ماذا يجري في السودان؟!

المستشار محمد حامد الجمل

 

- شاهدت علي شاشات فضائيات متعددة، ضرب رجل من الشرطة السودانية لامرأة بالكرباج معاقبة لها عما نسب إليها من ارتكاب الزني!! وقد أثار هذا المشهد العديد من منظمات حقوق الإنسان في العالم، كما أذاعت عدة فضائيات تعليقات إدانة شديدة للحكومة السودانية، التي تجلد النساء علانية كما في القرون الوسطي!! ورغم ذلك فقد شاهدت منذ أيام الرئيس السوداني »البشير«، وهو يستنكر ويعترض علي هذه الانتقادات الموجهة لحكومته وكان يصرخ بعصبية شديدة، وهو يمسك بعصا، يلوح بها يميناً ويساراً ويضرب بها علي منضدة أمامه، ويقول إن الذين يعترضون علي تلك الواقعة هم من أعداء السودان!! حيث إن الدستور ينص علي أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وقد صدر حكم قضائي بعقاب السيدة السودانية، فمن لا يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، يتعين أن يوقع عليه العقاب الشرعي الإسلامي!! تطبيقاً لأحكام الدستور السوداني، وأكد أن السودان لن يعبأ بحملات التشهير الموجهة ضده. ولقد كان دستور السودان في السبعينيات قبل عهد البشير ينص علي كفالة حرية العقيدة لاتباع الأديان السماوية وغير السماوية ولمن ليست لهم ديانة أو يعبدون الأوثان، وكان هذا النص يراعي انتشار المسيحية والوثنية في جنوب السودان، الذي في طريقه حالياً إلي إجراء الاستفتاء لتحديد مصيره والذي يبدو أنه في سبيله إلي تقرير الانفصال عن الشمال لعدم بذل جهود فعالة لتنمية الجنوب السوداني ولتمييز الشمال عليه!!

 

- وقد أكد الرئيس البشير أنه في حالة انفصال الجنوب سوف يعدل الدستور بحيث ينص علي أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع وكذلك علي أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، ويعني

ذلك أنه سوف يلغي ما تضمنه اتفاق السلام في جنوب السودان من النص علي عدم سريان أحكام الشريعة الإسلامية إلا علي شمال السودان!! ومعه الجنوب!! وقد أذيع علي موقع ويكيليكس أن الرئيس البشير، قد استولي علي مليار دولار من ناتج البترول بالسودان، وحول هذه المبالغ وأودعها في أحد البنوك الإنجليزية، وكذلك فإن المتحدث في البيت الأبيض باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، »مايك هامر« قد ندد وأدان الهجمات التي يتعرض لها المدنيون في جنوب دارفور، وأكد أن جميع القادة السودانيين وعلي رأسهم البشير، مسئولون حماية المدنيين وأضاف »هامر« أن الولايات المتحدة تشعر بقلق عميق، إزاء التقارير التي أفادت بمهاجمة الجيش السوداني قرية »خورايش« وأحرقتها!!

- وكذلك فقد أعلنت قوات حفظ السلام، المشكلة من قوات تابعة للأمم المتحدة والاتحاد السوفيتي بدارفور، أن الجيش السوداني قد اشتبك للمرة الثالثة خلال الأسبوع الماضي، مع بعض المتمردين في دارفور، وذلك بعد توجيه مبعوثين عن الأمم المتحدة، انتقادات للخرطوم لشنها هجمات علي حركة تحرير السودان، وقد استمر إطلاق النار لمدة تزيد علي ساعتين. وكان الزعيم »منادي« من أول الموقعين علي اتفاق السلام 2006، إلا أن الجيش السوداني قد استهدفه بحجة وقف إطلاق النار!! وتضمنت وثائق ويكيليكس أن »لويس أوكامبو« المدعي بالمحكمة الجنائية الدولية قد أبلغ دبلوماسيين أمريكيين، بأن البشير قد اختلس 9 مليارات ووضعها في حسابه في أحد

البنوك البريطانية، كما أكد أوكامبو أنه ناقش الموضوع مع دبلوماسيين أمريكيين قبل أيام من إصداره مذكرة الاعتقال للبشير في 2009، وقد نفي بنك »لويدز« وجود أية حساب خاصة للبشير لديه!! ونفي »خالد المبارك« المتحد باسم سفارته السودان بلندن. هذا الاتهام وصفه بأنه مضحك لاستحالة أن يحصل البشير علي المبلغ من وزير المالية ويحوله للخارج.

والحقيقة أن السودان يتعرض منذ عدة سنوات لحملة إعلامية وسياسية بسبب آبار النفط التي اكتشفت في الشمال والجنوب، وفي مدينة إيبي التي يثور النزاع علي تبعيتها بين شمال السودان وجنوبه، وقد قبل الطرفان قرار التحكيم الدولي، بإجراء استفتاء علي تبعية المدينة، وكانت الصين قد حصلت خلال السنوات القليلة الماضية علي امتيازات البحث عن البترول بالسودان، وهو مالا يتفق مع الاستراتيجية الأمريكية التي تستهدف السيطرة علي منابع النفط بالعالم!!

وتدارك البشير أن للنفط دورا كبيرا فيما يعانيه السودان، ولذلك فقد أعلن منذ عدة أيام عن تنازل شمال السودان، عن نصيبه من الإيرادات النفطية للجنوب في حالة تقريره عدم الانفصال!! ولكن قادة الجنوب، صرحوا بأن هذا العرض جاء متأخراً، والأولي بالبشير أن يعتبر أن مدينة أبيي تابعة للجنوب، وبسبب انحياز حكومة وحزب البشير الحاكم - لإقامة دولة إسلامية بالسودان، تستغل السياسة الصهيوأمريكية تعدد الأديان والإعراق بالسودان مع صراع للقبائل في دارفور، وذلك لتقسيم السودان إلي دويلات متناحرة.

وجدير بالذكر أن الزعيم مصطفي النحاس، قد قال 1950 في مجلس النواب، »تقطع يدي ولا أوقع علي انفصال السودان عن مصر«، ولكن عبدالناصر قد وقع 1954 علي اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، وتعهد باحترام نتيجة الاستفتاء علي انفصال السودان تحقيقاً للاستراتيجية الإنجليزية، التي تشبه الاستراتيجية الصهيوأمريكية الحالية، وليس واضحاً حالياً موقف النظام المباركي مما يجري في السودان وإنما يبدو في تصريح أبوالغيط باقتراح إقامة دولة كونفيدرالية بين الجنوب والشمال الذي أغضب حكومة البشير. إن النظام المباركي ينحاز لانفصال الجنوب وفقاً للاستراتيجية الصهيوأمريكية ودون أن يكون للشعب المصري أية مصلحة في ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله.

*رئيس مجلس الدولة الأسبق