مصر بعد الثورة إلي أين؟

بقلم:المستشار: محمد حامد الجمل

الظاهر أن المجلس الأعلي للقوات المسلحة يقر ما ذهبت إليه لجنة تعديل بعض أحكام دستور سنة 1971 الملغي من أن تتم الانتخابات لمجلسي الشعب والشوري قبل وضع الدستور وقبل انتخاب رئيس الجمهورية..

وذلك علي خلاف ما هو سائد في غالبية أنظمة العالم الدستورية وبالتناقض مع التاريخ الدستوري لمصر قبل ثورة يوليو 1952 وبعد هذه الثورة، وبالتناقض أيضاً مع ما يقتضيه المنطق من حتمية وضع الدستور الحاكم للنظام الجديد للدولة، قبل تشكيل سلطاتها ومجالسها البرلمانية وقبل انتخاب رئيس الدولة وتحديد سلطاته وهو الذي يتعين منطقياً أن يدعو إليها بعد انتخابه وليس المجلس الأعلي للقوات المسلحة!!

ولا يتصور إعادة بناء نظام الدولة بعد الثورة في 25 يناير بدون وجود التخطيط والتنظيم الدستوري لسلطات هذه الدولة وكيان نظامها في القانون الأساسي لها أي في الدستور!! فلا يمكن إقامة أي بناء قبل وضع رسوماته وتصميمه كما لا يمكن أن يسير القطار قبل وضع القضبان.

ومن ثم فإن المواد التي وردت بالدستور المؤقت بأرقام 25 و26 و27 و28 بشأن شروط وإجراءات ترشيح وانتخاب رئيس الجمهورية تعد مواد مقيدة لإرادة الجمعية التأسيسية التي سوف تضع مشروع الدستور بالنسبة للأحكام الخاصة برئيس الجمهورية فضلاً عن ذلك فإن النص علي تشكيل لجنة تتولي إجراءات الانتخابات الرئاسية بالمادة 28 من الدستور المؤقت مع النص علي أن «قراراتها نهائية، ونافذة بذاتها وغير

قابلة للطعن عليها، بأي طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرض لقراراتها بوقف التنفيذ أو الإلغاء، كما تفصل اللجنة في اختصاصها ويجدد القانون الاختصاصات الأخري للجنة.. إلخ».. فتكون هذه المادة قد أسبغت حصانة مطلقة لهذه اللجنة التي هي في حقيقة الأمر أنها وإن شكلت من عناصر قضائية لن تعدو كونها لجنة إدارية تتولي إدارة العملية الانتخابية الرئاسية وطبقاً لأحكام الدستور المؤقت المادة 21 وكذلك طبقاً للمبادئ الدستورية العامة بالإضافة إلي نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية والمنضمة إليها والتي تعتبر من أحكام النظام القانوني المصري ولا يجوز أن تنص علي تحصين أي قرار أو عمل إداري من رقابة القضاء!!

ولقد دارت مناقشات فقهية وسياسية واسعة وحادة وعميقة في الشهرين الماضيين، حول ما إذا كانت للانتخابات التشريعية الأولوية علي الدستور والانتخابات الرئاسية حيث تبني الإخوان المسلمون وفصائل إسلامية أخري أولوية الانتخابات وقد استندوا في ذلك إلي أن هذا الترتيب قد تم الاستفتاء عليه ضمن تعديلات دستور سنة 1971 الملغي، وردت المادة 60 في الدستور المؤقت متضمنة ما تم الاستفاء عليه، وهذا الترتيب مقرر حتماً من المواد الأخري

الخاصة بانتخاب الرئيس سالفة الذكر وقد رفعوا شعارات حتمية احترام رأي الأغلبية وملزومية الاحتكام للديمقراطية وصندوق الاستفتاء وقد وصفوا المنحازين إلي أولوية وضع الدستور بأنهم علمانيون وأعداء للإسلام السياسي.. إلخ، وأنهم لا يحترمون إرادة الشعب الذي تم استفتاؤه وتصنيفه بالقصور السياسي.. إلخ، ولكن هذه الحجج والأسانيد مردود عليها بأن المجلس العسكري ذاته لم يلتزم بصياغة المواد التي أجري الاستفتاء عليها وقام بتعديلها قبل إدراجها في الدستور المؤقت.. وسنده في ذلك هو الشرعية الثورية التي أرستها ثورة 25 يناير كذلك فإن تغليب الاتجاه إلي إجراء الانتخابات أولاً سوف يؤدي - كما حدث بالفعل - إلي أن يتم استصدار قرارات أو مراسيم بقوانين لتنظيم مجلسي الشعب والشوري ومباشرة الحقوق السياسية وغير ذلك من قوانين أساسية مكملة للدستور، مثل قانون الإدارة المحلية وذلك دون وجود مرجعية دستورية يمكن مراجعة ومحاكمة نصوص هذه القوانين موضوعياً وفقاً لها!! كما أن الدستور الذي سوف توضع أحكامه لاحقاً سوف يثير مشكلة إما أن تنفيذ الجمعية التأسيسية بأحكام هذه القوانين الأساسية أو ألا تلتزم بها في نصوص الدستور الجديد، فمثلاً يمكن أن تتجه إلي عدم إنشاء مجلس الشوري أو إلي إجراء الانتخابات البرلمانية بطريق القائمة النسبية غير المشروطة فقط، كما أجمعت علي ذلك الأحزاب، والقوي السياسية وكذلك عدم الالتزام بنسبة الـ 50٪ من العمال والفلاحين.. إلخ.

وبالتالي فإنه سوف يتحتم إذن ما لم تتقيد اللجنة بنصوص تلك القوانين التي أصدرها المجلس العسكري أن تعاد الانتخابات البرلمانية التي أجريت علي نظام مزدوج من الفردي وبالقائمة وتخصيص نسبة الـ 50٪.. إلخ، ولهذه الأسباب فإنه يتعين إعادة النظر لمعالجة كل ما سلف بيانه من المجلس الأعلي للقوات المسلحة والحكومة.. وللحديث بقية.

رئيس مجلس الدولة الأسبق