أنوار الحقيقة

مشروع قانون مكافحة الإرهاب (2-2)

بقلم - المستشار/ محمد حامد الجمل

لا شك ان التعديل المقترح في المشروع لبعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية بما يحقق زيادة المدة التي يكون خلالها المتهم تحت سيطرة أجهزة الأمن لإمكان التوصل إلى المعلومات الحقيقية الكافية عن العصابات الإرهابية يبرر ما حدث حتى الآن من حكايات قتل وحرق ونسف وتدمير للممتلكات العامة والخاصة والاعتداء على أساتذة الجامعات وحرق وتدمير لمنشآتها ومقارها بصورة فادحة.

كل ذلك يبرر إصدار مشروع القانون المذكور الآن وليس غداً وقد اعترض البعض على تطويل المدة التي تسبق التزام اجهزة الأمن بإحالة المتهم الي النيابة بأن هذا التعديل مخالف للمادة (54) من الدستور التي تقضي بأن «الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض علي أحد أو تفتيشه أو تقييد حريته، بأي قيد، إلا بأمر قضائي مسبب، يستلزمه التحقيق، ويجب أن يُبلغ فوراً كل تقيدحريته بأسباب ذلك ويحاط بحقوقه كتابة ويمكن من الاتصال بذويه ومحاميه فورا وان يقدم إلي سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته.. إلخ» ولكن هذا الرأي غير سديد فقد تضمن الدستور نص المادة (237) التي تقضي بأن: «تلتزم الدولة بمواجهة الإرهاب بكافة صوره، وأشكاله، وتعقب مصادر تمويله وفق برنامج زمني محدد، باعتباره تهديدا للوطن وللمواطنين، مع ضمان الحقوق والحريات العامة، وينظم القانون أحكام وإجراءات مكافحة الإرهاب والتعويض العادل عن الأضرار الناجمة عنه وبسببه»!!
وبناء علي هذه المادة فإن المشرع الدستوري، قد فوض المشرع العادي بالقانون في وضع وتقنين، أحكام وإجراءات مكافحة الإرهاب، والتعويض العادل عن الأضرار الناجمة عنه، وبسببه كما التزم نص دستور الدولة بجميع سلطاتها الثلاث

بمواجهة الإرهاب بكافة صوره وأشكاله، وتعقب مصادر تمويله، وفقا لبرنامج زمني محدد باعتبار الإرهاب تهديدا للوطن والمواطنين، مع ضمان الحقوق والحريات العامة!! ولا شك ان حتمية تسليم المتهم إلي سلطة التحقيق خلال 24 ساعة فقط من القبض عليه، وتقييد حريته، لا يمكن ان يوفر الوقت الكافي والمعقول لتحقيق الحصول علي المعلومات عن العصابة الإرهابية، التي ينتمي إليها  المقبوض عليه، ومصادر تمويلها، وبالتالي وبناء علي التفويض الدستوري آنف الذكر، فإنه يجوز بالقانون تحديد مدة أطول في حالة جرائم الإرهاب لتسليم المتهم إلي سلطة التحقيق، وهو ما يذهب إليه مشروع قانون مكافحة الإرهاب ونري بالمقارنة بما هو متبع في قوانين الإرهاب بالدول الديمقراطية ان تكون هذه المدة، بالنسبة لجرائم الإرهاب سبعة أيام أو علي الأقل خمسة أيام!!!
وبمطالعة مواد المشروع الأساسية فإنه يتضح انه قد أدخل طبقا للمادة الأولي منه عددا من التعديلات علي المواد (86) وما بعدها من قانون العقوبات، التي نصّت علي عقاب مرتكبي هذه الجرائم، وقد تضمنت المادة (86) معدلة بالمشروع النص علي تعريف «العمل الإرهابي» بأنه كل استخدام للقوة أو العنف، أو التهديد أو الترويع بهدف الإخلال بالنظام العام، أو تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه وأمنه للخطر، أو إيذاء الأفراد، أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم وحرياتهم أو حقوقهم أو أمنهم للخطر، أو الإضرار بالوحدة الوطنية، وإلحاق الضرر بالبيئة، أو بالموارد الطبيعية،
أو بالآثار أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة، أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة السلطات العامة، أو الجهات أو الهيئات القضائية أو مصالح الحكومة أو الوحدات المحلية، أو دور «العيادة أو المستشفيات أو مؤسسات ومعاهد العلم، أو البعثات الدبلوماسية، والقنصلية أو المنظمات والهيئات الإقليمية، والدولية في مصر، من القيام بعملها أو ممارستها لكل أو بعض أوجه نشاطها، أو مقاومتها أو تعطيل تطبيق أي من أحكام الدستور والقوانين أو اللوائح، وكذلك كل سلوك يرتكب بقصد تحقيق أحد الأغراض المبنية بالفقرة السابقة، أو الإعداد لها أو التحريض عليها إذا كان من شأنه الإضرار بالاتصالات أو النظم المعلوماتية، أو بالنظم المالية أو البنكية أو بالاقتصاد الوطني، أو بمخزون الطاقة، أو بالمخزون الأمني من السلع والمواد الغذائية، والمياه، أو بالخدمات الطبية في الكوارث والأزمات، ويقصد بتمويل الإرهاب كل إتاحة أو جمع أو تلقي أو حيازة أو إمداد بشكل مباشر أو غير مباشر لأموال أو أماكن أو أسلحة أو ذخائر أو مفرقعات، أو مهمات أو آلات أو بيانات أو معلومات أو مواد أو غيرها بقصد استخدامها كلها أو بعضها في ارتكاب أي جريمة إرهاب من قبل فرد أو من قبل جماعة إرهابية»!! ورغم هذا التعريف الواسع فإنه قد وفق المشروع في النص عليه لكي يكون تعريفا جامعا مانعا للفعل الإرهابي لخطورته الجسيمة علي الوطن والمواطنين!!
وبمطالعة المواد الأخري من المشروع، فإنه يتضح انها قد شددت العقوبات الخاصة بالجرائم الإرهابية إلي الإعدام والسجن المشدد المؤبد والحبس ونصت علي ان يحكم ببراءة المتهمين من العقوبة في حالة إبلاغهم عن الجريمة قبل وقوعها أو مساعدتهم في ضبط الجناة، وهذه النصوص العقابية تدخل في مجال التفويض من المشرع الدستوري في المادة (237) آنفة الذكر، وقد بعثت جماعة مراقبة حقوق الإنسان «هيومان رايتس ووتش» للرئيس منصور لعدم إصدار مشروع القانون ولا سند لهذه الجماعة في ذلك بل إنها في الحقيقة تتدخل في أمر سيادي مصري لتمكين الجماعة الإرهابية من تخريب مصر.
رئيس مجلس الدولة الأسبق