أنوار الحقيقة

نظرات في مواد الإعلان الدستوري

بقلم المستشار: محمد حامد الجمل

< خرج 35 مليون مصري ومصرية، في 30 يونية الماضي إلي الميادين والشوارع، يطالبون بعزل د. مرسي الرئيس المخلوع، وإسقاط النظام الإخواني الفاشي وذلك بعد ان انكشفت حقيقة سياسات وقدرات هذا الرئيس الفاشل، وطبيعة وأهداف نظامه الفاشي الإرهابي وقد أعلن الفريق أول عبدالفتاح السياسي

في بيانه للشعب، أن الجيش المصري أيد هذه «الثورة الشعبية» والتزمت القوات المسلحة بحمايتها وتنفيذ أهدافها، وبناء علي هذه الحقائق فإن ما حدث في 30 يونية لا يمكن اعتباره «انقلابا عسكريا» كما تزعم جماعة الإخوان المسلمين وإنما هو ثورة شعبية من ملايين المصريين، أيدتها القوات المسلحة والشرطة!!! فالانقلاب العسكري تقوم به وحدات من القوات الانقلابية بعد تدبيره سرا، وتفرض قيادته بالقوة والقهر العسكري إزاحة نظام الحكم القديم وبناء «حكم عسكري مباشر»، بدلا منه، وبناء علي هذه الثورة الشعبية فقد إصدر الرئيس المؤقت المستشار «عدلي محمود منصور» إعلانا دستورياً من «33» مادة يعمل به وفقا لمادته الأخيرة من اليوم التالي لتاريخ نشره ويختلف هذا الإعلان الدستوري عن الدستور المؤقت الذي أعلنه المجلس الأعلي للقوات المسلحة في 30/3/2012 في عدد مواده والأحكام التي وردت بها، والسلطة التي أصدرته، وأغلب مواد الإعلان الدستوري الحالي تتحدث عن الحريات العامة والخاصة والحقوق واختصاص الرئيس ومجلس الوزراء ورئيسه.. إلخ.
< وقد نصت المادة الأولي من هذا الإعلان الدستوري الصادر في 8 يوليو سنة 2012 علي أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي يقوم علي أساس «المواطنة» و«الإسلام دين الدولة»، و«مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع».
وبالطبع يتناقض اعتبار المواطنة أو الوطنية المصرية الأساس الدستوري للدولة مع «المبادئ القطبية» التي تقوم عليها

جماعة الإخوان ، والتي تؤكد أن الدين هو الوطن، وهدفها إنشاء وإعلان دولة «الخلافة الإسلامية» التي تشتمل علي كل الدول التي تعتنق العقيدة «الإخوانية القطبية»، علي مستوي العالم من إندونيسيا شرقا إلي الولايات المتحدة غربا، وقد نصت المادة المذكورة علي ان مبادئ الشريعة الإسلامية مقصود بها - أدلتها الكلية أي القرآن والسنة النبوية، مع قواعدها الأصولية والفقهية بمصادرها المعتبرة في «مذاهب أهل السنة والجماعة». وقد حذف من هذه المادة اختصاص وولاية هيئة كبار العلماء بالأزهر، بمراجعة القوانين والتشريعات المصرية لضمان عدم مخالفتها لمبادئ الشريعة الإسلامية، كما لم يرد في هذه المادة ذكر لمذاهب «الشيعة» بينما استقي المشرع المصري منذ 1928من كل المذاهب الإسلامية «سنة وشيعة»، أحكام القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية مثل قوانين الأحوال الشخصية والمواريث والوقف والوصية.. إلخ، ومن ثم فإن هذا النص لم يأخذ بمبدأ «ولاية الفقيه»، اكتفاء بالنص علي ان الدولة دينها الرسمي الإسلام ويؤكد ذلك نص المادة (2) من الإعلان المذكور علي ان «السيادة للشعب» يمارسها ويحميها ويصون «وحدته الوطنية».
وفي المادة (3) فإن الإعلان المذكور قد نص علي ان «النظام الاقتصادي» يقوم علي «العدالة الاجتماعية» واشترط قانونية الضرائب والرسوم، إلا إنه لم ينص صراحة، علي مبدأ العدالة الضرائبية ومع ذلك فإنه يغني عن ذلك وصف النظام الاقتصادي بأنه يقوم علي «العدالة» الاجتماعية.
< ومع ان المادة (4) نصت علي ان «المواطنين
لدي القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو النوع أو اللغة أو الدين والعقيدة.. إلخ» فإنه لم تنص المادة (10) في فقرتها الأخيرة صراحة علي حظر قيام أي «حزب سياسي» في برنامجه أو عضويته أو نشاطه السياسي علي أساس ديني، وإنما اقتصرت علي النص علي انه «لا يجوز قيام حزب سياسي» علي أساس التفرقة بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو الدين.. ومع هذا الغموض فإنه يتعين تفسير النص علي انه يحظر قيام أي حزب سياسي علي «أساس الدين» لما في ذلك من إخلال بوطنية الدولة وبالمساواة بين المصريين!! وقد نصت الفقرة الأولي من المادة (10) علي ان «للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة، والمواكب والتظاهرات السلمية غير حاملين السلاح، وذلك بناء علي إخطار ينظمه القانون» ولا يجوز ان يفهم من ذلك أن المشرع العادي يملك ان يصادر أو يقيد حق المصريين في التظاهر وإنما يقتصر دوره علي التنظيم للحق بما يكفل قيام سلطات الأمن بحماية المتظاهرين وكفالة عدم استخدام العنف أو التخريب للممتلكات العامة أو الخاصة وعدم تعطيل المرافق العامة، وقد خلت المادة (12) الخاصة بعدم تقادم الدعوي الجنائية أو المدنية الناشئة عن الاعتداء علي أي من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور النص علي ان للمجني عليه ان يقيم الدعوي مباشرة أمام المحكمة الجنائية المختصة حتي لا يُقصر حماية هذه الحقوق قضائيا علي النيابة العامة وحدها!!
< وقد نصت المادة (14) علي انه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء علي قانون، ولم يرد فيها النص علي عبارة «الدستور» الواردة في دستور مرسي والغرياني سنة 2012، وبالتالي فإن ذلك يحقق مبدأ شرعية الجريمة والعقوبة ويمنع تفسير النص علي أساس اعتبار ان النص علي مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع يقرر مباشرة دون نص في قانون فرض أية أحكام مثل «الحدود الشرعية» علي المجتمع حيث لا يتوفر حاليا شرط «حد الكفاية» للمصريين لإمكان تقرير هذه الحدود، وللحديث بقية.
رئيس مجلس الدولة الأسبق