رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إلا الدستور

بقلم: المستشار مصطفي الطويل

أتوجه بكلامي هذا إلي التيار الإسلامي، بجميع طوائفه.. لا تعبثوا بالدستور ولا تحاولوا فرض آرائكم عليه.. لقد قامت ثورة يناير 2011 بسبب العبث بالدستور والقوانين، والعمل علي تفصيلها لصالح فصيل معين من شعب مصر، إياكم أن تحاولوا تفصيل الدستور علي رغباتكم وتغفلوا حق باقي الفئات الشعبية في مطالبها الدستورية.

فكما أن هناك المسلمين، هناك أيضا الأقباط، وكما يوجد الرجال توجد كذلك النساء، وهناك الفئات وكذا العمال، والعلمانيون والمتدينون، وعليه، فلابد أن تكون هناك مساواة بين جميع هذه الطوائف المختلفة من الشعب.
أعود وأقول.. حلال عليكم المجالس التشريعية.. وحلال لكم الحكومة الائتلافية.. وحلال رئاسة الجمهورية علي المرجعية الإسلامية.. ولكن حرام أن تعبثوا بالدستور وتحاولوا فرض آرائكم وأفكاركم علي كافة طوائف الشعب المختلفة، هذا بلا شك سيكون شرارة لاندلاع ثورة جديدة، وفي هذه المرة ستكون وبالاً علينا جميعا وخرابا علي مصر بإثرها.
الدستور.. معروف أنه وثيقة يوقعها جميع الشعب، لا فرق بين هذا أو ذاك.. وبالتالي لا يجوز أبدا، أن يضع الدستور مجموعة معينة، بحجة أنهم يمثلون الأغلبية، ومن ثم تتحكم هذه الأغلبية في اختيار الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وبالتالي يتم تفصيل الدستور علي هوي تلك الأغلبية وحدها.. لابد من مراعاة مطالب باقي فئات الشعب الأخري.. ومن أهمها مدنية الدولة وتطبيق الديمقراطية وحماية الحريات، والوحدة الوطنية والمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.. إلي آخر المبادئ المتعارف عليها دوليا.
احذروا العبث بالمبادئ الأساسية للدستور،

هذه المبادئ إذا اختل منها شىء سنكون جميعا في خطر، تذكروا أن مصر مطمع للعملاء، سواء في الخارج أو في الداخل، وتذكروا أن هؤلاء العملاء، سينتهزون أول فرصة للانقضاض علي ثورة مصر المجيدة، وبالتالي العودة بنا إلي الوراء، لا تتسببوا في انهيار الدولة الحديثة، واعملوا علي إقامة ركائز هذه الدولة، بقدر من الحب والتآخي والمساواة، فنحن جميعا في قارب واحد، إذا حدث به ثقب غرقنا جميعا وراحت مصر كلها في غياهب الظلمات.
الدساتير بصفة عامة توصف بالدوام، أي أن القوانين يمكن تغييرها أو تعديلها، ولكن الدستور لا يجوز أبدا المساس به، إلا في أضيق الحدود، وبالتالي، فلابد أن يشتمل الدستور الجديد علي جميع الآراء والمطالب علي اختلاف أنواعها، بقدر من التوازن فيما بينها، إنما أن تنفرد فئة بعينها بالدستور، لتفرض أفكارها ومبادئها، دون مراعاة لأفكار وآراء باقي فئات الشعب الأخري، فهذا بالضرورة سوف يترتب عليه ما لا يحمد عقباه.
هناك روائح كريهة انبعثت من قرار تشكيل اللجنة التأسيسية الصادر عن مجلس الشعب أخيرا، فقد سبق لحزب الحرية والعدالة «حزب الأغلبية» أن طالب بأن تكون نسبة ممثلي مجلس الشعب في اللجنة التأسيسية لا تزيد علي 40٪، ثم فوجئنا بأن هذه النسبة صعدت
إلي 50٪، فإذا كان اختيار الـ 50٪ الأخري بواسطة مجلس الشعب أيضا، فستكون الأغلبية الكاسحة في هذه اللجنة للتيار الديني، ومن ثم سيكون الدستور مفصلا علي هوي هذا التيار المتشدد، وهذا ما يرفضه عدد كبير من أبناء هذا الشعب.
ولا يغيب عن أحد، أن مجلس الشعب نفسه مطعون عليه بعدم الدستورية، وهناك قضايا عديدة أقيمت بالفعل أمام المحكمة الدستورية العليا بالطعن علي قانون مجلس الشعب ونسبة المستقلين، فإذا ما حكم بعدم دستورية هذا القانون، وبالتالي تشكيل مجلس الشعب، فلا شك أن مجلس الشعب هذا سيتعين حله، ويكون بالتالي كل ما صدر عنه من قرارات مشوبة بالبطلان، هذا فضلا عن أن هناك نخبة من رجال القانون والدستور تدرس حاليا الطعن بعدم دستورية قرار مجلس الشعب بتشكيل الجمعية التأسيسية، علي قول من إنه لا يجوز للناخب أن ينتخب نفسه، كما أن المادة 60 من الإعلان الدستوري يفهم منها أن تشكيل الجمعية التأسيسية لابد أن يكون من خارج مجلس الشعب، من أجل هذا كله فمجلس الشعب مطعون في شرعيته وكذا القرارات الصادرة عنه مطعون في مشروعيتها ودستوريتها.
نخلص من كل ما تقدم أن النهم الذي أصاب التيار الديني أخيرا، لا يختلف أبدا عن النهم الذي أصاب الحزب الوطني قديما، كلاهما كان يسعي إلي الاحتفاظ لنفسه بكل شىء «المجالس النيابية، الحكومة، رئاسة الجمهورية، وأخيرا الدستور» تماما كما يحدث حاليا من الأغلبية البرلمانية، التي ترغب في الاستئثار بكل شىء «المجلس التشريعي، الحكومة ورئاسة الدولة، وأخيرا الدستور بتفصيله علي قدها».
كان الله في عون مصر، التي ابتليت قديما بأغلبية وهمية من الحزب الوطني، كما ابتليت حديثا بأغلبية مضللة من التيار الديني، أجراس الثورة الجديدة تدق في الأجواء، فاحذروا ذلك إذا ما اختل توازن القوي في مصر وطغت فئة علي باقي فئات الشعب الأخري.