رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مدنية .. مدنية.. مدنية

بقلم المستشار مصطفي الطويل

تعالت بعض الأصوات في الفترة الماضية لتطالب بأن تكون بلدنا بلداً إسلامية، ونسي هؤلاء أو تناسوا، أن كافة الدساتير المصرية السابقة والحالية، حرصت جميعها علي التأكيد علي أن مصر بلد إسلامي وأن الدين الرسمي لها هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

 

يبدو أن هؤلاء الذين يطالبون بالدولة الإسلامية، لم يقصدوا من هتافاتهم (إسلامية .. إسلامية.. إسلامية) المعني الواضح من كلمة إسلامية. وإنما، كانوا يقصدون من هتافهم هذا، أن تكون مصر دولة دينية، بمعني أن تتحول مصر من دولة المؤسسات إلي دولة من دول العصور الوسطي، فلا دستور ولا قوانين ولا تشريعات ولا لوائح، ولا حتي حكومة أو أي شىء من هذا القبيل. وبالتالي تصبح مصر صورة من صور الممالك الإسلامية القديمة، وربما يعود بنا إلي زمن الجاهلية وقت ظهور الإسلام.

هل هذا معقول؟! العالم كله يتقدم إلي الإمام. وصلت بعض الدول إلي عالم الفضاء وإلي الكواكب والإيمان فيما وراء السماء واخترعوا الصواريخ عابرة القارات واكتشفوا الذرة. ونحن مازال البعض منا يطالب بالعودة. مرة أخري إلي عصر الجمال

والبغال والنعال. فهل هذا معقول؟

الفارق كبير جداً جداً بين الدولة الدينية التي ينادي بها أصحاب الدعوي (إسلامية.. إسلامية.. إسلامية) وبين أنصار الدولة المدنية الحديثة، فالدولة الدينية التي ينادي بها هؤلاء، يحكمها الدين فحسب. أما الدولة المدنية الحديثة، فبالإضافة إلي التعاليم الدينية، التي تحكم علاقة الإنسان بربه، فهناك دساتير وقوانين وتشريعيات تنظم العلاقات الإنسانية الأخري، كعلاقة سلطات الدولة ببعضها وعلاقة الشعب ببعضه وتنظيم الحياة بصفة عامة. الدين هو علاقة الإنسان بربه، أما التشريعات فهي التي تحكم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

مصر بلد فقير كل موارده تنحصر أساساً في السياحة والاستثمارات الأجنبية والوطنية ونزوح أموال المصريين العاملين بالخارج. أما إيرادات قناة السويس فهي مخصصة لأمن مصر القومي والدفاع عن أراضيها. هل إذا ما أصبحت مصر دولة دينية، سيستمر العمل بالبنوك وبالتالي الاستثمارات في تدفقها. البعض يري أن أعمال البنوك هي درب من دروب الربا وأن السياحة هي الفسق

والفجور. فهل مع هذا التفكير ستقوم لمصر قائمة؟؟ مصر ليست لديها موارد طبيعية تكفي حاجتها وحاجة شعبها مثل دول الخليج. كل ما هو عندنا من موارد طبيعية ينحصر في المياه ونهر النيل الذي يدور حالياً حوله العديد من الأقاويل للحد من تدفق مياهه إلينا، حتي مياه النيل معرضة للمخاطر.

فلو أضفنا إلي ذلك كله، وإذا ما أصبحت مصر دولة دينية، هل من المتصور أن الدول الغربية عامة وأمريكا بصفة خاصة سوف تظل مستمرة في مساعدتها إلينا؟؟ هل ستستمر العلاقات الطيبة قائمة بيننا وبين الدول غير الإسلامية؟؟ هل من المتصور أن أموال المصريين العاملين بالخارج ستأتي إلينا مرة أخري. أليس من المتصور أن أغلب إخواننا المسيحيين سوف يفرون من مصر بأموالهم وأبنائهم؟؟ ثم هل سيسمح لولاية المرأة؟؟ وهل.. وهل.. وهل.. ؟؟؟

أمور كثيرة معقدة يصعب التكهن بآثارها ونتائجها، فيما لو حكمت مصر بالدين، كما يطالب البعض منا. وأياً كانت النتائج التي سوف تسفر عنها مليونية باكر، التي من المفترض أنها ستدعو إلي الدولة المدنية في حب مصر، فإن مصر يحب أن تكون دولة مدنية ذات طابع إسلامي، كما كانت تنص دساتيرها في الماضي وكذلك قوانينها، وأن تتم المساواة فيها بين المسلم وغير المسلم، وكذلك بين المرأة والرجل. مصر يجب أن تحيا حياة كريمة تقوم علي مبدأ المساواة في طريق التقدم والرخاء.

مصر.. مدنية.. مدنية.. مدنية.