أنوار الحقيقة

العاصمة الجديدة لمصر

المستشار محمد حامد الجمل

< تقرر في مؤتمر التنمية بشرم الشيخ إنشاء عاصمة مصرية جديدة باسم العاصمة الإدارية لمصر، وذلك في مساحة عظيمة من الأرض في المسافة بين القاهرة ومدينة السويس، وقد قدرت المبالغ اللازمة لذلك بحوالي (42) مليار دولار، كما قدر عدد السكان في هذه المدينة بخمسة ملايين نسمة حيث تقرر أن يقام بها مقر لرئاسة الجمهورية وللوزارات المختلفة وللمجلس النيابي، وللسفارات.. إلخ!!

فضلا عن إنشاء الآلاف من المدارس ومرافق الخدمات العامة الصحية والأمنية وغيرها، ويثير هذا القرار بشأن هذه العاصمة الإدارية الجديدة مدي تعارض اعتبارها عاصمة جديدة لمصر مع نص المادة (222) من الدستور التي تقضي بأن مدينة القاهرة عاصمة جمهورية مصر العربية!! ويثير تعارض قرار إنشاء هذه المدينة الجديدة مع نص الدستور ان هذه العاصمة الإدارية ليست جزءا من مدينة القاهرة، وليست أيضا امتدادا لها وبالتالي فإن إنشاءها يتعارض مع كون القاهرة هي العاصمة وحدها طبقاً للدستور، ومن ثم فإنه إما أن يطلق علي المشروع وصف المدينة الإدارية الجديدة أو أي اسم آخر أو ان تعدل مادة الدستور آنفة الذكر بإضافة عبارة وذلك علي النحو الذي تحدده الخريطة المرفقة لإضافة المدينة الجديدة إلي القاهرة ذاتها!!!
< ويثير مشروع هذه المدينة الجديدة أيضا مدي الحاجة إليها حاليا حيث تم تبرير ذلك بان القاهرة تعاني من تضخم عدد السكان، ومن أزمة المواصلات واختناق المرور، والتلوث الهوائي والسمعي والبصري وانتشار القمامة في الطرق المختلفة.. إلخ وأنه لم يعد ثمة إمكانيات لإضافة مساكن أو إحياء جديدة إليها وذلك رغم ان النمو السكاني للمصريين يصل إلي إضافة خمسة ملايين نسمة علي الأقل كل سنة إلي تعداد السكان، ويتكدس عدد كبير منهم في العاصمة نتيجة لقلة وانعدام فرص العمل في المحافظات الأخري وخاصة بالصعيد، ويرد علي ذلك بأن مجلس النواب والوزارات ومقر رئاسة الجمهورية وتوابعها موزعة بين أحياء متعددة بالقاهرة حالياً، وسوف يتم تجميعها

في المدينة الجديدة في حي واحد أو أكثر من حي متقاربين ولن يؤدي ذلك إلا إلي وقف استخدام المقرات والمباني والقصور الأثرية بالقاهرة حاليا، واستخدام المقرات والمباني بالمدينة الجديدة بدلاً منها علي نحو يحقق منها بالتأكيد الازدحام والتلوث.. إلخ كما أن التجمع لتلك المباني والمقرات يحتاج إلي طرق ووسائل مواصلات طويلة لنقل الموظفين من أماكن إقامتهم بالقاهرة القديمة وضواحيها إلي المدينة الجديدة، أو تدبير مساكن جديدة وبديلة لهم في هذه المدينة، ويضاف إلي ما سبق ان الدول المتقدمة لم تلجأ إلي إنشاء عواصم جديدة لها رغم الازدحام وزيادة عدد السكان!! بل ان بعضها قد نص علي وجود المباني الحكومية الإدارية والبرلمانات بها في عواصمها أكثر من قرن، ومنها لندن وباريس وواشنطن وبرلين.. إلخ وغير معروف ان دولة قد قامت ببناء عاصمة جديدة لها إلا دولة البرازيل، أمريكا الجنوبية!! وفضلا عن ذلك فإن المقرر من النفقات اللازمة لإنشاء المدينة الجديدة يبلغ (42) مليار دولار وهو مبلغ ضخم يكفي لمعالجة الأزمات والمشاكل العديدة التي يعاني منها المصريون بشدة علي مستوي الجمهورية وليس فقط مستوي مدينة القاهرة!! فيمكن بهذا المبلغ الإسهام بصورة كبيرة وهائلة في حل مشكلة العشوائيات وتخلف مستوي الخدمات الصحية والتعليمية، وعجز الشوارع والطرقات عن توفير السيولة المرورية في نقل السلع والأفراد وانتقال السيارات.. وتهالك السكك الحديدية!! إلخ.. ومن المعروف انه في عهد الرئيس الراحل السادات قد قرر إجراء عملية النقل للمباني والمقرات الخاصة بالحكومة ومجلس البرلمان وغيرها من مباني المرافق والخدمات العامة من القاهرة إلي مدينة السادات وتم بالفعل إعداد عدد محدود من المباني لنقل الوزارات المختلفة
ثم توقف إتمام المشروع والمرجح ان هذا التوقف قد تم سواء لحاجة المشروع إلي تمويل هائل وعاجل ولوجود أولويات عديدة لمشاكل قومية معقدة تحتاج إلي العلاج العاجل والذي يسبق أولوية وأهمية مشروع السادات وأظن حقيقة ان إنشاء المدينة الجديدة لا يشكل أولوية أولي وأساسية حاليا لتطوير وتنمية الدولة المصرية التي تعاني من الإرهاب والأزمة الاقتصادية والتخلف في الخدمات الصحية والتعليمية والإنتاجية!!!
ومن ثم فإن مشاكل أزمات القاهرة يمكن حالياً علاجها دون حاجة إلي هذه المدينة الجديدة. ويلاحظ ان دولة الإمارات هي التي من المقترح ان تتولي تمويل وإنشاء المدينة الجديدة، وقد ذكر مندوبها للرئيس السيسي خلال مؤتمر التنمية الشاملة لمصر وعلي الهواء ان المدينة الجديدة سوف يتم إنشاؤها خلال عشر سنوات وقد اعترض الرئيس علي ذلك وطالب بأن يكون الانتهاء من إنشائها خلال أقل من خمس سنوات، ومع إمكانية تحقيق ذلك من خلال ضمان العمل ساعات طويلة ليلا ونهارا في اتمام المشروع إلا انه من الناحية العملية لا شك سوف تكون هناك صعوبات شديدة في تحقيق هذا الإسراع في إنجاز العمل وذلك من ناحية توفير آلاف المهندسين وعشرات الآلاف من العمال والمعدات والآلات ووسائل النقل اللازمة لتنفيذ المشروع الضخم وخاصة بالنسبة لكوادر الإشراف والإدارة اللازمة لتنفيذه في مدة قصيرة.
ولا يخفي انه رغم مزايا هذه المدينة بعد إنشائها من ناحية ضخامة وعظمة المباني والمنشاآت التي سوف يتم إنجازها من أفضل مستوي عالمي وفقا لما تم نشره وإذاعته بوسائل الإعلام فانه لن يتم استثمار المبلغ الهائل المخصص لهذه المدينة لحل المشاكل الأكثر إلحاحا وتعقيداً والأشد احتياجاً للتنمية المصرية التي كما سلف البيان تحتاج إلي استصلاح ملايين الأفدنة زراعيا، وإنشاء آلاف المصانع المنتجة وتشييد عشرات الآلاف من المدارس والجامعات والمستشفيات في كل المحافظات وكذلك في تنظيم وإنشاء وسائل المواصلات الجماعية السريعة فوق وتحت الأرض.. إلخ وكل ذلك من المرافق والخدمات الضرورية اللازمة علي نحو سوف يوفر الملايين من فرص العمل المختلفة للشباب الذي يعاني من البطالة بنسبة تصل إلي (13٪) من قوة العمل.
ولكل ما سبق فانه لا شك يتعين إعادة النظر في مشروع إنشاء العاصمة الإدارية السالف ذكرها وإنفاق ما هو مخصص لها وفقا لأولويات الاحتياجات القومية في التنمية اللازمة لمصر وشعبها وبصفة خاصة لشبابها العاطل عن العمل والمساهمة في الإنتاج وتقدم البلاد وعلي الله التوفيق والسداد.
رئيس مجلس الدولة الأسبق

ا