر‮.‬

نعم لدينا تطرف ديني،‮ ‬ويجب أن نعترف به،‮ ‬وألا نضع رءوسنا في الرمال،‮ ‬ولابد لنا من مواجهة المشكلة بصراحة وبصدق،‮ ‬بالحلول طويلة الأجل،‮ ‬فضلا عن الحلول قصيرة الأجل،‮ ‬ومن ضمن الحلول طويلة الأجل،‮ ‬تغيير مناهج التعليم وتربية النشء علي الأخلاق الحميدة والتسامح والمحبة بين الناس،‮ ‬وإن كان التعليم مهمًا في الصغر،‮ ‬فالأهم منه هو الإعلام ودوره الكبير في التأثير علي جميع طوائف الشعب،‮ ‬كما يجب أيضًا الاهتمام بالخطاب الديني وتوجيهه توجيها سليمًا

قائمًا علي المحبة والسلام،‮ ‬سواء أكان هذا الخطاب للمسلمين أو المسيحيين،‮ ‬أما عن العلاج قصير الأجل،‮ ‬فلابد من صدور قانون دور العبادة الموحد،‮ ‬حتي ننتهي من مشاكل اقامة دور العبادة،‮ ‬وكذا إنهاء مشكلة تميز المسلمين عن المسيحيين في الوظائف،‮ ‬والمراكز المهمة،‮ ‬كما يجب الضرب بيد من حديد عل كل من تسول له نفسه،‮ ‬الدعوة إلي التطرف الديني من الجانبين‮.‬

ومن أهم عوامل التطرف الديني الذي وصلنا إليه هذه الأيام،‮ ‬هو الكبت والقهر السياسي،‮ ‬الذي يعيشه شعبنا منذ ما يقرب من ستين عامًا،‮ ‬هذا الحصار المضروب حول الأحزاب السياسية والتجمعات المدنية المعارضة،‮ ‬هو من أهم الأسباب التي جعلت الشعب ينصرف إلي التطرف الديني،‮ ‬خاصة في الطبقات الفقيرة من الشعب الذين يعانون شظف العيش‮. ‬إن التطرف الديني واقع حقيقي بين شعبنا ولابد من الاعتراف به والعمل علي إزالة أسبابه،‮ ‬بأن نسارع بفتح النوافذ والأبواب للحرية والديمقراطية،‮ ‬وأن نفسح المجال للأحزاب السياسية والتجمعات المدنية،‮ ‬لتجد طريقها بين صفوف الشعب،‮ ‬تحتضنه ويحتضنها،‮ ‬لكي ينفس عما في صدره من ألم وحسرة مع ضرورة العمل علي إنهاء جميع المشاكل والخلافات ومطالب إخواننا المسيحيين‮.‬

لقد سبق وأن نبهنا كثيرًا،‮ ‬وقلنا إننا علي حافة الهاوية،‮ ‬وإننا جميعا في قارب واحد‮. ‬فإذا ما تعرض هذا القارب لعاصفة هوجاء،‮ ‬فسوف تعصف بنا جميعًا ونغوص في ظلمة الأعماق‮. ‬الوقت مازال أمامنا،‮ ‬فرب ضارة نافعة،‮ ‬فلنحاول جمع شمل شعبنا بجميع طوائفه وأحزابه وآرائه بدلاً‮ ‬من حالنا هذا،‮ ‬القائم علي خوف الحكام من شعوبهم وخوف الشعوب من حكامهم‮.‬