جمهورية برلمانية

بقلم: المستشار مصطفي الطويل

أعتقد أن أفضل نظام سياسي لمصر في هذه المرحلة، هو النظام البرلماني، وهذا النظام يقوم أساسا علي مبدأ تبادل السلطة بين الأحزاب القائمة، بحيث إن الحزب الذي يحصل علي الأغلبية في الانتخابات البرلمانية هو الذي يشكل الحكومة، وتكون الحكومة المشكلة هي المنوط بها إدارة شئون البلاد الداخلية والخارجية، أما رئيس الدولة وهو رئيس الجمهورية فتكون اختصاصاته محددة في الدستور كإعلان حالة الحرب وإعلان حالة الطوارئ وما إلي ذلك علي أن يكون هورمز البلاد الذي يمثلها في كافة المحافل الرسمية.

المهم، أن هذا النظام له فوائد كثيرة خاصة بعد كل ما عانيناه في أعقاب النظام الرئاسي المتسلط الذي استأثر بكافة السلطات في يد رئيس الدولة، وترتب علي ذلك أن رئيس الدولة ـ ولعدم إمكان محاسبته ـ أساء استعمال واستغلال السلطات الممنوحة له طبقا للدستور، ومن أهم صور التسلط أنه جمع في يده جميع سلطات الدولة الأخري، فهو الذي يختار السلطة التشريعية ويحقق الأغلبية له كما يرأس السلطة التنفيذية ويختارها وكذلك يرأس السلطة القضائية ممثلة في المجلس الأعلي للهيئات القضائية فنظام الحكم في دستورنا الحالي ينحصر في شخص رئيس الدولة الجامع بين السلطات جميعا في يده..ولمن لا يعلم فإن هذا الدستور وضعه جمال عبدالناصر في عام 1956 ثم تم تغييره في

عام 1971 بعد أن جمع السلطات في يده ثم قام الرؤساء الذين تولوا السلطة من بعده بإضافة العديد من التعديلات التي من شأنها إضافة العديد من الصلاحيات في يد رئيس الجمهورية حتي صار رئيس الدولة في ظل هذا الدستور أقرب ما يكون بالدكتاتور، وقد ترتب علي هذا النظام الفاسد أن تفشي الكذب والنفاق والرياء والتملق للحاكم كما ترتب علي هذا النظام أن تهافت الوصوليين والمستغلين للانضمام الي الحزب الذي يشكله، أملا في مطمع أو مغنم، كما ترتب أيضا أن أصبح اختيار القيادات في الدولة علي أساس الثقة دون الكفاءة فانهارت دعائم الدولة كلها، خاصة الاقتصادية والاجتماعية كما تفشي الفساد بصورة مذرية، ومن ناحية أخري انهارت الخدمات كالمرافق والتعليم والصحة والإسكان وما إلي ذلك. كما تفشت البطالة وانعدم الانتماء للوطن، وأصبح الانتماء الي شخص الرئيس.. المهم أن هذا النظام أفسد البلاد تماما وتخلفنا كثيرا عن ركب الحضارة والتقدم العالمي كما سبقتنا دول كثيرة كانت في الحضيض وتقدمت للصفوف الأولي ونحن مازلنا علي تخلفنا وتقهقرنا الي الوراء.

ميزة النظام البرلماني، أنه يقوم أساسا علي

مبدأ تبادل السلطة بين الأحزاب القائمة أو التي ستقوم مستقبلا،وهذا يتطلب بالضرورة أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة، ولن يتحقق ذلك إلا إذا كانت هناك جهة حيادية هي التي تتولي إجراء الانتخابات من الألف الي الياء.

فإذا ما تحقق ذلك سيعود الانتماء للشعب المصري لوطنه لأن الشعب حينما يشعر أن الكلمة الأولي والأخيرة أصبحت له وهو الذي سيختار من يقوم بإدارة بلده، سيعود اليه الحب والانتماء والثقة والتآلف بينه وبين من اختاره لإدارة شئون البلاد كما سيعود اليه ارتباطه، ومن مزايا النظام البرلماني أيضا، أنه يقوم علي توزيع سلطات الدولة والفصل بينها تماما، فلا السلطة التنفيذية تتدخل في شئون السلطة التشريعية، ولا السلطة التشريعية تتدخل في شئون السلطة التنفيذية، وكذا السلطة القضائية، إذا ماتم ذلك فسيختفي الكذب والنفاق والرياء تماما وتعود الأخلاق الحميدة الي الكذابين والمنافقين والطبالين وحاملي المباخر، فالشعب هو مصدر السلطات جميعا، وهو الذي يختار ممثليه كي يقوموا بإدارة بلده، علي أن تكون فترة الحكم لا تتعدي الخمس سنوات ثم تجري انتخابات جديدة لاختيار ممثلي الشعب الذين سيشكلون الوزارة الجديدة.

الخلاصة، أن النظام البرلماني سيفتح الطريق أمام إعادة الانتماء للوطن دون الأشخاص كما سيقطع دابر الفساد والمفسدين، عن طريق الديمقراطية الحقيقية والحرية الكاملة، لأنهما كالماء والهواء للشعوب، بدونهما لن تقوم لمصر قائمة لا اقتصادية ولا اجتماعية ولا سياسية.

وقبل أن أختتم هذا المقال، يعنيني بالدرجة الأولي أن أناشد شعب مصر الكف عن التظاهر طلبا لبعض المطالب والمصالح الخاصة، فقد عاني شعبنا لعشرات السنين السابقة ونطمع في أن يتحمل لبضعة الأشهر القادمة حتي تنقشع الأمور ويتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.