الدين لله والوطن للجميع

بقلم المستشار مصطفي الطويل

 

انتشرت في الآونة الأخيرة، ظاهرة الخلط بين الدين والسياسة، خاصة عند الاستفتاء علي التعديلات الدستورية، وما أعقبها من تصريحات بعض المتشددين بما يفيد انتصار الدين الاسلامي في موقعة غزوة الصناديق، وما أعقب ذلك من انتشار ظاهرة العنف من بعض المتشددين دينياً، المعروفين بالسلفين، لحد أن وصل البعض منهم، أن نصبوا من أنفسهم الحكم والجلاد في آن واحد، بما اقترفه بعضهم من جرم في حق مسيحي بقطع أذنه دون مساءلة أو محاكمة، فضلاً عن هدم بعض الأضرحة لائمة المسلمين وأخيراً الاعتداء علي بعض الكنائس واحراقها، في سابقة غير معهودة في تاريخنا الاسلامي كله.

وما يعنيني هنا بالدرجة الأولي ذلك الخلط بين الدين والسياسة وما يترتب علي هذا الخلط من آثار سيئة، فمن الواضح أن البعض من المتشددين دينيا - مسلمين ومسيحيين - يستغلون البسطاء من هذا الشعب ويدخلون اليهم من بوابة الدين، التي لا يجدون أمامها سوي الانصياع لهم - فالدين حينما يعلو لا يعلي عليه - ومن هنا كان الاستغلال السيء للدين في اقتياد الشعب الي أغراض ربما تكون مدمرة.

أعود فأقول، إن تدخل رجال الدين في السياسة، أمر مرفوض تماما ويشكل خطورة كبيرة، خاصة في بلد يغلب علي سكانه الأمية وقلة المعرفة والثقافة والتعليم، والدليل علي ذلك ما حدث في الاستفتاء علي المواد الدستورية، من محاولة البعض الايعاذ الي البسطاء ، بأن من يقول "لا" سيدخل النار وأن من يقول "نعم" سيدخل

الجنة، وترتب علي ذلك أن صدق البسطاء من شعبنا ما يدعيه البعض من المغرضين، فكانت النتيجة "نعم" بنسبة 77٪ اللعب بمشاعر ومفاهيم البسطاء أمر في غاية الخطورة، ومن الممكن أن يقود هذا البلد الي خطر داهم.

ولا يفوتني أن أنبه، أن من صور الاستغلال الخاطئ للدين في السياسة، استخدام جماعة الاخوان المسلمين، شعار "الاسلام هو الحل"، وبصرف النظر عن خطورة من يدعي - في المقابل - "أن المسيحية هي الحل"، فإن استغلال هذا الشعار في حد ذاته غاية في الخطورة.

فلو فرضنا أن الاخوان المسلمين قد جاءوا للحكم وتمسكوا بشعارهم هذا، ثم استعصت عليهم مشاكل البلاد وعجزوا عن حلها، فهل هذا يعني أن الاسلام هو السبب في هذا الفشل؟؟ هل سيصل بنا الحال الي تعريض الأديان للقدح والذم بسبب رغبة البعض في الوثوب الي الحكم، ثم بفرض وصول الاخوان للحكم، ومن المعروف أن هناك ايضاً فصائل عديدة اخري من الاسلاميين، فهناك السنة وهناك الشيعة وهناك السلفيون وهناك الصوفية وهناك.. وهناك.. كل هذه الطوائف لها أفكار تختلف مع بعضها، فهل يرتضي باقي فصائل المسلمين بحكم الاخوان المسلمين؟؟ أم سيصل بهم الحال الي تكفير بعضهم للبعض الآخر؟؟ أم أن كل جماعة ستجد من نفسها الاجدر

علي تولي امور البلاد؟؟ وهكذا نظل ندور في حلقة مفرغة بين الآراء والافكار الدينية المختلفة.

من هنا فطن حزب الوفد منذ زمن بعيد لخطورة الخلط بين الدين والسياسة واستغلال الدين في السياسة، من اجل ذلك كان شعار حزب الوفد "الدين لله والوطن للجميع" وانطلاقاً من هذا الشعار، نادي رجال الوفد بعدم التفرقة بين المواطن المسلم وغير المسلم الا بإيمانه بوطنه واخلاصه لشعبه، فكانت مقولة الزعيم الراحل مصطفي النحاس للشيخ حسن البنا - مؤسس جماعة الاخوان المسلمين - حينما اجتمع به "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين" وأيضا "يجب أن تختار إما أن تكون داعية إسلاميا وإما أن تكون رئيسا لحزب سياسي وإنما الخلط بين الدين والسياسة فهذا أمر مرفوض".

منذ الوهلة الاولي لثورة 1919 تنبه حزب الوفد، الي خطورة اللعب بالدين في السياسة، وطالب الشعب بضرورة الفصل بين الدين والسياسة، وكان في ذهن قادة حزب الوفد، ما حدث من حكم الدين في روما وأوروبا، حيث امتلأ الفساد وعم الخراب علي أوروبا كلها، وها نحن الآن وبعد مرور مائة عام تقريبا، نذكر شباب ثورة 25 يناير وجميع القوي السياسية بما حذرنا منه اسلافنا، كي نتصدي جميعاً لكل من تسول له نفسه، لشق الصف بيننا بحجة الدين، الخلط بين الدين والسياسة، قد يعود بالبلاد الي عهود الجاهلية، بحجة الدين والتفسيرات المختلفة لتعاليم الدين، ولا تنسوا أبداً ما فعله الحكم الديني للكنيسة في كل دول أوروبا.

يا ناس - حسبما أعلم - لا يوجد في الاسلام ما يسمي بالحكم الديني أو أن يناط برجال الدين حكم البلاد، فلم نشهد أحداً من فقاء الدين المعروفين قد حكم أياً من الامبراطوريات الاسلامية السابقة، فلماذا لا نترك العمل السياسي للسياسيين، كي يقودوا البلاد الي الطريق السليم؟؟ لماذا لا يكون الدين لله ويكون الوطن للجميع؟؟